عام على الانتفاضة العراقية.. ما الذي تغير؟

تزامناً مع إحياء عشرات آلاف العراقيين للذكرى الأولى لما يسمونه بـ “انتفاضة تشرين الأول”، تطرح عدة تساؤلات عن الأمور، التي تغيرت في العراق خلال العام الفائت، بدءاً من استقالة حكومة “عادل عبد المهدي” وحتى وصول “مصطفى الكاظمي” إلى السلطة وما اتخذه من قرارات.

وكانت الانتفاضة العراقية قد اندلعت في تشرين الأول عام 2019، ضد الفساد وارتفاع معدلات البطالة وسوء الأوضاع المعيشية، بالإضافة إلى تسلط سلاح الميليشيات المدعومة من إيران، والتدخلات الإيرانية في الشأن العراقي.

لا شيء يذكر

على الرغم من سلسلة القرارات، التي اتخذتها حكومة “الكاظمي” وتبنيها لسياسة حصر السلاح بيد الدولة العراقية، يشير المحلل السياسي، “عبد القادر الدليمي” إلى أن الساحة العراقية لم تشهد حتى اليوم أي تغيير يذكر، لافتاً إلى أن سلاح الميليشيات لا يزال يملك الكلمة الفصل في الكثير من الشؤون العراقية، كما أن الميليشيات لا تزال حتى الآن تتمتع بسلطات ونفوذ واسع، وهو ما يمثل من وجهة نظره المحور الأهم في مطالب العراقيين.

وكان “الكاظمي” قد أصدر خلال الأشهر الماضية، سلسلة قرارات أقصى بموجبها عدة مسؤوليين أمنيين تابعين للميليشيات من مناصبهم، بينهم رئيس هيئة الحشد الشعبي، “فالح الفياض”، الذي أقيل من منصبي رئيس الاستخبارات الوطنية ومستشار الأمن الوطني، بالإضافة إلى إطلاق عملية عسكرية لوقف ظاهرة انتشار السلاح في جنوب العراق.

في السياق ذاته، يلفت “الدليمي” لمرصد مينا، إلى أن صواريخ الميليشيات لا تزال تتساقط وبشكل متصاعد على المدن العراقية والمناطق الحيوية، إلى جانب استمرار ظاهرة اغتيال واختطاف الناشطين المعارضين جهاراً نهاراً، مشيراً إلى أن كل تلك الإجراءات لم تتمكن من اسقاط بندقية واحدة من بنادق الميليشيات.

وشهد العراق خلال الأسابيع الأخيرة سقوط عدة صواريخ من طراز كاتيوشا على عدة مواقع حيوية، كان آخرها سقوط صواريخ بالقرب من مطار أربيل، في إقليم كردستان العراق، شمال البلاد.

إلى جانب ذلك، يؤكد الخبير في الشؤون الأمنية، “علي باجه جي” أن المواطن العراقي لم يشعر حتى الآن بأي تحسن ملموس على الجانب الأمني، لا سيما من ناحية التفجيرات والاختطاف والسجون السرية، التي تديرها الميليشيات، مشيراً إلى أن السلطات الأمنية لم تتمكن حتى اليوم من القاء القبض على أي متهم أو ضالع بالعوارض الأمنية التي تتعرض لها البلاد.

يشار إلى أن قضية المعتقلات السرية في العراق، تعتبر من أكثر القضايا العالقة والمثيرة للرعب داخل البلاد، حيث تشير البيانات المتوفرة إلى وجود عشرات السجون السرية التابعة للميليشيات في العراق، والتي تصعد الحديث عنها بعد اختطاف عشرات الناشطين المشاركين في المظاهرات الحالية

اقتصاد متهالك وأزمة معيشية تدل على الخراب

الحالة المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، لا تبدو وفق كلام المحلل الاقتصادي، “أنور الياور” بوضع أفضل من الحالة السياسية والأمنية، لافتاً إلى أن الفساد لا يزال مستمر بنفس الوتيرة، وأن الأزمة الاقتصادية لا تزال آخذة بالتجذر، وان الحكومة الجديدة حتى اليوم لم تقدم أي حلول أو حتى خطط لحل الأزمة التي يعيشها واحد من أكبر الدول النفطية في العالم.

كما يشير “الياور” إلى أن مكافحة الفساد والبطالة والفقر وعودة النازحين تعتبر من أهم القضايا التي كان من المفترض أن تعالج ضمن الأزمة الإنسانية، إلا أنها ووفقاً لقوله لم تشهد أي تقدم على الإطلاق، لافتاً إلى أن اقتصاد العراق يحتضر فعلياً وقد يشيع في الفترة القريبة.

يذكر أن البيانات الرسمية أشارت إلى أن معدلات الفقر والبطالة في البلاد تصل إلى 20 في المئة، في حين كشفت التقديرات عن وصول حجم الفساد إلى 500 مليار دولار، في وقتٍ تقارب فيه مديونية العراق نحو 100 مليار دولار.

هنا يذهب “الياور” في حديثه مع مرصد مينا، إلى التشكيك في الإحصائيات الرسمية، موضحاً: “نسب البطالة الحقيقية تصل إلى ما يزيد عن 45 في المئة، خاصةً مع تصاعد أزمة كورونا، وفي حال استمرار الأوضاع على حالها، فإن البطالة مرشحة للوصول إلى 55 أو 60 في المئة على أقل تقدير خلال الفترة المستقبلية.

الطامة الكبرى كما يراها “الياور” تكمن في أن الحديث عن أزمة اقتصادية وانسانية في العراق، يأتي في ظل وصول انتاجه النفطي إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً، مشيراً إلى أن عائدات النفط العراقي خلال شهر حزيران الماضي وصل إلى نحو 3 مليارات دولار، ما يشير من وجهة نظره إلى أن معدلات الفساد في البلاد لا تزال مستمرة كما هي.

وكانت وثائق مسربة قد كشفت عن وجود شبكة وهمية من المستوردين العراقيين الذين يحصولون بمساعدة مسؤولين في البنك المركزي، يومياً على 200 مليوت دولار، من اموال النفط، ليرسلوها إلى البنوك الإيرانية تحت بند صفقات استيراد وهمية.

كما كان المستشار العسكري للمرشد الإيراني، اللواء”يحيى رحيم صفوي”، قد أقر قبل أيام قليلة، بأن تدخل بلاده في العراق وسوريا واليمن، لم يكن مجانياً، مضيفا: “في كل مرة كنا نساعد فيها العراقيين، حصلنا على المال بالدولارات”

رحلة البحث عن الخطأ!

الحديث عن عدم إحراز تقدم في ملفات العراق الحساسة، لا يعني بحسب “الدليمي” أن حكومة “الكاظمي” غير جدية في معالجة تلك الملفات، بقدر ما يعكس وجود خلل في آلية تعاطيها مع الأمور، مشيراً إلى أن الحكومة مطالبة بإدراك حقيقة أن مشاكل العراق لا يمكن حلها طالما هناك رصاصة واحدة خارج الأجهزة الرسمية المصرح لها.

تعليقاً على كلام “الدليمي” يشير الخبير الأمني، “باجه جي” إلى أن الحكومة تدرك تلك الحقيقة، إلا أن المشكلة تكمن في أنها لم تجد حتى الآن الآلية الصحيحة للتعامل مع ذلك الملف، موضحاً: “الحكومة تعمل على مبدأ النفس الطويل، وهذا خطأ، كونه يسمح في ذات الوقت، للميليشيات باستغلال عامل الوقت وترسيخ قوعدها غير المعلنة، المطلوب اليوم في العراق قرار جريء ومسؤول، بوقف ظاهرة سلاح الميليشيات، فالدولة العراقية أمام مرحلة إما أن تكون أو لا تكون”.

وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن العراق يضم نحو 40 ميليشيا مسلحة حتى عام 2019، تتلقى جميعها الدعم المالي والعسكري واللوجستي من النظام الإيراني، أهمها فيق بدر وعصائب أهل الحق وحزب الله العراقي والحشد الشعبي، في حين لا تتوفر إحصائيات دقيقة عن عدد منتسبي تلك الميليشيات.

إلى جانب ذلك، يلفت “الدليمي” إلى ضرورة أن يستغل “الكاظمي” حالة الدعم الدولي والشعبي لحكومته، بالإضافة إلى حالة التوتر التي تعيشها الميليشيات والنزاع الداخلي فيما بينها، مشدداً على أن أي إصلاح في العراق لا يمكن أن يتم إلا بنزع سلاح الميليشيات.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©