ظاهرة العنف الأسري في بلاد اللجوء

وحدة الرصد واستطلاع الرأي في المرصد

يتحدث هذا التقرير عن ظاهرة تعانيها المرأة السورية في بلدان اللجوء، ما زاد عملية اضطهادها؛ على الرغم من أنها تحمل في ظل المأساة السورية عبئاً مضاعفاً عن ذي قبل؛ هذا التقرير يتحدث عن ظاهرة العنف الأسري من خلال:

  • مقدمة في إحصاءات العنف الأسري في سوريا.
  • أشكال العنف الأسري.
  • أسباب العنف الأسري ودوافعه.
  • قصص من الواقع.

المدخل

لا شك في أن الأسرة السورية تعرضت لأصناف الضغوط كافة؛ النفسية والاجتماعية والمادية بسبب الحرب التي أدت إلى تهجيرها قسراً خارج الوطن. انعكس ما مرت به هذه الأسرة من أوضاع الحرب بشكل أو بآخر في صورة عنف نال من الطرف الأضعف مجتمعياً (المرأة).

العنف الأسري أو ما يدعى بالعنف الداخلي عموماً هو استخدام القوة المفرطة ضد أحد أفراد الأسرة بالقدر الذي يسبب أذىً جسيماً؛ نفسياً أو جسدياً وأحياناً يؤدي إلى الموت.

إن جرائم العنف الأسري بطبيعتها جرائم خفية، غالباً لا تدخل في سجلات نظام العدالة الجنائية وإحصاءاتها، فكثير من الأحيان لا تبدو هناك رغبة من الطرف المعتدى عليه في إيصال المشكلة إلى السلطات ومن ثم اتخاذ الإجراءات القانونية (وبخاصة في مجتمعاتنا العربية)، إذ يُسوى ما يجري داخل الأسرة بالصلح والأجاويد العربية، ففي مجتمعنا العربي اعتبار كبير لخصوصية الأسرة وليس من حق الآخرين التدخل في شأنها، ما يسبب حرجاً اجتماعياً لرب الأسرة.

في آخر دراسة أُجريت في سوريا قبل عام (2011) بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، ظهر أن (45 في المئة) من النساء تعرضن للضرب، منها (86 في المئة) من النساء تعرضن للضرب من أزواجهن وكالعادة لم ينتج من أغلبها التقدم بأي شكوى.

وعلى الرغم من أوضاع الحرب التي عوقت إعداد إحصاءات رسمية حول العنف داخل الأسرة إلا أن نسبته ارتفعت ارتفاعاً كبيراً وملحوظاً ليتحول إلى ظاهرة تقبع في الظلام ولا تظهر بصورتها الحقيقية وحجمها الحقيقي، لكن لا بد من محاولة كشف خباياها وإخراجها إلى دائرة العلن.

أشكال العنف الأسري

  1. نفسي: يتجسد في السيطرة والاحتقار والحرمان من المال والحاجات الضرورية.
  2. لفظي: شتم، سب، تهديد.
  3. عاطفي: إهمال، ازدراء، رفض الرأي الآخر.
  4. جسدي: ضرب، تعذيب، قتل.
  5. جنسي: إجبار المرأة أو الفتاة (أخت، ابنة، قاصر) على الزواج من رجل لا ترغب فيه.

أسباب العنف ودوافعه

أكدت دراسة ميدانية حول تعرض الزوجات للعنف، أنه من الناحية الثقافية (الاجتماعية) التي تحكم مجتمعات الشرق الأوسط، فإن المراة تعتبر أقل مرتبة من الرجل وعلى ذلك فإن العنف ضدها يعتبر في كثير من الأحيان هو التصرف الطبيعي، إذ إن القيم الحاكمة في المجتمع تمنح الرجل حق تأديب زوجته (دواعي تربية وتأديب).

تشير القناعات في العالم العربي إلى أن لرب الأسرة حقاً مطلقاً في تربية أبنائه وتأديبهم وحتى زوجته وأن هذا الحق لا ينازعه أحد فيه حتى الدولة.

أيضاً العادات والتقاليد التي تعطي الرجل قدراً من الخشونة والقوة كمظهر اجتماعي لعبت دوراً أساسياً في هذا الوضع، إذ نجد أن كثيراً من الزوجات يستسلمن عند اعتداء الزوج، إذ تسود القوة الجسدية على مسرح الأحداث، علاوة على الدافع الذاتي (طبع الشخص ذاته وما يكتسبه من محيطه).

تقول (أ. أ) وهي لاجئة سورية في ولاية شانلي أورفا التركية وأم لطفلتين: لم أُقصر معه في شئ، لكن تركيبته غير مفهومة، فهو ينفجر في وجهي لأتفه الأسباب، وما زاد الطين بلّة هو اعتداؤه المتكرر بالشتم والضرب مع عجزي عن الرد فلا يوجد لدي أهل أو أقارب يتصدون له أو على الأقل يستضيفونني إن تركت منزل الزوجية.

أيضاً وأيضاً عندما يتصادم الزوج في مكان العمل وبالذات مع رؤسائه فإنه لا يرد على الاستفزازات والإنذارات خصوصاً من رب العمل، ليحمل معه شحنة وافرة من الغضب الخفي إلى المنزل ويفرغها في الهدف السهل (زوجته) متذرعاً بالأجواء القهرية التي يتعرض لها في العمل مثل ما حدث مع السورية (و. ج – 37 عاماً) التي لقيت مصرعها إثر تعرضها للضرب المبرح في منزلها الكائن في غازي عينتاب التركية، كان السبب احتداد المناقشة بينها وبين زوجها الذي انهال عليها بالضرب الشديد على الرأس ما أدى إلى وفاتها على الفور.

إن مهمة المرأة السورية اللاجئة لم تعد مقتصرة على الأعمال المنزلية بل تجاوزتها إلى العمل خارج المنزل بحثاً عن الرزق والمساعدة في إعالة أسرتها فتعود إلى البيت لتقوم بالأعمال المنزلية، والغريب أن النساء العاملات معظمهن (ممن لديهن معيل) قالوا إن الزوج لا يبدي أي استعداد للمساعدة في أعمال المنزل ويرى أنها من واجبات الزوجة ومهماتها.

تقول (أم حسين) زوجي لا يعمل، اضطررت إلى العمل في أحد المعامل التركية، أعمل من الساعة ٨ صباحاً وحتى الساعة ٤ بعد الظهر ثم أعود إلى أطفالي لأطبخ وأقوم بأعمال المنزل بمفردي، بينما زوجي يبقى جالساً أمام التلفزيون أو الموبايل وكأن هذا الأمر لا يعنيه وإذا طلبت منه المساعده فويلٌ لي، أنا متعبة.

أما الدوافع الاقتصادية فإنها تشكل النسبة الأعلى من أسباب العنف الأسري، (أم جهاد) متزوجة و أم لطفل، بعد معاناة الوصول إلى تركيا براً، استقر المقام بتلك الأسرة الصغيرة في فندق عائلي متواضع في ولاية شانلي أورفا الحدودية، لم يحظَ أبو جهاد بفرصة عمل ما استدعى أحد المحسنين إلى مساعدته بمبلغ مالي متواضع ليفتح (بسطة) في الفندق الذي يقطن فيه، وخلال هذه المدة كان جيرانه في الفندق يسمعون صراخ أبي جهاد وشتائمه لزوجته ولكن من دون تدخل منهم، إلى أن سمعوا صوت أم جهاد تستغيث بصوت عال (الحقوني يريد قتلي) وعفوياً دخل بعض السكان إلى غرفة أبي جهاد ورأوا في يده سكيناً رفعه في وجه أم جهاد وهو يشتمها ويهددها بحرمانها من ابنها ورميها في الشارع، ومع تكرار تلك المواقف المخزية اكتشف مالك الفندق أن أبا جهاد يتعاطى المخدرات فطرده من الفندق لينتهي بهم المطاف في أحد المخيمات.

وحكاية (م.ع) لم تكن أفضل من سابقتها، فقد سافرت مع زوجها وأولادها إلى أوروبا بعد أن باعت مصاغها وبيتها الذي ساعدها أهلها في شرائه، تقول (م. ع) بدأ زوجي يأخذ راتبي وراتب أولادي ولا أعرف أين يصرفه لأكتشف في ما بعد أنه يستخدمه في رغباته المنحرفة وعندما واجهته ومنعت عنه الراتب انهال بالضرب على وجهي و جسدي.

العنف الأسري ليس ظاهرة جديدة ولكنها متجددة، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى (سلوك) في ظل التعتيم والتكتم وغياب الرقابة. أليس هناك ضمير اجتماعي واعٍ يمكن دعوته إلى حل هذا السلوك؟.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.