عولمة الأصولية والإرهاب

التطرف الإسلامي

بات واضحا في عالم اليوم، أن الأصولية ومتفرعاتها (العنصرية، الكراهية، القتل على الهوية..) لم تعد مسألة عربية إسلامية، بل باتت مسألة عالمية، تؤكدها ظواهر القتل والإرهاب والكراهية للأجانب والمهاجرين والفقراء وصعود اليمين والإرهاب “الأبيض” الذي لم يعد يخفي نفسه، حيث باتت التقارير الإعلامية في ألمانيا وأمريكا وغيرها، ترصد الكثير من جرائم الكراهية الناتجة عن أصولية ما.

هذه الأصولية التي قد تكون دينية أو عرقية أو حتى حزبية أو طبقية أو حتى دولتية، إذ بات من الصعب اليوم حصر الجانب الأصولي في الأديان أو القوميات، فكما لدينا أصوليات دينية وعرقية لدينا أصوليات طبقية وعلمانية وربما عولمية أيضا، تتجلى في “أصولية” رأس المال العالمي في التوحش وابتداع أساليب كثيرة للدفاع عن مصالحه، أساليب منها “الحرب على الإرهاب” و”حقوق الإنسان”…. وهي كلها شعارات نبيلة لكنها باتت اليوم مجرد شعارات تغطي على فظائع مجنونة ترتكب باسمها، ولعل السياسة التي ينتهجها دونالد ترامب، والسياسة التي يبشر بها فوز بوريس جونسون في بريطانيا مؤخراً، والسياسة التي ينفذها وزير الداخلية الإيطالي وأشباهه في البرازيل وغير مكان من العالم، تعتبر أبلغ مثال على ذلك، ما يعني عملياً أن الأصولية، لم تعد حكراً على عالمي الجنوب والشرق، بل هي ظاهرة عالمية، باتت تخترق عالمنا من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، الأمر الذي يحتّم علينا دراسة جذورها ومحاولة تقصي أسباب ظهورها وولادتها، و هو ما ستحاوله هذه الورقة.

(1): إن تأمل ما يقوله الأصولي الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي أو القومي أو الرأسمالي (الشركات المتعددة الجنسية والتي تمثل رأس المال العالمي) أو السياسي ( جونسون وترامب الذي يجمع هنا بين الأصولية السياسية وأصولية رأس المال، علما أن أصولية رأس المال تسبق السياسة هنا) وتحليل الخطاب الذي يبرر به أفعاله وأقواله، نجد أنها تحيل جميعها إلى نص ما أو إيديولوجية، فالإسلامي يستند على “نصوصه” التي يبرر بها الإرهاب الذي يزرعه هنا وهناك باعتباره ينفذ “شريعة الله”، والأصولي المسيحي يعتبر نفسه أمينا على كلام الله، وعليه وحده تقع مهمة تنفيذ كلماته، فيما يرى الأصولي اليهودي أن الله منحه “أرض فلسطين” وأن كل ما هو غير يهودي مجرّد “أغيار”، فيما يرى القومي الأصولي أن قوميته تمتلك حقوقا أعلى من القوميات والأديان الأخرى، كما نرى في الهند وعند القومية العربية وأيضا القومية البريطانية التي تستعاد اليوم بوجه الهوية الأوروبية الأوسع وأيضا عند القومية الروسية الصاعدة… فلهؤلاء أيضا نصوصهم القومية التي تتجلى في النظريات القومية التي تبيح لهم هذا “التفوق العرقي”، فيما نرى أن للرأسمالية ورأس المال أيضا نصوصه ونظرياته (الأسواق المفتوحة، العولمة، تدفق السلع…) وأدواته (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، مجموعة العشرين…) التي يتسند إليها باعتبارها الطريق الوحيد للرفاه والتقدم، فيما همها الأساس تثبيت هيمنة أصحاب هذه الرؤى على العالم بالطريقة التي تضمن تعاظم أرباحهم عاما بعد عام.

إذن، وبادئ ذي بدء ثمّة نص أو نصوص ما هنا، تتخذ صفة القداسة لدى أتباعها والمؤمنين بها، فمن هذه النصوص يستمدون ما يؤمنون به في قتل الأخر وتكفيره وتجريمه. وهذه النصوص ولدت في سياق تاريخي ما قد يكون حديثاً (القوميات وما جاء بعدها) أو قديماً (الأديان)، فيما هي تقرأ اليوم مجرّدة من تاريخيتها والسياق الذي ولدت فيه، غير آخذة بما جرى من تطور وتقدم وتجاوز لهذه النصوص التي باتت تقرأ في حرفيتها بعيداً حتى عن سياقها اللغوي الذي ولدت فيه، فاللغة ومعانيها وما ترمز إليه تتغير بين قرن وقرن، فما بالك في قرون عديدة.

هذا يعني أننا هنا إزاء أزمة مركبة، هي أزمة القراءة والتحليل من جهة وأزمة صاحب النص المقروء من جهة أخرى، فالأزمة ليست في النص أبداً، فالنص وجد لزمن محدد وكتب في زمن محدد لغايات قد تكون مختلفة كلياً عن الغايات التي باتت تقرأ وتؤول على ضوئها اليوم، أي يجري قسر النص لتتلاءم مع ما يريده صاحب هذا النص أو الذي ينصب نفسه حارساً له اليوم.

الأزمة هنا هي أزمة صاحب النص، أزمته مع عصره ومع تاريخه ومع هويته ومع حاضره، فهو بحثا عن إيجاد حلول لمشاكله تلك يلجأ إلى النص ويستنطقه بحثاً عن حل ما أو مخرج ما، متوهما أن الحل يكمن في النص الذي بات مقدساً لا يطاله التغيير أبداً.

وهنا يكون السؤال: لماذا اتخذ هذا النص صفة القداسة مع مرور الزمن، ولماذا يصعب نقده اليوم؟ وهنا نعيد التأكيد أننا لا نتحدث عن النص الديني فقط، بل عن النصوص القومية والحزبية والطبقية والإيديولوجية، فهي كلها تنطبق عليها هذه الورقة، فمثلا حتى وقت قريب كان من المستحيل نقد الشيوعية أو الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وكل المنظومة التي تتبعها، وأيضا كان يستحيل نقد الوهابية في السعودية قبل التحولات الأخيرة التي تشهدها الرياض، وكان يستحيل نقد الإيديولوجية البعثية في ظل سياسة حافظ الأسد، وهكذا.

(2): ولادة النص والسياسة: غالبا ما يولد النص في حدث ما مؤسس، وغالباً ما يكون النص ثورياً لحظة ولادته، فهو يؤسس لشيء جديد ضد القديم، هكذا كانت النصوص المقدسة ثورة على محطيها وهكذا كانت النصوص القومية الأولى والنصوص الاشتراكية الأولى… وغالباً، بعد عملية صراع طويلة، يصل المؤمنون بهذه النصوص إلى السلطة، فتبدأ عملية التداخل بين النص والسياسة، وأحياناً تبدأ قبل الوصول إلى السلطة، حيث يبدأ تكييف النص وفق مقتضيات الصراع (حماس اليوم مثالاً)، هنا تبدأ عملية قراءة النص وفقا لمقتضيات الواقع ويتم بناء منظومات فقهية وتفسيرية لهذا النص تتحول مع مرور الزمن إلى نصوص مقدسة بفعل قوة السلطة، فغالباً حين يصل أصحاب هذه النصوص إلى السلطة، يغلقون النص ويرفعونه بقوة السلطة والعنف إلى دائرة المقدس ويغلقون باب الاجتهاد والقراءات المتعددة للنص، لأن مصالحهم تقتضي ذلك، وبهذا تصبح السلطة والمستفيدين منها من أهم حماة النص الذي تزداد قداسته مع الزمن، ويعاد استعادته مرة بعد أخرى في كل عصر، وفقاً لمقتضيات الأزمة التي يمر بها ورثة النص، حيث نرى أن النص سيستخدم في أزمنة مختلفة وفقاً لمصالح الناس وأزماتهم، إذ يكون اللجوء إلى النص في زمن لاحق هو تعبير عن أزمة صاحب النص لا عن النص نفسه.

(3): النص والسلطة: إن تأمل العلاقة بين النص والسلطة، ستبين إلى حدود بعيدة دور السلطة في تأبيد النص وتقديسه أو حتى تدنيسه إن كان لا يتطابق مع مصالحها، فالنص بالنسبة للسلطة (والسلطة هنا قد تكون سلطة سياسية أو ثقافية أو معارضة) مجرد أداة لتحقيق أهدافها، وتختلف طريقة استخدامه بين سلطة وأخرى، فالسلطات على اختلاف أشكالها، تعمل دائماً على البحث عن الأدوات التي تكفل هيمنتها لضبط المجتمع وحكمه. وتحقيقا لذلك، تكون أحد الأدوات التي تعمل عليها السلطات هي صناعة رجال دين ومفكرون ومثقفون ومنظرون يخلقون لها نصوصها التي تهدف إلى “صناعة” عقل الجمهور المنوي ضبطه. وهنا في هذه اللحظة، يولد النص من جديد، حيث يعمل هؤلاء، إما على خلق نصوص جديدة أو إعادة تحوير النصوص المقدسة بما يتلاءم مع مصالح السلطة. وهنا تؤمن السلطة لهؤلاء كل الوسائل التي تساهم بترويج نصوصهم واجتهاداتهم، فهي تضع وسائل الإعلام في خدمتهم والمنابر على اختلاف أنواعها (مساجد، إعلام، مراكز ثقافية، ساحات..) بهدف الوصول إلى إقناع الجمهور وتخديره. وهنا في هذه اللحظة، يولد النص برغبة السلطة، أي أنه يكون نصا مؤدلجاً تابعا لا قداسة له إلا بفعل ما تفرضه السلطة السياسية. إلا أن المشكلة التي ترصد هنا أن النص هذا يتحول مع الزمن إلى نص مقدس، ويضاف إلى دائرة المقدسات التي تحتفي أية أمة، أي أن النص لا يقرأ في سياقه التاريخي الذي ولد به بعد قرن أو أكثر من الزمن، بل يقرأ باعتباره نصا مقدسا وكفى. وهذا أمر يمكن ملاحظته من اليوم، خاصة في المجال الديني والفكري الثقافي، حيث نلاحظ بوضوح كم رجال الدين والمثقفون الذين يروجون ويكتبون لأجل ترويج السلطة وإعطائها شريعة دينية أو قومية أو إيديولوجية. ولكن هؤلاء بعد زمن قد تصبح نصوصهم مقدسة، إن لم تقرأ في سياقها التاريخي.

من المهم أن ندرك أيضا هنا، أن المعارضة لا تقل عن السلطة استخداماً للنص في معاركها السياسية والإيديولوجية، فهي أيضا تعمل على خلق نصوصها وتحويرها بما يتلاءم مع معاركها السياسية، فها هي جماعة الإخوان المسلمين وتفرعاتها السياسية تخلق نصوصها وتبرر وجودها وسياستها باسم “النص المقدس”، فهنا أيضاً ثمة تنازع على المقدس بين السلطة والمعارضة والحركات الإسلامية، حيث يعمل كل منهم على إثبات أنه صاحب الحقيقة المطلقة، لإدراك الطرفين أهمية الدين في تثبيت الشرعية الشعبية. ونفس الأمر فيما يخص سياق النص القومي أو غيره، حيث يحدث صراع على النص بين السلطة والمعارضة بهدف أن يثبت كلا منهم أنه الأحق بالشرعية وبالتالي الحكم السياسي.

لكن هنا نكون أمام محاولة توسيع الدائرة، في محاولة لفهم كيف تتشابك هذه المسائل كلها في لحظة ما في تاريخ ما: لماذا يحافظ نص دون سواه على قداسته ويصمد بوجه الزمن؟ ولماذا يمكن “تخدير” إنسان ما دون سواه بنص مقدس؟ ما هي الأزمة التي يعيش بها صاحب هذا النص أو الوصي عليه لكي يقع فريسة السلطات هذه؟ أي لم تتمكن هذه السلطات من تدجينه؟ وكيف تتمكن السلطات من فعل ذلك؟ وهل هي لوحدها أم ثمة سياق عالمي/ عولمي يسمح بذلك عبر تشابك مصالح معقد؟

لمحاولة الإجابة عما سبق، سنحاول استخدام منهج الإجابة عن كل مسألة على حدة ثم محاولة قراءة العوامل في تشابكها العقدي، لنفهم كيف تتشابك وتلتقي مصالح الجميع في لحظة ما.

(1) لماذا يحافظ نص ما على قداسته دون سواه؟

كما تحدثنا أعلاه، إن النص يتخذ قداسته بفعل سلطة ما ترفعه من مصاف الدنيوي إلى مصاف المقدس لخدمة مصالحها، وتقصي كل النصوص التي لا تتلاءم مع مصلحتها، ما يعني أن مصلحتها تقتضي أحادية النص لا تعدديته، فالتعددية هذه عدو السلطات. وكذلك تفعل المعارضات أيضا. وهنا نكون قد فهمنا كيف يبرز نص فيما يذهب نص أخر أو قراءة أخرى نحو الإهمال في لحظة تاريخية ما. إلا أن السؤال الذي يبرز هنا، كيف يتمكن النص من الحفاظ على قداسته في أذهان الناس مع مرور الزمن، أي لماذا يموت نص ولا يصمد أكثر من قرن مثلا، في حين يصمد نص أكثر من عشرة قرون مثلا؟ وهذا يستمر بعد اندثار السلطة التي كانت ترفع لواء النص وتدافع عنه أو حتى بعد اندثار المعارضة أو الطبقة أو الطائفة التي تدافع عنه وتحمل لواءه؟

إن النص حين يولد يصبح له أشياع ومؤمنون، لأنهم يجدون مصلحتهم في هذا النص، إذ يعبر في لحظة عما عن أحلامهم وطموحاتهم، وهنا يحصل تحالف بين هؤلاء والسلطة التي تدافع عن هذا النص وتفرضه ورجال الدين والمثقفون الذين يخلقون النص أو يقرؤوه في سياق ما لخدمة كل ما سبق. والذي يحصل هنا أنه بعد انهيار السلطة المركزية، تبقى تلك الجماعات الدينية كما هي، ويكون قد أصبح لها تراتبية معينة ومصالح متراكبة ومتداخلة، فتتولى تلك الجماعات ذات المصلحة أمر حماية النص والدفاع عنه، وهذا ما نلاحظه بوضوح مثلا في الجماعات الدينية التي يؤمن لها الدين سلطة اجتماعية يتم توارثها مع الزمن جيلا بعد جيل، وتحقق مكاسب ومطامح مادية لأهل هذه الجماعة، ناهيك عن تحول هذه الجماعة مع الزمن إلى رقم يكسب وده كل من يأتي السلطة، وهكذا نفهم كيف يستمر هذا النص بالصمود أمام الزمن دون سواه، سواء أكان نصا دينيا أو قوميا أو إيديولوجيا. وهنا قد تعمل السلطات على إعادة إنتاج هذا النص مرة أخرى بما يتوافق مع مصالحها، أو يسبغ أصحاب هذا النص الشرعية على سلطة ما دون أن يترافق الأمر مع تغير في جوهر النص، إذ يكفي مثلا اليوم أن يعطي كلا من الكنيسة والأزهر ولاءه للسلطة السياسية في مصر فيعطيها بذلك شرعية دينية تحتاجها، وهو ما يحصل مع كل سلطة تصل الحكم.

(2) لماذا يؤمن فرد/ جماعة بنص ما كما هو؟

هنا يختلف الأمر بين النصوص الدينية المقدسة والنصوص الزمنية (القومية/ الإيديولوجية..)، فالنص المقدس يأتي من الدين الذي هو حاجة روحية للبشر، إذ يولد الفرد في جماعة دينية تعطيه اعتقاده وولاءه منذ الولادة، وهذا أمر غير متوافر في المجتمعات الحديثة التي يكون فيها للمرء حرية اختيار الدين الذي يريد، في حين أن الفرد يختار بملء إرادته النص الإيديولوجي الذي يمثله، إلا في حالة الدكتاتوريات أيضا، حيث يولد المرء وعليه الإيمان بقوة السلطة بعقيدة حزب البعث في ظل الحكمين العراقي والسوري مثلا أو بالعقيدة الشيوعية في ظل الاتحاد السوفياتي. وهنا نحن نكون إزاء عقائد مفروضة على البشر بقوة السلطة لا غير.

إن المجتمعات التي تعيش أزمات بنيوية عميقة، بالإضافة للفقر وغياب التنمية والعدالة الاجتماعية والجهل، هي المجتمعات التي تنشط فيها هذه النصوص المقدسة، حيث الثقافة الواحدة والرؤية الواحدة، أي ما يمكن أن نسميها مجتمعات الأزمة، وهي الأزمة التي تولد نتاج عوامل مركبة مثل تداخل مصالح السلطة مع مصالح النظام العالمي الحامي لهذه السلطة، حيث أن الأزمات والفقر والجهل تجعل الأفراد قابلين للتعلق بأي شيء في سبيل البحث عن منافذ. وهذا أمر أثبت عالم اليوم أنه يخص المجتمعات الحديثة والتقليدية على السواء، فالأزمة تخلق القدرة على توظيف هذا النوع من النصوص، وهو ما يفسر لنا عودة الأصوليات في الغرب اليوم، فترامب هو نتاج عميق لأزمة المجتمع الأميركي التي تتعمق يوما بعد يوم، والتي يتراكب فيها الطبقي بالعنصري بالاقتصادي (الأزمات المالية المتتالية)، وعودة شبح النازية في ألمانية هو نتاج للفوارق بين ألمانية الشرقية والغربية والذي لم يحل بعد، حيث يرى الشرقيون أنهم أدنى في السلم الطبقي، إضافة إلى العامل الاقتصادي وعوامل الهجرة واللجوء. هنا في لحظات الأزمة يمكن توظيف النصوص هذه، وهذا ما تدركه جيدا السلطات المستفيدة والتي تعمل دوما على تحقيق ذلك.

(3) سلطات مستبدة وسلطات عالمية/ عولمية

بات البشر اليوم يعيشون في عالم محكومة لسلطات مستبدة في الجنوب، تخلق الأزمات تلو الأزمات، تسجن شعوبها وتمنع عنها الماء والدواء، وبين سلطات عالمية ديمقراطية تجاه شعوبها فقط ومستبدة نحو دول العالم الأخرى، وفي ظل هذا الأمر توظف سلطات الاستبداد في الجنوب لديها، وتدعمها ضد الشعوب، وهكذا يولد عالم مختل المعايير، عالم يعيش في أزمة شاملة وواسعة، تسمح بعملية توظيف النصوص وتسخيرها لخدمة المصالح، فكما أن للسلطات “الوطنية” نصوصها، فهناك أيضا نصوص أو إيديولوجيات للسلطات العالمية، تعمل على ترويجها بقوة المال والحرب، وهو ما نراه واضحا في “الحرب على الإرهاب” التي تحولت إلى مجرد إيديولوجية تبيح كل شيء، فيما يجري تحت ستارها ضبط العالم وتحويله إلى مجرد سوق سلاح.

ما سبق يوضح، كيف تتكامل الأدوار وتتشابك مع بعضها، فما يبدو أزمة نص ما، هو أبعد من ذلك في حقيقة الأمر، فهذا النص بات مقدساً ضمن سياق ما، ولأهداف ما، ولا يمكن تفكيكه دون تفكيك تلك العوامل كلها.

لا شك أن قراءة النصوص قراءة معاصرة، أي قراءة تقرأ النص في سياقه التاريخي أولاً، وفي ضوء التحليل النفسي والاجتماعي ثانياً، وفي سياق علم الأركيولوجيا وتطوراته، أي تطبيق أخر المكتشفات العلمية على هذا النص لتحريره من اللاعقلاني فيه والإبقاء على ما هو صالح، يشكل عاملاً أساسياً لتحرير النصوص من قداستها، وبالتالي منع توظيفها من قبل السلطات. ولكن هذا لا يكفي، لأن الأمر يكمن في إيجاد حلول عميقة لمسائل الاقتصاد والسياسة والاستبداد والنظام الدولي، لأن هذه كلها تخلق الأزمات التي تمسح بإعادة إنتاج المقدس وتوظيفه.

المراجع:

(1): عولمة الإسلام، أوليفه روا، دار الساقي.

(2): الإسلام والعلمانية، أوليفه روا، دار الساقي.

(3): معضلة الأصولية الإسلامية، هاشم صالح، دار الطليعة.

(4): معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا، دار الطليعة.

(5): تحرير الوعي الإسلامي، محمد أركون، دار الطليعة.

(6): الشرق الملتهب، جلبير الأشقر، دار الساقي.

(7): النص القرآني أمام إشكالية البنية والتفسير، طيب تيزيني.

(8): فهم الإسلام السياسي، فرانسوا بورغا، دار الساقي.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©