عندما يحكي الطيب تيزيني المؤجل كله من الكلام: الحلقة الخامسة والأخيرة

الحلقة الخامسة: مراجعة التجربة

الطيب يسأل: السؤال الكبير.. ماالعمل؟ حين تحولت الحرب إلى حرب مسلحة، وحينما اقتسمت الأوطان صار الوضع مختلفاً تماماً، حالة جديدة كأنَّك الآن تبدأ بالتاريخ العربي من أوائل القرن التاسع عشر.

دكتور تيزيني، لنعد إلى السنوات العشر الأخيرة، عام 2000 تحدثتَ عن “احتمال حدوث انفجار طائفي في سوريا”، لكنك أكدتَ أنَّ “هذا لا يعني أنَّ الشعب السوري طائفي، بل إنَّ هناك مسوغات لمثل هذا الاحتمال”. هل ما حدث في آذار عام 2011 هو انفجار طائفي؟ أم أنَّ التظاهرات والدعوة إلى الإصلاح استُغِلَّت من قبل بعضهم للتحريض الطائفي؟

-د.تيزيني: الذي حدث في سوريا يجمع في أحشائه هذه الاحتمالات كلها، لكن واحداً منها لم يكن حاسماً، ظهرت حركة 2011 بوصفها ثورة، وكانت فعلاً كذلك، يعني بمعنى ما أنَّه كان هناك حالة من حالات الضرورة لوجود ثورة لإخراج الوطن العربي من هذا الأسى الكبير الذي وصل إليه، هذه هي الفكرة الحاسمة، العالم العربي واجه سدَّاً منيعاً هائلاً، لا تقدم أمامه، النظم كلها أصبحت متمرِّسة عسكرياً في مواجهة أي حركة كانت في الوطن العربي، ونلاحظ امتدادات هذه العقلية، لكن الحركة كانت في الأساس جزءاً من حراك شعبي، كان قد نُظِرَ إليها في بداية الأمر على أنَّها تعبير أولي عن ربيع عربي، ربيع عربي حقيقي، كان هناك تململ صحيح وواقعي غير مصطنع، ليس تململاً سياسياً فقط، بل تململ حضاري اقتصادي اجتماعي أخلاقي، ضمن هذه الاعتبارات كلها، كان مفهوم الثورة وارداً، وكان الأمر محتملاً لو أُخِذَ كما نشأ، لكن في البدايات هذه التي جرى التمسّك بها، دخلت عناصر أخرى.

دخل الخارج

-د. تيزيني: الداخل والخارج.

الخارج في الدرجة الأولى

-د.تيزيني: الخارج أصبح داخلاً.

الخارج استخدم الداخل في سبيل تنفيذ مآرب أخرى، دخلت الأصولية، جرت أسلمة هذا الحراك، ودخلت أجهزة استخباراتية دولية وإقليمية فعاثت في الأرض فساداً وإفساداً.

-د.تيزيني: يعني هذا دخل من الخارج، لكنه لم يدخل مراهناً على فعله هو وإنما على بنية قابلة لذلك، نظرية الداخل والخارج هنا فرضت نفسها، كان هناك من يتقبّل ذلك، مع أنَّ فعل الثورة كان وارداً. وفي البدء بدأ القول ينتشر في العالم العربي: إنَّ العالم الأوروبي يريد أن يحتل العالم العربي، فألصق كل شيء بالخارج، بدأ التفكير بثورة عالمية أو هذا بديلها بتدخل خارجي وهي ثورة زائفة، هكذا كان الحديث. واستطاع الخارج أن يمارس تأثيره الفاعل. في البدايات كانت حالة إرهاصية بسيطة، لكنها استمرت خصوصاً بعد أن تمكن الداخل من ذلك، فما كان قد غاب بدأ يعود، الفكر الديني، الفكر الطائفي، العشائري… هذا الفكر كله الذي يخرج من خارج البلد أصبح سيّد الموقف، بدأ اتجاه السقوط، السقوط هذا الموقف الأكثر خطراً الذي نعيشه، لذلك كثير من المفكرين والكتاب الآن يرون أنَّ الباب أُغلِق، لأن ما حدث هو حرب مسلحة أصبحت تطيح الجميع، ومواجهتها، هذه الفكرة خطرة، ومواجهة الحرب ستزيدها خطراً، لذلك صارت الدعوة إلى الابتعاد عن الحرب، وعدم تسعيرها أكثر فأكثر. ونحن الآن في مرحلة مضطربة حتى الحدّ الهائل.

ماالعمل؟ هنا السؤال الكبير، ماالعمل؟. حين تحولت الحرب إلى حرب مسلحة، وحينما اقتسمت الأوطان صار الوضع مختلفاً تماماً، حالة جديدة كأنَّك الآن تبدأ بالتاريخ العربي من أوائل القرن التاسع عشر.

  • أصابت الضربة الجميع، وبقي السؤال: من أين نبدأ؟

ما هو دافعك بوصفك مفكراً وفيلسوفاً همّه الأول البحث في المعرفي والثقافي للمشاركة في التظاهرات من أجل قضايا مطلبية سياسية وإصلاحية؟ هل هو الحنين إلى العمل السياسي؟ أم التجربة العيانية في الواقع؟ أم العمل بوجدانك الوطني؟

-د. تيزيني: سؤال فيه ثلاثة احتمالات، أنا أظن أنَّ هناك احتمالات كثيرة هائلة، المجالات كلها هي مجالات عمل الآن لأن الضربة أصابت الجميع، هناك أمر خطر قد حدث، تمثَّلَ في ضرب الحامل الاجتماعي لأي تحوّل اجتماعي تاريخي إيجابي، بُدئ الضرب به، هو فئة الشباب، الفئة الفاعلة في الطبقات كلها، فهؤلاء بُدِئ الضرب بهم، بدأ قتلهم في الوطن العربي معظمه وبأشكال مختلفة، وظهر الأمر أكثر وضوحاً بخروجهم، أُخرِجوا، الخروج السلمي الذي أصبح ممكناً بعد أخذ ممتلكات من يخرج كلها، هذه ضريبة الخروج، ومن ثم فالعمل صار معقداً وواسعاً باتساع العالم العربي نفسه. القطاعات كلها أصبحت مدعوة إلى فعل شيء، طبعاً هذا لا يعني غياب حركة قادرة على فتح الأبواب، هذه العملية تبرز الآن بصيغة حاسمة ومأسوية، ومن ثم أمامنا السؤال الكبير الملح: من أين نبدأ؟

هل ما حدث في سوريا سببه اختفاء البورجوازية الصغيرة والمتوسطة عن مسرح الفاعلية الاقتصادية والاجتماعية ونزولها إلى القاع أو العيش في الحضيض؟

-د.تيزيني: أظن أن هذا السؤال يمسُّ جزءاً من جوهر المشكلة، أنَّ الطبقة الوسطى تصدَّعت. الرهان الأكبر كان الطبقة الوسطى المُهمَلة المُستَنفدة أُطيحَت، عملية التهجير في الوطن العربي كله، تهجير القادرين والمتكلّمين لا الأعْلَين ولا الأدنَين، فالطبقة الوسطى هنا أطيحت. العمل يبدأ بتأسيس جديد، كما يحدث مع الشعوب المأسوية، الشعوب التعيسة التي تبدأ كل قرن بداية جديدة، أو بنصف قرن، وبالتالي عمل الوطن العربي الراهن، عمل يعلن بداية جديدة، لا شك في أنَّ هذه البداية مُمَرّغة بالتجربة التي اتخذت وتتخذ مما حدث حتى الآن، لكن هذا الأمر شديد الخطورة، قسم هائل من هذه الطبقة الوسطى لم يعد في البلد العربي، أصبح خارجه، ومن ثم علينا أن نبحث عن هذا الحامل الاجتماعي لأي تحوّل في العالم العربي.

في الأشهر الستة الأولى من عمر الحراك المدني في سوريا تميز بالسلمية، بعدها جرت عسكرة هذا الحراك، وأصبح القول الفصل فيه للبندقية. ما سبب جنوح هذا الحراك إلى العسكرة؟ هل سببه المؤامرة حيث تدخلت أجهزة استخبارات دولية وإقليمية؟ ولم تكتف هذه القوى بعسكرة الحراك بل أسلمته أيضاً.

-د.تيزيني: أنا أرى أنَّ الاحتمالات كلها وُظفت في خدمة تحويل هذه الحركة الطامحة إلى الإصلاح المعقول، هذه الاحتمالات كانت واردة، لم يكن هناك اتجاه إلى عسكرة العملية، كان الطموح الأعظم هو تغييرات أولية تسمح لبعض التقدم في العالم العربي، لكن صعوبات عظمى، صعوبات أتت وكانت قد بُلورت عبر المرحلة الممتدة من القرن التاسع عشر إلى الآن، مدّة طويلة، ولوحظ أنَّ الأمر يجب أن يُحسم عسكرياً لأن هذا الحسم هو أكثر راهنية، هو الأكثر فاعلية، ولذلك وجدنا أنَّ الأمر أخذ مداه بهذا الاتجاه، وظل الأمر يعيش في مرحلة من التردد. السؤال الآن ضمن هذه الحيرة في الوضع العربي: من أين نبدأ؟

كيف ترى خصوصية ما جرى في سوريا ضمن ما يسمى ثورات الربيع العربي، في ضوء قراءتك للتجارب المصرية والليبية، واليمنية؟

-د.تيزيني: هذا سؤال الأسئلة، في الحقيقة كان هناك حلم كبير كاد أن يتحقق ما أطلق عليه الربيع العربي، والجميل في هذا الحلم أنه مجهزٌ برؤية سلمية، ربيع عربي ينشأ في واقع الحال نفسه، وأنا أدعو هذه المرحلة: مرحلة التاريخ الإصلاحي العربي الجديد، كان عليه، أي هذا التاريخ، أن يأخذ مداه..

  • لم يكن هذا في الحساب.

لكن هذه الدعوة إلى الإصلاح لا تحمل أي رؤية، هي مجضد مطالب سياسية لا تستند إلى فكر أو نظرية، ليست كثورة أكتوبر الاشتراكية التي استندت إلى الماركسية، وليست كالثورة الفرنسية.

-د.تيزيني: مسألة مهمة جداً، لم يكن هذا في الحساب، كان الحساب القيام بإصلاحات ديمقراطية تُوجِدُ حالة مريحة للطبقات التي بدأت تعيش مآسي هنا وهناك وهنالك، لكن للأسف لم يُقبَل ذلك، النظام العربي العام كان حريصاً على خنق كل حركة بسيطة، فشلت هذه العملية وأتت فكرة الثورة مفاجئة.

إضافة إلى أطماع الدول الغربية والإقليمية.

-د.تيزيني: طبعاً كانت المحرّك، أتى هذا الاحتمال شبه مفاجئ، كان موجوداً بطريقة ما، لكنه في الحقيقة ما كان مطروحاً، الذي كان مطروحاً هو القيام بإصلاحات تسحب هذا الوطن إلى حالات متقدمة خصوصاً أنَّ الطبقات الدنيا والطبقة الوسطى بدأتا تعيشان حالة مأسوية، وكانت بعض الإصلاحات الجادة في الاقتصاد والسياسة خصوصاً كافية لترك المسألة تأخذ مداها، فما أتى، أتى من دون حساب وطبعاً هذا قصور في الحركات التي قامت أنها لم تأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، الذي كان موضوعاً نجاح الثورة، لكن لم يكن هناك احتمالاً لنجاح الثورة، المحتمل هو إصلاحات ديمقراطية حقيقية في السياسة والاقتصاد خصوصاً، إضافة إلى القطاعات كلها، كان هذا جيداً للجميع، لكنه لم يُقبَل.

في ما يسمى بالربيع العربي قامت ثورات، لننظر إلى مآل هذه الثورات، في ليبيا ما زال الصراع مستمراً، في اليمن الوضع مأسوي جداً، في سوريا تكاد الأمور تنتهي لكن ما يجري مخيف ومرعب، فبعضهم يتحدث عن التقسيم وبعض آخر ينادي بالكونفدرالية، وثورة مصر نجحت من دون عنف تقريباً، لكن كيف تفسر لي ما حدث في مصر؟ ثورة ضد استبداد مبارك تنجح، وبانتخابات حرة ينجح التيار الإسلامي ويفوز محمد مرسي برئاسة الجمهورية، ثم ينقلب العسكر عليه، يُسجن ويتبوأ العسكر من جديد يُمثلهم السيسي متربعاً على عرش الاستبداد من جديد، السؤال: لماذا لم تدافع الجماهير عن ثورتها؟ هل الشعب المصري والعربي مدمن استبداد؟ وكيف سكتت النخب الثقافية المصرية عن هذا التحول؟

-د.تيزيني: في الحقيقة ما جاء، جاء غير متوقّع، لم يكن متوقعاً أن تجري هذه التحولات بسرعة، لذلك كل شيء لا يأتي في حينه سيكلف كثيراً أو قليلاً، ما جاء في نهاية الحال، هو حالة مضطربة جداً لكن أُغلِقت النوافذ كلها في مرحلة انتقالية لم تجر فيها بداية ثورة، هذه ظلت غير ماشية باتجاه توجهاتها الداخلية الثورية، توقفت، هنا صُنِعَ ما نجده الآن في مصر مثلاً، في اليمن. هنا للأسف لم يُقرأ هذا الأمر، فتُرِكَ كما هو..

  • ما حدث هو حصاد أزمنة.

وكأنَّ مصر والعرب عموماً مخيرين دائماً ما بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي، أو مفروض عليهم إما الاستبداد الديني أو الاستبداد السياسي. لاحظ، ثورة نجحت في مصر، صناديق الانتخابات الحرة الديمقراطية جاءت بالأصولية الإسلامية وانتخب محمد مرسي رئيساً، ألا تخشى من ثورات أخرىيمكن  أن تأتي بالأصوليين؟

-د.تيزيني: البلدان العربية الآن تحصد ثمار ما صُنعَ في مدى أزمنة سابقة منذ القرن التاسع عشر، كانت هناك حالات تتمسّك خصوصاً بالاتجاه السياسي والاقتصادي، المسألة الفكرية الثقافية كانت موجودة لكنها لم تكن رهاناً حاسماً، بل كان هناك رهان على فعل طائفي، على فعل ديني.

في مصر لا يوجد فعل طائفي، المسألة الطائفية مُغيّبة

-د.تيزيني: نعم، لكن بحسب الخصوصيات العربية ظهر الطائفي، الديني، وعلى الأقليات..

في مصر لا يوجد أقليات

-د.تيزيني: نعم، أنا قلت في مصر وجدت الحالة الدينية تمثّلت ونجحت، في منطقة أخرى جاء شيء آخر، فهذه الاحتمالات التي ظهرت آفاتها في البدء السابق، لم تُكتَشف على أنَّها يمكن أن تكون رهانات مستقبلية، الحل الديني، الحل الطائفي، الحل التقسيمي، لم تُكتشف.

ما أردتُ قوله بشكل ما، واعتبرته أنت قولاً استفزازياً، أنَّ العرب لا يليق بهم الديمقراطية والمثال مصر، طبعاً بعضهم يقول هذا. ما رأيك؟

-د.تيزيني: هذا ما عبر عنه البعض بصورة حادّة قميئة، يقول: العرب جَرَب

وهو قول شعبي شائع

-د.تيزيني: وكما قال المستشرق حين أكد أنَّ الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان، الغرب قُصد فيه التقدم والشرق التخلف، هذا ليس فطرياً بطبيعة الحال، يعني لا يحتاج الباحث أو المهتم بهذه المسألة كي يُؤسس لهذه الفكرة تاريخياً، وبصورة مُدقَّقة وطويلة، إنَّه موقف زائف من حيث الأساس، لقد قدم التاريخ حتى الآن في الشرق كما في الغرب على أنّ هذه الأفكار زائفة، صُنعت فطرياً في الداخل أحياناً، لكن كُرِّست وجُعِلت قابلة للقبول في الخارج.

سأتابع استفزازي: تاريخ العرب يا دكتور، تاريخ العرب الإسلامي هو تاريخ استبداد. تعال نقرأ التاريخ: منذ الأمويين فالعباسيين…إلى آخره.

-د.تيزيني: أظن أن هذا الأمر قد يكون، لكن هناك إشارات منه، أنا عشت أياماً رائعة كانت تمثل نهوضاً، لكن هذا النهوض توقف، ما يعني أنَّ هناك نواقص خفية في البنى الموجودة في البلد.

هذه لحظات تاريخية قليلة وقصيرة جداً يا دكتور طيب، ثورة القرامطة مثلاً لحظة تاريخية كما ثورة سبارتكوس.

-د.تيزيني: هذه اللحظات كانت تعبر عن واقع الحال الموجود الذي كان علينا أن نقرأه بإشاراته التي ظهرت، لم نقرأها، ربما لأنها كانت خفيفة غير طويلة فغابت، ولكن كان الاحتمال مفتوحاً.

ليس لها أساس فكري في العقل العربي الإسلامي، بدليل أنَّ العلماء العرب معظمهم ومعظم المتصوفة قُتِلوا، والخلفاء معظمهم قتلوا، والصراع على السلطة كان دامياً منذ الأمويين والعباسيين وحتى العصر الحديث.

-د.تيزيني: لكن هذا الأمر لم يكن ذا مسار واحد أو لون واحد، كان هناك احتمالات، في سوريا نشأت احتمالات كثيرة، في مصر كذلك، في لبنان، في المغرب، الجزائر… إلخ. يعني هذه المسارات الاستثنائية كانت تنبيهاً إلى أن هناك ما وراء الواقع المنظور شيئاً ما، علينا أن نقرأه ونستعيده، لم يجرِ ذلك، خصوصاً لفشل الإصلاح الفكري الذي يُؤسس لطبقة وسطى متمرِّسة، على الرغم من المصائب الموجودة هنا، هذه الطبقة الوسطى تشكلت بصورة ما، بصيغة إيجابية تنويرية، لكنها لم تتحول إلى حالة فاعلة، كانت الانقلابات العسكرية قد جاءت وأطاحتها.

سؤال أخير: ألا توافقني الرأي أنَّ ما جرى في سوريا مهم جداً إذ إنَّه سيدفع المفكرين والمثقفين ورجال الكهنوت الديني، إلى إعادة النظر في المعمار الثقافي الإسلامي الحالي؟. بمعنى أنَّ التجربة ستفرز إسلاماً جديداً الجدّة كلها؟ (فالشارع السوري يتشكك ولا يثق برجال الدين، وهناك ظاهرات للتجديد الديني في السعودية) وأضيف: أنَّ ما حدث في سوريا سيدفع بالمفكرين والباحثين والمثقفين إلى الانتقال من سؤال الوجود إلى سؤال المعرفة.

-د.تيزيني: من سؤال الوجود إلى سؤال المعرفة وإلى الفعل أيضاً، يعني لا شك في أنَّ أي تحوّل في الوسط العربي الآن مُرتهن بالطبقة الوسطى، طبقة وسطى محروسة بالطبقات الدنيا، طبقات البؤس الذي تراكم في هذا العالم العربي بعد الانكسارات التي حدثت، هذا لا شك في أنّه يدعو إلى الألم بصورة شديدة ونوعية، لكن حين نأخذ بعين الاعتبار ما المرحلة التي وصلنا إليها، ربما سنكتشف ما علينا أن ننجزه، إنَّ ما وصلنا إليه، وهذا ما أقوله بصيغة أطروحة أولية، إنَّه دعوة إلى إعادة بناء الوطن السوري، والوطن العربي.

دعوة إلى إيجاد هوية وطنية جديدة، دعوة إلى تشكيل وجدان سوري جديد.

-د.تيزيني: نعم، وجدان سوري. طبقة وسطى تهتم بواقع الحال، وحالها يكون قد تغير، لكن هذه الفكرة العامة تستدعي الآن، ربما أقولها بشيء من الاستحياء، تحتاج إلى ثورة، مع أنّي أكاد أقول إنَّها تحتاج الآن إلى مزيد من الإصلاح الديمقراطي الحقيقي، الوضع يوحي أنَّ هناك حلاً وحيداً صار، كل شيء ذهب منّا، لم يبق إلا الثورة المحتملة أو غير المحتملة، لكن هذا أراه مشكلة عظمى قد تُحدث ما ليس في الحسبان، الحل الممكن هو الإصلاح الديمقراطي الذي يقترن بوحدة القطر الواحد، والوحدة العربية في الوطن العربي.

إصلاح سياسي؟

-د.تيزيني: إصلاح سياسي بالدرجة الأولى.

لكن الإصلاح السياسي يجب أن يسبقه إصلاح ثقافي معرفي، وهذا غير موجود.

-د.تيزيني: يسبقه ويماشيه، أن يكتشف ما يريد أن يحققه، لكن هذه الفكرة التي كنّا نعيشها نحن، وأذكر أنّا كنا صغاراً نعيش مسألة الوحدة العربية والثورة الفلسطينية والأهداف القومية العربية كلها، هذه الأهداف النبيلة التي لم يتحقق أي منها حتى الآن، الآن نعود إليها لكن بزخم جديد، وبلَمْلَمة أخرى جديدة، اللملمة التي تدفع باتجاه هذا الإصلاح الآخر الجديد، إنَّه إصلاح قد يمثل ما بدأنا به بشكل أو بآخر سابقاً الذي انقطع، ولكنه إصلاح قد يصل حدّ الثورة، إنه ليس ثورة، إنَّه إصلاح يدعو إلى حالة إصلاحية تعني الجميع، الثورة لها خصومها ولها حاملها الاجتماعي، هنا الإصلاح يهمّ الجميع، وإذا كان الأمر غير ذلك فسيكون خاطئاً، هذا الذي ندعو إليه إنما هو حالة إصلاحية عميقة تاريخياً ومعرفياً، ومن ثم هذا الرهان الذي كان علينا أن ننجزه عبر مراحل متعددة أصبح الآن في مرحلة جديدة، التاريخ قدَّم لنا نفسه الآن مُختزَلاً، الإصلاح العميق الحقيقي المرتهن لهذين الحلَّين: وحدة كل قطر عربي والوحدة العربية التي تسير معها الاحتمالات المعرفية كلها، السياسية، التربوية، وهذا يمثل خطاً جديداً.

وطريقنا الوحيد والأوحد إلى ذلك هو: من التراث إلى النهضة، وننتظر منك كثيراً.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.