ظاهرة “الجهل الأخلاقي” في المجتمعات العربية

أحمد الشبلي

أحمد الشبلي

مقدمة

رغم التوسع الهائل في التعليم الأكاديمي في المجتمعات العربية، لا تزال أزمة الأخلاق تتفاقم، ويظهر ما يمكن تسميته بـ “الفراغ القيمي” أي غياب البوصلة الأخلاقية التي توجه السلوك الإنساني.

هذا الفراغ لا ينشأ فقط من ضعف المناهج التربوية، بل من منظومة اجتماعية وسياسية؛ تكرّس الانفصال بين المعرفة والضمير، وتُنتج أجيالًا ماهرة تقنيًا، لكنها مشوشة أخلاقيًا.

في هذا المقال، نسلط الضوء على جذور هذه الأزمة، ونحلل دور التعليم والاستبداد في تكريسها، مستندين إلى دراسات واقعية وأمثلة من المجتمع السوري والعربي.

 أولًا: مفهوم الفراغ القيمي

الفراغ القيمي هو غياب المرجعية الأخلاقية الداخلية التي تحكم تصرفات الإنسان، وهو ما يجعل الفرد يبرّر الظلم، ويغضّ الطرف عن الفساد، ويتعامل مع القيم كترف لا ضرورة له. ولقد أشار “مصطفى عطية جمعة” في دراسته عن أزمة الأخلاق في المنظومة التربوية، فإن التربية فقدت وظيفتها في بناء الإنسان القيمي، وأصبحت أداة لنقل المعرفة المجردة فقط، في ظل أنظمة تهمّش التفكير النقدي وتُعلي من الطاعة والانصياع.

ثانيًا: التعليم العربي وإنتاج المهارة دون الضمير

في دراسة بعنوان “أزمة القيم الأخلاقية في المدارس بين الواقع والمأمول”، يشير د. “محمد عادل التريكي” إلى أن المدارس العربية تحولت إلى مؤسسات لتلقين المعارف، لا لتشكيل الشخصية الأخلاقية. ففي سوريا، مثلًا، يُلاحظ أن الطالب يتخرج من الجامعة دون أن يتعلم كيف يحترم الوقت! أو يعترف بالخطأ! رغم تفوقه في مجالات علمية دقيقة.

هذا الانفصال بين المهارة والضمير لا يمكن فصله عن السياق السياسي، حيث يُمنع المعلم من مناقشة قضايا العدالة أو الحقوق أو الحريات، ويُربّى الطالب على الخوف من الخطأ، لا على التعلم منه.

 ثالثًا: التدين الشكلي ومأزق الأخلاق

الاعتقاد بأن التدين الشكلي يضمن الأخلاق هو وهم شائع، فكم من متدين ظاهريًا يمارس الغش أو يحتقر الآخر؟ بينما قد نجد إنسانًا غير ملتزم دينيًا؛ لكنه يتحلى بالصدق والعدل. هذا ما تؤكده الدراسات التربوية التي ترى أن جوهر التدين الحقيقي هو الإحسان، لا الطقوس. في المجتمع السوري، نرى هذا التناقض في سلوكيات بعض الشخصيات العامة التي ترفع شعارات دينية، لكنها تمارس المحسوبية والتمييز، في ظل منظومة استبدادية تُوظف الدين كأداة ضبط اجتماعي لا كمنظومة قيم.

 رابعًا: الفراغ القيمي الجماعي في ظل الاستبداد

حين يغيب التعليم الأخلاقي، ويتكرّس الاستبداد، يتحول الفراغ الفردي إلى فراغ جماعي. يتعلم الطفل أن “الذكي هو من يلتف على القانون”، وأن “الخطأ الجماعي لا يُحاسب عليه أحد”.

ففي دراسة منشورة على موقع “هاشمي بريس” يُشار إلى أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية، ومنها سوريا، أدت إلى انشغال الأسرة عن التربية، مما ترك فراغًا تربويًا استغلته ثقافة التبرير والانتهازية. أما الاستبداد، فقد عمّق هذا الفراغ عبر قمع الضمير الفردي، وتطبيع الفساد، وتزييف القيم، حتى أصبحت الأخلاق مجرد أدوات وظيفية تخدم النظام لا المجتمع.

 خامسًا: التربية الأخلاقية كمنهج حياة

الأخلاق لا تُدرّس نظريًا، بل تُمارس عمليًا. المطلوب هو بيئة تربوية تُكرّم الصدق، وتُكافئ النزاهة، وتُطبّق العدالة. في بعض المدارس السورية، يُلاحظ أن الطالب يُعاقب على الصراحة، ويُكافأ على المجاملة، مما يرسّخ سلوكًا منافقًا. التربية الأخلاقية يجب أن تكون جزءًا من كل مادة، وكل نشاط، وكل علاقة تربوية. لكن في ظل الاستبداد، تُهمّش هذه القيم، ويُستبدل بها خطاب تعبوي يُكرّس الطاعة والانصياع، لا النزاهة والمسؤولية.

 سادسًا: نحو تعليم يولّد الضمير

نحتاج إلى ثورة تربوية تبدأ من رياض الأطفال، وتستمر حتى الجامعة، تُعلّم التفكير النقدي، والتعاطف، واحترام الاختلاف. التعليم يجب أن يُعيد الإنسان إلى إنسانيته، لا أن يُعدّه فقط لسوق العمل. كما اقترحت دراسة “إسلام أون لاين”، فإن إعادة بناء المنظومة التربوية على أساس قيمي هو السبيل الوحيد لحماية الهوية الأخلاقية للمجتمع، شرط أن تُحرّر من قبضة الاستبداد الذي يُفرغ التعليم من جوهره الإنساني.

سابعًا: من الفراغ القيمي إلى النضج الإنساني

التحرر من الفراغ القيمي هو بداية النضج الإنساني. حين يدرك الإنسان أن كل فعل يصدر عنه؛ يؤثر في نسيج الحياة، يصبح الخير خيارًا واعيًا. وهذا هو جوهر النهضة: أن نحسن أن نكون بشرًا ونحن نتعلم، لا أن نكون آلات معرفة بلا ضمير.

لكن هذا النضج لا يتحقق إلا في بيئة حرة، تُكرّم الإنسان، وتُعلي من قيمته، وتُحرّره من الخوف.

أخيراً

إن محاربة الفراغ القيمي هو التحدي الأكبر أمام المجتمعات العربية، ومنها سوريا. فالعلم بلا أخلاق يصنع أدوات دمار، والأخلاق بلا علم تصنع سذاجة. أما حين يجتمع العلم بالأخلاق، يولد الوعي الذي يصنع الحياة. لقد آن الأوان لننتقل من تعليم العقول إلى تربية القلوب ومن النجاح الفردي إلى الضمير الجمعي ومن الطاعة العمياء إلى المسؤولية الواعية.

زر الذهاب إلى الأعلى