عبث يد التطرف في ثقافة المجتمع السوريّ الإسلاميّة

وحدة الرصد واستطلاع الرأي في مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

رافق الزحف العسكري للتنظيمات الإسلاميّة في سوريا، ركوداً فكريّاً دسّته وأشاعته التنظيمات ذاتها في صفوف الحاضنة الشعبيّة محاولة خلق أيديولوجية موافقة لفكرها ومنهجها وامتداداً لمشروعاتها الراديكاليّة في سوريا، حملت فكراً دخيلاً مخالفاً لكثير مما يحمله السكان المحليّون، وساهمت في تغيير ملامح طقوس دينية وعادات إسلاميّة عدّة؛ سواء عبر فرضها على العامة أم الدعوة إليها بالإكراه.

نحاول من خلال هذا البحث سرد بعض منها وفقاً لمعاينة واقعيّة ومسح شعبي، حول تفشي هذا الفكر بين النّاس وآثاره في طبيعة الحياة الدينية، الفكر الذي لاقى رفضاً ومنعة من العقليّة المدنيّة السوريّة الملتزمة، في تقبّل جديد ما تُدعى إليه، بناءً على صراع قديم بين منهجين، السلفي الذي تتبنّاه أغلب الجماعات الإسلاميّة والصوفي السائد في عموم الناس في المناطق التي دخلتها التنظيمات وحاولت بسط فكرها فيه، من خلال ممارسات ومضايقات انتهجتها بقوّة السلاح، عادت بآثار سلبيّة في الثقافات الإسلاميّة في المجتمع السوريّ والعادات الاجتماعيّة.

احتكار منبر الجمعة

أقصت التنظيمات الإسلاميّة المشايخ وطلاب العلم الشرعي المحليين جلّهم، وهمّشتهم في النشاط الدعوي ضمن مجتمعاتهم الضيّقة وأبعدت كل من يخالفها الفكر والتبني الأيديولوجي واستبدلت بهم من تُسميهم “الشرعيين” ضمن صفوفها الحاملين للمنهج الجهادي والفكر ذاته، أو من تقرب إليهم ببعض الأفكار وكان قابلاً للانطواء تحت رايتهم، وعملت خلال ذلك للسيطرة على أهم منسك ديني دوريّ في المجتمع الإسلامي ألا وهو (خطبة الجمعة)، إذ احتكرت منبر الجمعة في مختلف المناطق التي سيطرت عليها مستغلةً الرمزيّة الروحيّة لهذا الموقع في المجتمع، محاولة من خلاله تعميم أفكار ونظريّات تؤمن بها الجماعة على عامة النّاس، الأمر الذي تنبّه إليه الأهالي في ما بعد واستاؤوا منه، ما ساهم في خلق حالة شرخ اجتماعي طارئ في بعض المجتمعات الريفيّة في إدلب مثالاً، منها تعدد الجُمع في قرية لا يتجاوز عدد سكّانها 5 آلاف نسمة، بهدف انزواء كل جماعة وفكر ديني في مسجده وخطيبه، بين مسجد سلفي ومسجد صوفيّ، بحيث ترتاد النّاس المسجد بحسب أهوائهم المشربيّة والمسلكيّة.

هدم الأضرحة والمقامات

تنتشر في أرياف إدلب، أضرحة ومقامات ومزارات لرجال صالحين أو ما يُطلق عليه الأهالي “أهل الله”، بأعداد تقريبية تتجاوز 100 موقع، وهي لشخصيّات عرفت بالصلاح والتقوى والالتزام الديني ونسبت إليهم (الكرامات) عبر روايات شعبيّة وأخرى نُقِلت من جيل إلى جيل، وهي في مجملها تلقى اهتماماً بالغاً وعناية من الأهالي، وتشهد زيارات متعاقبة من سكّان المنطقة وباقي المناطق السوريّة القريبة.

بحسب ما يشير “أبو محمد” من سكّان ريف إدلب، بهدف التبرّك والمناجاة والدعاء وكذلك يقصدها بعضهم بهدف معالجة المرضى وفقاً لمعتقدات روحيّة شاعت بين الأهالي، ببركة أصحاب المزارات، إلّا أنّه مع ظهور التنظيمات الإسلاميّة وتمكنها من مناطق واسعة عدة، بدءاً من تنظيم (داعش) إلى (جبهة النصرة) وتنظيم (جند الأقصى)، حوربت هذه الطقوس وعرضت الأهالي للمساءلات والمعاقبة والاقتياد إلى المحاكم الشرعيّة التابعة للجماعات الإسلامية، بدعوة أّنّها “طقوس شركيّة وثنية تتنافى مع رسالة التوحيد التي جاء بها الدين الإسلامي وتوقع بأصحابها في الكفر”.

وقد شهدت مناطق عدة عمليات هدم وتخريب ونبش في الأضرحة والمزارات، بحسب رصد خاص لـ (مينا) أبرزها في مدينة معرة النعمان التي تحوي أكثر من 20 مزاراً وضريحاً من قبل تنظيم (داعش) قبل طرده من المنطقة، وكذلك مدن معرة مصرين وسراقب وقرى جبل السماق، إذ أقدمت مجموعات تتبع لـ(جبهة النصرة) في أوائل 2015 على هدم مقام الشيخ (جابر) في مغارة الإخوان في ريف إدلب، ونبش قبر (الشيخ خميس) من مجموعة تتبع لـ(جند الأقصى) في بلدة حزانو في ريف إدلب، لتحوّله (جبهة النصرة) في ما بعد إلى مكتب دعوي تابع لها، حتى الأشجار المعمّرة لم تسلم من انتهاكاتهم، إذ أقدمت مجموعات تتبع لـ(النصرة) في العام ذاته 2015 على قطع شجرتين معمّرتين في بلدتي باريشا وأخرى في معرزيتا، وهما شجرتان تتميزان بمنزلة روحيّة بين الأهالي وكانتا قد تحولتا إلى مزارين يقصدهما الأهالي من كل مكان.

“ثائر” مدرّس من سكان ريف إدلب، أوضح في حديث لـ(مينا) أنّ هذه الممارسات تعتبر نسفاً لثقافات دينية وتاريخيّة عرفها الأهالي منذ آلاف السنين في عموم المجتمع السوريّ، وأغلب الناس لديهم من المعرفة الدينية ما يدرأ عنهم الوقوع في محظورات شرعية منافية للمعتقد، ما وضع هذه الممارسات محط رفض واستهجان من الأهالي ولو كانت ضمن دعوات تصحيح الدين والمعتقد”.

محاربة (الموالد الدينيّة) ومنع صيغ (التسميع، الترويق، التوديع)

منعت “تحرير الشام” إقامة الحفلات الدينيّة وموالد الذكر في المساجد والأماكن العامة في ريف إدلب، وهو تقليد دينيّ يعرفه الأهالي منذ عشرات السنين، مواظبين على تنظيمه مع كل ذكرى دينية مثل مولد النبي محمد (ص)، بحجة أنّها من الإحداث في دين الله وبدعة لم يعرفها الشرع، وكذلك منعت عبر مذكّرات تبليغ من القضاء التابع لها، الالتزام بصيغ (التسميع) قبيل صلاة الجمعة وليلتها و(التوديع) في العشر الأواخر من شهر رمضان، و(الترويق) الذي يسبق صلاة الفجر لإيقاظ المصلّين، وهي مجموعة من الابتهالات والذِكر والأدعيّة يلتزم بها المؤذن لذكر الله ونعمه وسرعة استجابته وليس فيها ما يخالف الشرع، يحدثنا (أبو عمر) مؤذّن في أحد مساجد ريف إدلب، “تلقيت منذ سنتين أكثر من 4 بلاغات من محكمة (سرمدا) التابعة لـ(تحرير الشام) واستدعيت إلى المحكمة ومثلت أمام القاضي وأمرني أن أكف عن الصيغ المذكورة المخالفة للشرع، وإلا سيعرضني ذلك للحجز والسجن”. إذ إن منهج “تحرير الشام” يعتبرها إحداثاً في الشريعة الإسلاميّة ولم ترد ضمن منهج النبوّة، حتى باتت شبه غائبة تماماً عن مآذن ريف إدلب كلها وباقي المناطق التي تسيطر عليها (تحرير الشام) وهو ما ركز عليه شرعيو الفصيل من خلال منابر الجمعة ودروسهم الشرعيّة في المساجد لترك البدع الدينية والمحدثات التي تشيع في المجتمع السوري، وهي في الحقيقة ما يخالف منهجها السلفيّ.

في الأعياد

تعتبر زيارة المقابر عقب صلاة العيد من أهم المناسك الدينية لدى مسلمي المجتمع السوريّ، وهي في الوقت نفسه عادة اجتماعيّة توفر فرصة لاجتماع الأقارب والأصدقاء في مكانٍ واحد للمعايدة وزيادة أواصر المحبّة والقربى، إلا أنّ كثيراً من التنظيمات الإسلاميّة أبرزها (داعش) منعت قطعياً زيارة المقابر في أيّام العيد في المناطق التي سيطرت عليها، أمّا (جبهة النصرة) فقد حاربت هذا الطقس الديني عبر شرعييها ومكاتبها الدعويّة، وتمكنت بشكل محدود التأثير في عقول بعض الناس، إلا أنّها لم تلقَ تجاوباً، نظراً إلى كثرة النصوص الشرعية والأثر النبوي المؤكد لصحة زيارة المقابر، لكن المرجعية السلفيّة لدى الجماعات الإسلامية تحرم زيارة القبور وتعتبرها من بقايا أهل الأوثان والشرك وتعلق بالأموات.

خُلاصة

مما لا شك فيه أن هناك مخالفات شرعية لبعض العادات الاجتماعية تُمارس باسم الدين؛ ولكن التحذير منها يجري بالحكمة والموعظة الحسنة وليس بالقهر؛ ولا بإرغام الناس على نهج وفهم معين للدين؛ ومن ثم فرض مذهب محدد بحذافيره على المجتمع؛ فالقهر والفرض بالقوة يجعل حتى الصالح من الشعائر منفراً للناس.

والغلظة والقطع بصوابية الفكرة في مذهب معين ليس من الإسلام، وهناك سنة التدرج التي دعا إليها القرآن والرسول الكريم؛ أما استغلال قوة السلاح وخوف الناس فإنه يؤسس مجتمعاً منافقاً.

إنّ هذه الممارسات والمناهج المفروضة من الجماعات الإسلامية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، أحدثت شرخاً كبيراً في صفوف المجتمعات والأهالي، نظراً إلى تبينها فكراً إلغائيّاً مخالفاً في كثير من مقاصده للفكر السائد في الأوساط الشعبية والمجتمع المدني السوريّ المتسامح المتعايش مع الآخر، تحول هذا الشرخ إلى عداءات فكريّة ومنهجيّة وصلت حدّ التكفير والقتل وساهمت بشكل أو بآخر في تأجيج الصراع القائم في سوريا وإزهاق مزيد من الأرواح.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.