عقدة الشرق والغرب تلقي بظلالها على المصالحة الليبية

تواجه العملية الانتقالية وتحقيق المصالحة في ليبيا، الكثير من العقبات والتحديات، على رأسها استمرار وجود الميليشيات المسلحة التي تغذي الانقسام والاستقطاب السياسي، وتشكل عائقاً أمام بناء الدولة الوطنية الجديدة وتوحيد البلاد المنقسم بين الشرق والغرب.

وتعكس الغاء زيارة رئيس الحكومة “عبد الحميد الدبيبة” إلى بنغازي، الخلاف العسكري والسياسي بين الشرق والغرب، اذ منعت سلطات مطار “بنينا” في بنغازي، الوفد الأمني التابع للحكومة من النزول من الطائرة التي كانت تُقلهم من العاصمة “طرابلس”.

مصادر عسكرية في الجيش الليبي، أكدت أن “أسباب منع الطائرة يعود إلى أن الوفد كان يضم العشرات من حراس الأمن والحماية، وهو ما اعتبرته سلطات بنغازي تشكيكا بالوضع الأمني في المدينة وفي قدرتها على تأمين الوفد الحكومي”.

انهيار العملية السياسية..

تضاربت التصريحات والتأويلات بشأن سبب منع طائرة الحكومة من الهبوط في بنغازي؛ اذ أكد نشطاء أن “عناصر الحماية طلبت إخلاء مطار بنينا، الأمر الذي استفز قيادة الجيش باعتبار أن الخطوة لم تتم في زيارات سابقة قامت بها الحكومة لمناطق أخرى. بينما رجح آخرون “قرار منع هبوط الطائرة إلى تصريحات الدبيبة المستفزة التي أثارت غضبا في المنطقة الشرقية بعد أن قابل في طرابلس الأسبوع الماضي نازحين فروا من بنغازي”.

يذكر أن الشرق والغرب في ليبيا شكل حكومتين متنافستين في العام 2014 الامر الذي زاد من الانقسام في البلد بعد الإطاحة بنظام “معمر القذافي” في العام 2011، كما ازادادت حدة الانقسام بالتزامن مع تولي حكومة الوفاق السلطة وبدئها العمل دون موافقة البرلمان لتتطور الأمور نحو الأسوأ في العام 2019 عندما قرر الجيش شن هجوم للسيطرة على العاصمة طرابلس.

وأعلنت القيادة العامة “للجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير “خليفة حفتر” اليوم الأربعاء، استعدادها لاستقبال اجتماع حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، مؤكدة أن “مناطق شرق البلاد يسودها الأمان”.

بيان القيادة العامة للجيش أكد أن “الأيام الثلاثة الماضية، شهدت نشر وسائل إعلام تابعة للتنظيمات المتطرفة وغير المهتمة بوحدة ليبيا ونجاح العملية السياسية التي أدت لإنتاج سلطة موحدة، معلومات كاذبة مفادها أن مدينة بنغازي غير آمنة وبسببها تم إلغاء اجتماع مجلس الوزراء وزيارة الحكومة الموقتة إلى مدينة بنغازي”.

ولفت بيان القيادة العامة إلى أن “مثل هذه الشائعات لا ينشرها إلا أعداء ليبيا وأعداء الأمن والأمان والساعون لتقسيم البلاد، وكذلك لا يحترمون النجاحات التي حققها الشعب الليبي في الأشهر الأخيرة”. مشدداً على أن “الأمن يسود شرق ليبيا، وبناء على ما تقدم نفند ما جاء في وسائل الإعلام المتطرفة والتي تمتهن خطاب الكراهية وبث بذور الفرقة والشقاق بين الليبيين”.

كما أكد البيان أن “القيادة العامة على الرغم من أنه لا يربطها أي رابط بالحكومة المؤقتة سياديا أو خدميا أو حتى على مستوى التواصل، إلا أنها ترحب بعقد اجتماع مجلس وزراء الحكومة المؤقتة في أي منطقة من المناطق التي تؤمنها، خاصة في مدينة بنغازي، مع تنسيقها مع وزارة الداخلية وأجهزتها في مدينة بنغازي للحماية والتأمين وعدم نقل عناصر من مدن أخرى تسيطر عليها المليشيات والفوضى الأمنية”.

وكان من المقرر أن تعقد حكومة الوحدة الوطنية الليبية اجتماعاً في بداية الأسبوع في بنغازي، أجّل على خلفية عدم السماح لطائرة للمراسم بالهبوط في مطار بنينا تحضيرا للاجتماع.

بدوره، حذر نائب رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية “رمضان أبو جناح” من أن تتسبب حادثة الطائرة ببنغازي بانهيار العملية السياسية في ليبيا، وذلك بعد منعها من الهبوط مؤخرا في مطار “بنينا” بمدينة بنغازي.

نائب رئيس الحكومة الوطنية قال في بيان له: “تابعنا باهتمام بالغ حادثة منع هبوط الطائرة التي تقل رئيس وأعضاء حكومة الوحدة الوطنية في مطار بنينا بمدينة بنغازي يوم الأحد، والتي جاءت بعد إعلان وترتيب مسبق عن نية الحكومة زيارة بنغازي وتفقد أحوال أهلها وتلبية حقوقهم وخدمتهم”

وعبر “أبو جناح” عن القلق “من أن تمثل حادثة منع انعقاد اجتماع حكومة الوحدة الوطنية الفرصة لمن يسعى لانهيار العملية السياسية في ليبيا.. من المؤسف أن يسعى أي طرف لاستمرار حالة الانقسام السياسي، وتفكك الدولة وابتزاز مؤسساتها.. ونثق في أنه لا مصلحة لأي طرف وطني بأن تدخل ليبيا لدوامة الانقسام والعنف مجددا”.

توحيد الجيش..

إلى جانب العامل الأمني، زادت تصريحات “الدبيبة” بشأن “بنغازي” من التوتر بين الشرق والغرب، ووصفها البعض بـ”المستفز” وأحدثَت حالة احتقان بالمدينة من طرف معارضيه.

وقال “الدبيبة” مخاطبا النازحين في وقت سابق “سنعيد بنغازي إلى حضن الوطن” وهو ما اعتبره البعض مؤشرا على نواياه لاستهداف الجيش وإخضاع المدينة لسيطرة الإسلاميين.

كما، تسلط التصريحات الضوء على استمرار الانقسام بين المعسكرين المتناحرين اللذين يتمركز أحدهما في العاصمة طرابلس غربَ البلاد، بينما يوجد الآخر في بنغازي بالشرق معقل الجيش الوطني.

وكان البرلمان المتمركز في الشرق قد أقر بالحكومة الجديدة، وسلمت كلا الحكومتين في طرابلس وبنغازي سلطاتهما إلى الإدارة الجديدة، اذ تمكن وزراء الحكومة بطرابلس ومسؤولون آخرون من السفر بحرية إلى بنغازي ما عزز الآمال بشأن تجاوز الانقسام.

رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، “عبد الحميد الدبيبة” قال أمس الثلاثاء، إن “الحكومة تمكنت من توحيد أغلب المؤسسات، ولم يبق سوى توحيد المؤسسة العسكرية”. موضحاً أن “النتائج الإيجابية لعمل الحكومة والوزراء، بدأت تظهر، وتحتاج إلى المزيد من الحماس والعمل الجاد”.

بدوره أكد الناطق باسم حكومة الوحدة الوطنية، “محمد حمودة” في مؤتمر صحفي، اليوم الأربعاء: أن “الحكومة ستزور بنغازي قريبا، ولن تترك بعض العقبات البسيطة تحول دون خدمة كل الليبيين، ويجب إنجاز توحيد المؤسسة العسكرية في أسرع وقت ممكن وقبل الانتخابات”. مشيراِ إلى أن “كافة مؤسسات الدولة العسكرية تعمل تحت المجلس الرئاسي، بصفته القائد الأعلى، وأن الحكومة التي اعتمدها مجلس النواب وتوافق عليها الليبيون للخروج من الأزمة منوطة بشؤون الداخلية”.

ويمثل توحيد المؤسسة العسكرية إحدى المهمات الرئيسية للمجلس الرئاسي الجديد بقيادة محمد المنفي باعتباره القائد الأعلى للجيش وأيضا لرئيس حكومة الوحدة بصفته وزيرا للدفاع. ويعتبر مفتاحا مهما للسلطات الانتقالية من أجل إتمام كل بنود اتفاق جنيف المبرم بين الفرقاء قبل الوصول إلى عقد انتخابات نهاية العام الجاري.

يشار إلى أنه منذ تشكيل حكومة الوفاق الوطني في العام 2016 تم تعيين وزيري دفاع هما ا”لمهدي البرغثي” (2016 – 2017)، و”صلاح الدين النمروش” (2020 – 2021)، بالإضافة إلى أربعة قادة للأركان، هم (عبدالسلام جاب الله العبيدي وعبدالرحمن الطويل ومحمد الشريف) ومحمد الحداد الذي لا يزال في منصبه.

أما في الشرق فما يزال “خليفة حفتر” القائد العام للجيش الوطني الليبي منذ العام 2014، متصدرا المشهد السياسي والعسكري الليبي على الرغم من ترويج البعض، ولا سيما من قبل المحسوبين على تيار “الإسلام السياسي” في الغرب، أنه لا يمكن أن يكون طرفا في ليبيا الجديدة.

يذكر أن انتخاب السلطة المؤقتة أنهي انقساما في ليبيا، منذ 2015، بين برلمانين في الشرق والغرب، اذ تسلمت الحكومة الجديدة برئاسة الدبيبة، والمجلس الرئاسي الجديد، برئاسة محمد المنفي، السلطة في ليبيا بشكل رسمي منتصف الشهر الماضي، لإدارة شؤون البلاد، والتمهيد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، في نهاية العام الجاري.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.