عفريــــن: من الحماية الكردية إلى غصن الزيتون؟.

عفريــــــــــــن: من الحماية الكردية إلى غصن الزيتون؟.

دراسة ترصد الواقع الجغرافي والاجتماعي والديموغرافي والسياسي لعفرين ودورها في الثورة السورية حتى عملية غصن الزيتون، وتتضمن:

  • عفرين والثورة السورية؟.
  • التدخل العسكري الروسي في سوريا ودور قوات سوريا الديمقراطية في عفرين؟.
  • الصراع التركي ـــ الكردي في عفرين؟.
  • أزمة العلاقات التركية الأمريكية بشأن عفرين؟.
  • العلاقة التركية الروسية من الأزمة إلى الانفراج؟.
  • غصن الزيتون ثمرة تنسيق تركي روسي؟.
  • مستقبل عفرين؟.

المدخل:

تحتل مدينة عفرين في الذاكرة السورية حيّزاً لعلّه يكون بعيداً عن صور الحرب والدمار التي تشهدها الأرض السورية في الواقع الراهن، فطبيعتها الجبلية المكلّلة بأشجار الزيتون جعلت زيتها يضيء(ولو لم تمسسْه نار)،ونهر عفرين الذي يتدفق في أراضيها جعلها تمتلك الكثير من المصائف والمنتزهات التي غدت مقصداً للعديد من السائحين السوريين وغير السوريين، إذْ من النادر أن تجد مواطناً سورياً لا يعرف شلالات ميدانكي، ومنتزهات كفر جنة، وقلعة سمعان وقلعة النبي هوري، وعين دارة، فضلاً عن هوائها النقي ومناخها المعتدل وتربتها الخصبة التي كانت سبباً في ازدهار الزراعة فيها بكل أصنافها.

تقع مدينة عفرين في أقصى الشمال الغربي على الحدود السورية التركية، يحدّها غرباً لواء اسكندرون، وشمالاً خط سكة القطار الواصل ما بين ميدان إكبس ومدينة كلس التركية، ومن جهة الشرق يحدّها سهل اعزاز، ومن الجنوب جبل سمعان.

تتبع عفرين – من الناحية الإدارية – محافظة حلب، وتبعد عنها مسافة(63) كم، وتبلغ مساحتها (3850 ) كم2وتضم سبع نواحٍ هي:( شران – شيخ الحديد – جنديرس – راجو – بلبل – المركز – المعبطلي) كما يبلغ عدد قراها (360 ) قرية.

يبلغ عدد سكان مدينة عفرين(523258 ) نسمة، وذلك بحسب إحصائيات عام 2012 ،ولكن هذا العدد ربما ارتفع إلى الضعف بسبب حركة النزوح الوافدة إليها من حلب وباقي المدن والبلدات السورية، نظراً لوضعها الآمن والبعيد عن قذائف طيران نظام الأسد.

يشكل(الكورد) الغالبية العظمى من السكان إذ تبلغ نسبتهم (95 بالمئة)،ويبلغ السكان العرب (5 بالمئة)،مع وجود ضئيل للأرمن لا يتجاوز العائلة أو الاثنتين.

أما من الجانب الإثني فالمسلمون السنة هم الأكثر عدداً، يليهم الإيزيديون، مع وجود محدود للعلويين ينحصر في ناحية (المعبطلي) فقط.

عفرين والثورة السورية:

عشية آذار 2011 ،حين انطلاق الثورة السورية وانتشار المظاهرات السلمية في معظم المدن والبلدات السورية، كان الريف الحلبي سبّاقاً في مواكبة الاحتجاجات أكثر من (حلب – المدينة)وذلك بسبب القبضة الأمنية الصلبة لنظام الأسد، وعندما انتقلت الثورة إلى طور الكفاح المسلح كان الريف الحلبي أيضاً – وخاصة بشطريه الشمالي والغربي، أكثر اندفاعاً نحو المقاومة المسلحة، ومع حلول العام 2012 نشأ في ريف حلب الشمالي فصيل عسكري يُعدّ من أكبر التجمعات العسكرية المناهضة لسلطة الأسد آنذاك، وقد أُطلق عليه(لواء التوحيد) الذي سرعان ما امتدّ نفوذه إلى معظم أنحاء الريف الحلبي بجهاته الأربع، وبفضل الدعم الذي يتلقاه هذا اللواء من تركيا وكذلك بحكم العدد الهائل لأعضائه، فضلاً عن حاضنته الشعبية الكبيرة في تلك المنطقة، استطاع طرد قوات نظام الأسد من معظم البلدات والقرى الواقعة شمال وغرب وشرق مدينة حلب، باستثناء مدينة عفري

لم يكن سكان مدينة عفرين أقل شعوراً بالظلم الذي مارسه نظام الاستبداد من بقية المدن والبلدات السورية، بل لعلّهم كانوا يعانون ظلماً (مركّباً) نتيجة حرمان الكورد من حقوقهم القومية في سورية فضلاً عن حرمانهم – كسوريين – من حقوقهم في المواطنة والعيش الكريم، إلّا أن حراكهم المناهض لنظام الأسد لم يكن موازياً لبقية جيرانهم في الجغرافية وذلك لعدّة أسباب، لعلّ أبرزها:

1 – خضوع الرأي العام الكردي عموماً، وسكان عفرين على وجه الخصوص، لتأثير الأحزاب السياسية الكردية والتي لم تكن موحّدة الرأي والوجهة حيال الثورة السورية، فمن هذه الأحزاب من كان متماهياً بالمطلق مع ثورة السوريين لاعتقاده أن حل القضية الكردية لا بدّ أن يكون جزءاً من الحل الوطني السوري عموماً، من خلال إسقاط نظام الاستبداد وإقامة دولة ديمقراطية تراعي حقوق الأفراد والشعوب معاً.

وثمة أحزاب أخرى ظل موقفها غائماً مما يجري على الأرض السورية، بسبب عدم وثوقها بالمكون العربي الناتج عن عدم تفريقها بين نظام الحكم الذي ينتهك حقوق عامة السوريين والعرق العربي الذي ينتمي إليه، وقد عزّز تلك القناعة لدى هذه الأحزاب ظهور التنظيمات الإسلامية المتطرفة واختراقها للحراك الثوري، وسعيها الحثيث لتغيير مسار الثورة.

ولعلّ قسماً آخر من هذه الأحزاب أبدى بوضوح تحفظه على مواكبة الثورة السورية، مُتّبعاً نهجا براغماتياً يمكن ترجمته من الناحية الفعلية  بمفهوم (اغتنام الفرص واللعب على التناقضات وسرعة تبديل المواقف وفقاً للحظة الراهنة ووفقاً لتبدّل موازين القوى)،ولعل من أبرز هذه الفئة من الأحزاب هو حزب الاتحاد الديمقراطي(pyd) وهو الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني(pkk).

2 – لا شك أن حزب الاتحاد الديمقراطي كان صاحب الحضور والسطوة الأقوى في مدينة عفرين، الأمر الذي مكّنه من كبح جماح أي حراك شعبي ثوري دون أن يكون وفقاً لتخطيطه وتحديد وأهدافه.

3 – الذين تمردوا على منهج حزب الاتحاد الديمقراطي من ثوار عفرين وكانوا أكثر تماهياً مع الثورة انحازوا نحو الكفاح والمقاومة المسلحة، وقاموا بتشكيل بعض الكيانات العسكرية التي تعمل خارج مدينة عفرين، مثل:(لواء الكوملة – المجلس العسكري الكردي – لواء يوسف العظمة – لواء صلاح الدين الأيوبي)،إلّا أن نشاط هذا الحراك العسكري خارج عفرين جعل حزب الاتحاد الديمقراطي هو الأكثر سيطرة أمام ضعف بقية الأحزاب الكردية داخل المدينة.

في مطلع العام 2012 بدأت حالة التقهقر العسكري واضحة على سلطات نظام الأسد، بل انحسر نفوذه عن 90 بالمئة من مساحة الريف الحلبي، الأمر الذي جعل قوات الأسد المتواجدة في عفرين شبه محاصرة، فبادرت – نتيجة ذلك – بالانسحاب من المدينة وتسليمها لحزب الاتحاد الديمقراطي بتاريخ (19 – تموز – 2012 ) الذي سعى إلى تشكيل هيئة لإدارة شؤون المدينة أُطلق عليها:(الهيئة الكردية العليا). تشكلت الهيئة – آنذاك من مجموعة من الأحزاب الكردية التي تنضوي تحت مسمى (المجلس الوطني الكردي) بالإضافة إلى حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يُعدّ صاحب النفوذ الأقوى في المدينة.

2015 منعطف جديد في مسار الثورة:

يمكن القول إن تاريخ (30 أيلول 2015 ) يعدّ منعطفاً حاسماً في توجه مسار الصراع في سورية، وهو اليوم الذي أدركت فيه حكومة بوتين عدم قدرة نظام الأسد على التماسك والاستمرار في الصمود أمام المقاومة المسلحة المناهضة للنظام في سورية، وذلك على الرغم من المساهمة الكبيرة التي تبذلها إيران وميليشياتها الداعمة لقوات الأسد على المستوى السياسي والميداني بآن معاً، أضف إلى ذلك أن القرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن وخاصة قرار جنيف 1 لعام 2012 لم يكن يحظى برضا روسيا ونظام الأسد معاً كإطار لحل سياسي للأزمة، عندئذ كان قرار روسياً حاسماً نحو الحل العسكري الذي تمثّل بهجوم جوي عام لم يستثن أي بقعة جغرافية في سورية تتواجد عليها مقاومة مناوئة للأسد، بدأت الحرب الجوية الروسية الحارقة على السوريين تحت شعار مقاومة إرهاب داعش والنصرة، إلّا أن هذين التنظيمين المتطرفين لم ينالا من القصف الروسي مانالته فصائل الجيش الحر، فحكومة موسكو كانت واضحة الأهداف الرامية إلى استئصال كل أشكال المقاومة المسلحة المعادية لنظام الحكم في سورية.

ما بين أيلول 2015 – وكانون أول 2016 ،أي خلال خمسة عشر شهراً من القصف الجوي الروسي المركّز على حلب وريفها وحماة وإدلب والريف الدمشقي، موازاةً مع تجنّب الطائرات الروسية استهداف تنظيم داعش الذي تركته روسيا يؤازرها في استنزاف فصائل الجيش الحر، خلال تلك الفترة استطاع الروس تمكين نظام الأسد من استعادة السيطرة على العديد من المدن والبلدات التي كان قد فقد السيطرة عليها منذ العام 2012 ،ولعلّ العملية العسكرية التي شنها الروس على حلب أواخر 2016  وانتهت بخروج كافة المقاتلين من حلب الشرقية إضافة إلى إفراغها من سكانها، كانت الأبرز في تحويل دفة الصراع المسلح في سورية.

 وفي سياق تداعيات العام 2015، وتحديداً في شهر أكتوبر، تم تشكيل (قوات سورية الديمقراطية)بمبادرة من الولايات المتحدة الأمريكية، وكان المراد من هذا التشكيل الجديد إنشاء كيان عسكري يتألف من قوميات وإثنيات متعددة بهدف محاربة تنظيم (داعش) الذي كان يحتل منذ العام 2014 (منبج وجرابلس والباب غرب الفرات، ثم الرقة وقسما من محافظة دير الزور شرق الفرات) ولكن – وبلا أدنى ريب – يبقى زمام القيادة الفعلية في هذا التشكيل لحزب الاتحاد الديمقراطي(pyd ).

إن تبلور المصالح ذات الأولوية لدى كل طرف من أطراف الصراع في سورية أخذ يفصح بوضوح أكبر عن ظهور مبدأ (تقاسم النفوذ) الذي اعتمد على حيازة الأرض ثم مفاوضة الخصم، الأمر الذي عزّز مواقع لاعبين رئيسيين اثنين هما موسكو وواشنطن، ويقف خلفهما لاعبان إقليميان هما تركيا وإيران.

  1. الأولوية الروسية باتت تكمن في اعتبارها الحل العسكري هو جزء أساسي من العملية السياسية، بل هو الممهد لأي حل سياسي، وهذا ما جعل سعيها المباشر يتجه نحو سحق المعارضة المسلحة وتمكين نظام الأسد من السيطرة على أكبر قدر من المدن والبلدات السورية، متماهيةً مع الرؤية الإيرانية التي لا ترى سبيلاً غير ذلك لبقاء نظام الأسد.
  2. الولايات المتحدة الأمريكية لم تبتعد كثيراً عن الرؤية التي كرّستها إدارة أوباما منذ العام 2013 ،أي منذ قبول واشنطن بتجريد نظام الأسد من سلاحه الكيمياوي مقابل عدم توجيه ضربة او ضربات عسكرية لدمشق، وذلك على أعقاب الهجوم الكيمياوي الذي شنه نظام الأسد على الغوطة الشرقية في شهر آب عام 2013 ،وسُمّيت هذه المقايضة آنذاك بين موسكو وواشنطن ب(صفقة الكيمياوي).

عودة الصراع التركي – الكردي:

بعد طرد تنظيم داعش من مدينة(كوباني) في شتاء 2015 ،ثم من (منبج) في تموز 2016 ،كذلك من الرقة عام 2017 ،باتت قوات سورية الديمقراطية تسيطر على مساحات واسعة من الأرض السورية تمتد من مدينة منبج غرب الفرات وحتى مدينة الحسكة، الأمر الذي أيقظ قلقاً تركياً قديماً من احتمال إنشاء كيان كردي قريب من حدودها مع سورية، وهذا ما يعدّه الأتراك تهديداً مباشراً لأمنهم القومي وما عزّز مخاوف أنقرة هو عدم إخفاء الجانب الكردي رغبته المتمثلة بتجسيد مشروع (روج آفا – غرب كوردستان)،والذي يتألف من ثلاث مقاطعات أو كانتونات: ( الجزيرة – كوباني – عفرين) بل إن الرغبة الكردية بالربط بين المقاطعات الثلاث باتت واضحة، ولتحقيق ذلك – وفقاً لحزب الاتحاد الديمقراطي(pyd) لا بدّ من ربط منبج بعفرين وذلك من خلال السيطرة على جرابلس واعزاز والباب وصولاً إلى عفرين.

ولكن بالمقابل، فإن الترجمة الفعلية للمخاوف التركية لم تتأخر كثيراً إذ سرعان ما بدأت تركيا بعملية عسكرية أطلقت عليها(درع الفرات)وذلك بالتحالف مع فصائل الجيش الحر المتواجدة في الريفين الغربي والشمالي لمدينة حلب.

أفضت عملية درع الفرات إلى طرد تنظيم داعش من جرابلس والباب، وبهذا تكون قد قطعت الطريق أمام الحلم الكردي بالربط بين كوباني وعفرين.

أزمة العلاقات التركية الأمريكية:

لا شك أن الدعم الأمريكي العسكري المتنامي لقوات الحماية الكردية بات يثير سخطاً كبيراً لدى أنقرة، ما جعل الساسة الأتراك يفكرون بإعادة النظر في العلاقة التقليدية بين تركيا وأمريكا من جهة، وبين تركيا وحلف الناتو من جهة أخرى، ومما زاد في السخط التركي عدم وفاء واشنطن بوعد للأتراك أكدوا فيه على سحب قوات الحماية من منبج إلى شرق الفرات، جاء هذا الوعد على لسان نائب الرئيس الأمريكي(جو بايدن) أثناء زيارة إلى أنقرة في آب 2016 .

ولعله من الثابت أن ازدياد التوتر بين تركيا وأمريكا كان الدافع الرئيس لأنقرة بإعادة النظر مرة أخرى إلى المشهد السوري آخذةً بعين الاعتبار البحث عن علاقات جديدة تمكّنها من تحقيق أولوياتها التي يأتي في طليعتها إبعاد خطر حزب العمال الكردستاني مُمَثّلا بجناحه السوري(pyd).

العلاقة التركية الروسية – من الأزمة إلى الانفراج؟.

في الرابع والعشرين من نوفمبر – تشرين ثاني 2015 ،أسقطت الطائرات التركية طائرة روسية من طراز(سيخوي 24 ) ما أدى إلى مقتل أحد الطيارين واعتقال الآخر، وذلك بسبب اختراق الطائرة الروسية للمجال الجوي التركي. وفي سياق الردّ الروسي قامت حكومة بوتين بتوفير غطاء جوي كثيف مكّن قوات الحماية الكردية من احتلال ست بلدات في ريف حلب الشمالي، منها تل رفعت وعين دقنة ومنغ، وكان من نتيجة هذه العملية أيضاً تشريد ما يقارب (250000) من سكان تلك البلدات ورمْيهم في العراء والمخيمات، إضافة إلى مقتل العشرات من فصائل الجيش الحر التي قامت قوات (قسد) بالتمثيل بجثثهم والطواف بهم بحالة شبه استعراضية في مدينة عفرين. ينظر الروس إلى هذه العملية على أنها عقوبة لتركيا مقابل إسقاط الطائرة الروسية، بل هي عقوبة تدرك تركيا جيدا حساسيتها، وخاصة أن مدينة تل رفعت التابعة إلى عفرين من الناحية الإدارية، لا تبعد عن الحدود التركية سوى (40 ) كم.

لعل الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موسكو في آب 2016 أوضحت توجهاً جديداً في السياسة التركية يؤكد رغبتها بالتحلل من العلاقة التقليدية مع واشنطن، أو على الأقل لا يعوّل عليها بمفردها، كما يؤكد تسليم تركيا وتفهمها للدور الروسي – عسكرياً وسياسياً في الشأن السوري.

(غصن الزيتون) ثمرة تنسيق تركي روسي؟.

لعله من الضروري التأكيد على أن لقاءات (أستانا) التسعة التي أفضت إلى تفاهم ثلاثي (روسي – تركي – إيراني) إنما كان المراد منها البحث في مصالح الدول المشار إليها على الأرض السورية بالدرجة الأولى، وليس – كما هو مفترض – البحث في إيجاد حل للقضية السورية، وانطلاقاً من ذلك فإن الأولوية التركية تتجه نحو تجريف أي أثر لحزب الاتحاد الديمقراطي (pyd ) من المدن والبلدات السورية المتاخمة لحدودها، فكان قرار القيادة التركية بالتوجه إلى عفرين أولاً نظراً لوقوعها – وفقاً لمبدأ تقاسم النفوذ – تحت نفوذ روسيا التي وجدت أن الحاجة إلى استثمار(قسد) لم تعد ضرورية كالسابق، بل إن مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية تملي عليها التنازل – ولو مرحلياً – للرغبات التركية، وهذا ما جعلها تسحب جميع قواتها ومعداتها العسكرية الموجودة في عفرين قبل بدء المعركة بيومين. أما الولايات المتحدة الأمريكية والتي شكلت مظلة سياسية ل(قسد) منذ أن تشكل كيانها في أكتوبر 2015 فقد أعلنت موقفها بوضوح وأبلغت حليفها الكردي بأن مدينة عفرين لا تخضع للنفوذ الأمريكي من الناحية الجغرافية، لذلك فهي لن تقف في وجه أي قوة تهاجم عفرين. وكذلك لم تنفع نداءات الاستغاثة التي أطلقتها قيادة قسد بمناشدة نظام الأسد بالدفاع عن مدينة عفرين، لأن نظام الأسد اشترط أن تكون عفرين تحت سيادته الكاملة من الناحية الإدارية والعسكرية، الأمر الذي لم توافق عليه قوات قسد.

في تلك الأثناء ارتفعت العديد من الأصوات في الوسط الكردي السياسي تطالب قوات الحماية الكردية بالانسحاب من مدينة عفرين وإعطاء مقاليد الإدارة إلى سلطة مدنية من أهالي عفرين، لتفادي معركة قد تودي بالعديد من أرواح المدنيين فضلاً عن تشريد الكثير من السكان، ومثل هذه الدعوات أطلقها – أيضاً – العديد من القوى السياسية السورية التي كانت تخشى أن يكون سيناريو الحرب في عفرين شبيهاً بما حلّ بالرقة أو منبج أو الباب التي كانت مسرحاً لحرب مدمّرة بين تنظيم داعش والتحالف الدولي. إلّا أن هذه الأصوات جميعها لم تلق آذاناً صاغية لدى قيادة قسد التي قررت مواجهة ما وصفته بـ(العدوان التركي) على حد تعبيرها، ولكن السؤال الذي لم يجب عليه أحد في ذلك الحين هو: على ماذا كانت تعوّل قيادة قوات الحماية الكردية في عفرين أمام معركة معروفة النتائج قبل أن تبدأ؟.

بتاريخ (20 يناير 2018 ) بدأت فصائل من الجيش السوري الحر بالزحف إلى مدينة عفرين ضمن معركة أطلق عليها الأتراك اسم (غصن الزيتون)تساندها الطائرات التركية والمدفعية الثقيلة التي استهدفت مواقع قوات قسد في محيط مدينة عفرين والبلدات والقرى التابعة لها، موازاة مع حركة نزوح كبيرة بين السكان المدنيين.

كان تقدّم القوات التركية سريعا في ريف مدينة عفرين، ولكنه أخذ يتباطأ في محيط المدينة نظراً للتحصينات المحكمة التي أقامتها قوات الحماية الكردية في عفرين خلال خمس سنوات مضت، إضافة إلى أن سلاح الجو التركي كان يتوخى استهداف النقاط والتجمعات العسكرية التابعة لقسد، متحاشياً التدمير أو القصف العشوائي للمدينة، ولكن على الرغم من الحيطة التي أبداها الجانب التركي في تحاشي استهداف المدنيين، فقد سقط مواطنون مدنيون وأُصيب آخرون، ونزح عدد كثير من بيوتهم، ذلك أن جميع أشكال الحرب الدائرة على الأرض السورية هي حرب بلا أخلاق.

مع ازدياد الحصار على مدينة عفرين بدأ تماسك قوات قسد يضعف، كما بدا واضحاً ان خروج قسد من المدينة هو مسألة وقت لا أكثر، ويمكن إجمال ذلك بالأسباب التالية:

  1. إخلاء مدينة عفرين من أي أثر لحزب الاتحاد الديمقراطي وملحقاته العسكرية كان نتيجة تفاهم روسي – تركي، إضافة إلى تجاهل أمريكي لمصير حليفه الكردي في عفرين.
  2. جميع ما قيل عن مؤازرات قد تتلقاها قوات قسد في عفرين لم يكن له أساس فعلي صحيح، حتى ولو أنها حصلت فلن تستطيع تغيير موازين القوى نظراً لعدم وجود أي تكافؤ من حيث القوة العسكرية بين (pyd) والقوى المهاجمة.
  3. من الضروري التأكيد على أن القوميين الأكراد في سورية لا يرون – جميعهم – أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو الحامل المناسب لمشروعهم القومي والمنافح المخلص عن قضيتهم، بل هناك الكثير من القوى السياسية الكردية ذات المنحى الوطني المناهض للاستبداد في سورية ترى في حزب الاتحاد الديمقراطي على أنه حليف لنظام الأسد، إضافة إلى جملة من الممارسات الإقصائية وحالات الاعتقال والتنكيل التي قام بها حزب الاتحاد الديمقراطي مستهدفاً العديد من القوى والأحزاب الكردية التي لا تنضوي تحت أجندته، ولعل هذه الأمور، وسواها الكثير، جعلت قوات قسد تقاتل باسم الأكراد دون أن تحظى بحاضنة شعبية كردية واسعة.

في يوم 18 – 3 – 2018 أعلنت الحكومة التركية تحرير مدينة عفرين من أي تواجد تابع لقوات سورية الديمقراطية، ولكن الأرجح أن القوات الكردية قد غادرت المدينة قبل هذا التاريخ المُعلن، ولعله كان بمقدور الأتراك وفصائل الجيش الحر دخول مدينة عفرين منذ يوم 15 – 3 – 2018 ولكن ربما أرادت الحكومة التركية أن يتزامن انتصارها على قوات الحماية الكردية في عفرين مع التاريخ ذاته التي جرت فيه معركة (جانق قلعة 18 – 3 – 1915) وهي المعركة التي انتصر فيها العثمانيون على التحالف (الإنكليزي الفرنسي) أثناء الحرب العالمية الأولى.

استغرقت معركة عفرين خمسين يوماً، كانت الحكومة التركية من خلال وسائل إعلامها تؤكد على التمييز بين الأكراد كشعب، وبين قوات الحماية الكردية الموصوفة بالإرهاب – وفقاً للجانب التركي، كما كانت دائمة التأكيد على أحقية أهالي عفرين بإدارة شؤون مدينتهم بعد خروج قوات الحماية منها، فضلاً عن أنها – أي تركيا – تبرر طول الفترة الزمنية التي استغرقتها المعركة بحرصها على عدم استهداف المدنيين والتخفيف من الأضرار التي يمكن أن تلحق بالمدينة، ولكن على الرغم من ذلك فقد أعقب معركة عفرين عمليات نهب وسلب وسرقة بيوت وممتلكات قام بها عناصر من الفصائل المتحالفة مع تركيا، بالإضافة إلى بعض شبكات اللصوص، وارتفعت أصوات عديدة تندّد بظاهرة(تعفيش) البيوت والاعتداء على ممتلكات المواطنين وتطالب الحكومة التركية بمعالجة هذه المظاهر الخطيرة، وكانت استجابة الحكومة التركية سريعة، إذا أمرت بتشكيل لجان من الشرطة العسكرية لإقامة الحواجز وملاحقة اللصوص، كما قامت بطرد عدد من عناصر الفصائل الذين ثبت تورطهم بأعمال اللصوصية.

وقد تزامن الإعلان عن تحرير عفرين مع انعقاد مؤتمر في مدينة غازي عينتاب التركية حضره ما يقارب المئة شخصية كردية من أبناء مدينة عفرين، حيث تم البحث في كيفية إدارة المدينة والنظر في مستقبلها، واتفق الحضور على تشكيل مجلس محلي لإدارة شؤون المدينة.

عفرين (قد مسّها الضرّ) شأنها شأن المدن السورية التي شهدت حروباً، ولكن – بالتأكيد – كان ضررها أقل بكثير من نظيراتها كالرقة ومنبج والباب (من حيث عدد الضحايا والدمار الذي لحق بالبنية التحتية) وبعد نحو أسبوع من خروج قوات الحماية منها تشهد الطرق المؤدية إليها أرتالاً من الحافلات وهي تكتظ بالسكان الراغبين بالعودة إلى بيوتهم، فهل ستستعيد عفرين صورتها كما كانت في الذاكرة السورية، ويعود زيتها يضيء؟.


هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.