غضب شعبي في الجزائر.. ملامح أزمة اجتماعية سببها الفقر والبطالة

تظهر ملامح أزمة اجتماعية في الجزائر، وسط موجات غلاء غير مسبوقة واضطرابات في قطاعات حساسة، في وقت يزداد فيه التوتر السياسي في البلاد، وتتصاعد فيه الاحتجاجات، ما جعل الكثيرين يحذرون من تفاقم الأزمة الاقتصادية وخروجها عن السيطرة.

وبينما يرى محللون أن الإضرابات والبطالة والفقر ونقص المواد الغذائية الأساسية وارتفاع الأسعار، تسهم في إشعال الغضب الشعبي في البلد الذي يعاني أصلاً أزمة اقتصادية سببها انخفاض سعر النفط، وفاقمتها جائحة كورونا، يرى آخرون أن المأزق السياسي المستمر منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية للحراك قبل عامين، ساهم بنسبة كبيرة في تعميق الأزمة الاقتصادية.

الباحثة المقيمة في مركز “كارنيغي” للشرق الأوسط، تقول إن “الوضع الاقتصادي للجزائر يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، ويؤدي إلى إفقار شرائح كاملة من السكان وارتفاع معدلات البطالة، وباختصار جميع المؤشرات الاقتصادية حمراء”.

ضعف القدرة الشرائية

حسبما توكد مصادر محلية، فإن الانطباع السائد لدى عموم الجزائريين، أن قدرتهم الشرائية تضاءلت كثيرا في الأشهر الأخيرة، حيث لم يعد الراتب الشهري لدى الموظفين يكفي لتغطية الحاجات الغذائية وباقي مستلزمات الحياة، كما تؤكد ذلك العديد من النقابات.

المحلل الاقتصادي “مناف بوخليف” يرى أن انخفاض قدرة المواطن الشرائية يعود إلى تراجع سعر الدينار أمام العملات الأجنبية، حيث وصلت قيمة اليورو الواحد إلى أكثر 150 دينارا في السوق الرسمية، فيما وصل إلى 210 دنانير في السوق الموازية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد المستوردة وحتى أسعار المواد المصنعة محليا، مشيرا إلى أن الحد الأدنى الوطني للأجور لا يتعدى 20 ألف دينار أي ما يزيد قليلاً على 125 يورو، مؤكدا أن الحد الأدنى اللائق للأجور يجب أن يصل إلى أربعة أضعاف ذلك.

وبحسب “بوخليف”، فإن إشكالية الحفاظ على القدرة الشرائية تبرز مع استمرار انخفاض قيمة العملة، التي لن تشهد ارتفاعا في ظل السياسات المتبعة

ويضيف، “إذا اختارت الحكومة تخفيض قيمة العملة من دون اعتماد سياسة اقتصادية مدروسة، فقد يكون لذلك عواقب وخيمة على القوة الشرائية للمواطنين، التي ستتأثر بذلك بصورة دائمة”.

إحصائيات شبه رسمية، تبين أن العامل الجزائري المحسوب على الطبقة المتوسطة، يتقاضى في الغالب رواتب بين 30 ألفا و60 ألف دينار أي ما يعادل 200 إلى 400 دولار، بينما هناك آخرون يتقاضون أدنى من ذلك بكثير.

من جهته قال الناطق الرسمي لدى المجلس الوطني المستقل لأسلاك التربية، “مسعود بوديبة”، إن الدراسات التي أجرتها النقابات تشير اليوم إلى أن الحد الأدنى للعيش في الجزائر يجب ألا يقل عن 80 ألف دينار في الشهر أي حوالي 600 دولار، معتبرا أن العمال اليوم يحتجون، لأنهم لا يتمكنون من تلبية حاجياتهم الأساسية أمام تراجع قدرتهم الشرائية بسبب الرواتب الضعيفة التي يتقاضونها.

وتشير أرقام الحكومة إلى أن الجزائر فقدت 500 ألف وظيفة جراء أزمة كورونا، بينما تذكر تقديرات حزبية ونقابية أن هذا العدد يفوق المليون منصب بعد اضطرار الكثير من المؤسسات إلى الغلق.

غلاء أسعار وندرة في المواد

يؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي الجزائري “محمد سمير عليوي”، أنه أصبح من السهل تلمس حالة الضيق الاقتصادي والاجتماعي بسهولة في الجزائر، فالأسواق التي كانت عامرة في انخفض الإقبال عليها، وإن وجد الإقبال فعمليات الشراء والبيع تراجعت بشكل ملموس، مشيرا إلى أن أسعار مواد غذائية واسعة الاستهلاك ارتفعت بشكل كبير، حيث وصل سعر الكيلو الواحد من الطماطم إلى 200 دينار جزائري، أي ما يعادل 1 يورو، قبل أن يستقر سعرها فوق 100 دينار وهو ثمن باهظ لدى الجزائريين.

أما البطاطا التي يستهلكها الجزائريون بشراهة، بحسب “عليوي” فقد ارتفع سعرها هي الأخرى إلى حوالي 100 دينار، ما دفع السلطات إلى إخراج كميات مخزنة بمئات الأطنان لمحاولة كسر الأسعار التي استقرت في حدود 80 دينارا، كما شهدت أسعار اللحوم مستويات قياسية، فقد قفز سعر الكيلوغرام منه إلى 400 دينار بينما اللحوم الحمراء يتراوح سعرها ما بين 1500 إلى 2000 دينار، كما عرفت الأسماك عرفت أسعارا خيالية وصلت إلى 5000 دينار لبعض الأنواع المطلوبة.

بالإضافة إلى ذلك، يشير “عليوي”، إلى ظهور ندرة غير معتادة في بعض المواد الغذائية مثل الزيت والحليب والأرز، ناهيك عن الاضطرار للوقوف في طوابير طويلة من أجل شراء الحليب المدعم الذي يباع بـ25 دينارا، في حال وجوده.

احتجاجات قطاعية

خلال الفترة الأخيرة، أخذ الاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية، طابعا منظما في العديد من القطاعات، التي خرجت فيها النقابات منددة بالوضع ودعت إلى تنظيم إضرابات مفتوحة لإسماع صوتها، حيث قررت 14 نقابة تربية، تنظيم إضراب شامل بين التاسع والحادي عشر من مايو/ أيار الجاري، في وقت سارعت فيه الحكومة لمحاولة احتواء الإضراب دون جدوى لحد الآن، فيما تصر نقابات التربية على ضرورة فتح حوار حول المسائل الاجتماعية الملحة، حيث لم يراجع سلم الأجور في هذا القطاع منذ سنوات طويلة، ما أدى إلى إضعاف رواتب المعلمين والأساتذة من جديد.

عمال البريد كان لهم نصيب من هذه الاحتجاجات، حيث انتفضوا ضد ظروف العمل الصعبة ورواتبهم الزهيدة على الرغم من أنهم يشتغلون في مؤسسة اقتصادية، ليتم على إثر ذلك الإطاحة بوزير البريد الذي لم يستطع استيعاب غضب العمال وزادت قراراته من حالة الاحتقان، بعد إيقاف عامل بريد واجهه عند زيارته لمصلحة بريد يعمل بها.

أما أكثر الاحتجاجات إثارة للجدل، فكانت الحركة الفجائية لأعوان الحماية المدنية، الذين نظموا مسيرة في قلب العاصمة بزي العمل الرسمي، غير بعيد عن مقر الرئاسة احتجاجا على سوء أوضاعهم الاجتماعية.

يشار إلى أن الحماية المدنية سلكا نظاميا يتبع وزارة الداخلية، وعرف عن أفرادها انضباطهم الشديد وابتعادهم عن مثل هذه الاحتجاجات.

البطالة تتجاوز 14 بالمئة

في بداية شهر كانون الأول\ ديسمبر الماضي، أعلن الوزير المكلف الاستشراف، “محمد شريف بن ميهوب”، أن أزمة كورونا تسببت في فقدان “500 ألف وظيفة على الأقل.

ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، فمن المتوقع أن يؤدي القرار الأخير بإغلاق 16 ميناءً جافاً، إلى فقدان 4000 وظيفة مباشرة.

كما أن إغلاق مصانع تجميع السيارات في أعقاب فضائح فساد، ووقف استيراد مستلزمات الأجهزة الكهربائية المنزلية، كلف أكثر من 50 ألف وظيفة في عام 2020، بحسب وزير العمل “الهاشمي جعبوب”.

يشار إلى أن صندوق النقد الدولي يقدر البطالة حالياً في الجزائر بأكثر من 14 في المئة.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.