فساد ومؤامرات.. 45 بالمئة من الليبيين فقراء

رغم ان ليبيا تعتبر رابع اغنى بلد نفطي في افريقيا، الا ان 45 بالمائة من الليبيين فقراء، حسب تقارير متعددة. فعدد كبير من مناطق وقرى البلاد ما زالت تعيش تحت خط الفقر. ورغم ان الحكومة الليبية تؤكد ان الميزانية المخصصة للرواتب تبلغ نحو 18 مليار دولار امريكي، الا ان ربع مليون اسرة ليبية لا تحصل على رواتبها.

وتعد ظروف الحرب الدائرة في البلاد والانقسام الحكومي، احد اهم الأسباب التي جعلت مستويات المعيشة في ليبيا تتدهور وتتهاوى.

أسر بلا رواتب

وحسب تاكيدات رابطة اتحاد بلديات ليبيا، فان بعض الليبيين مازالوا يعيشون في بيوت من صفيح او عشوائيات لا تتوفر فيها خدمات الحياة الأساسية، وهو مشهد كان يعتبر غريبا على ليبيا، لكن بعد الحرب أصبحت العشوائيات كثيرة وباتت موجودة حتى في المدن الكبرى على غرار طرابلس وسبها وبنغازي.

ورغم أن التقارير الصادرة عن حكومتي ليبيا، أي الوفاق الوطني في طرابلس والحكومة المؤقتة في البيضاء شرق البلاد، تشير إلى رصد ميزانيات لتأمين الخدمات الأساسية، إلا ان عضو الجمعية العمومية لرابطة اتحاد بلديات ليبيا، الطاهر عبد الغني يؤكد أن تلك الميزانيات لم تعد كافية لمواجهة التردي الذي تعيشه البلاد، لافتاً إلى اختفاء أجزاء كبيرة من تلك الميزانيات قبل وصولها إلى البلديات بسبب الفساد الذي تشهده البلاد. وقال عبد الغني ان الحرب دمرت أربعة أحياء بكاملها في بنغازي ومثلها في جنوب طرابلس إضافة إلى أحياء أخرى متفرقة في مرزق وسرت وغيرها، مما زاد من نسب الأسر التي تعيش تحت خط الفقر، مؤكدا أن أبرز مؤشرات الفقر هو فقدان ليبيين أي مأوى من جراء الحروب المتتالية.

كما انه وحسب تقارير عدة أصدرتها رابطة منتسبي صندوق الإنماء الاجتماعي، فإن ربع مليون أسرة ليبية لم تتقاض رواتبها منذ نحو ست سنوات. هذه الأسر تستفيد من عائدات محافظ الاستثمار في أحد صناديق ليبيا الاستثمارية. وكانت رابطة منتسبي الصندوق، قد راسلت صندوق الزكاة التابع للهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية في الحكومة الليبية وهيئة صندوق التضامن الاجتماعي، تطالبهما بتوفير مساعدات للأسر المستفيدة من محافظ صندوق الإنماء، بعدما باتت تعيش تحت خط الفقر. وكانت عدة مدن قد شهدت احتجاجات شعبية واسعة، رافضة لتردي الوضع المعيشي، ولغياب السيولة النقدية، مقابل غلاء رهيب في الأسعار.

متاهات الفوضى

ولم تكن ليبيا دولة فقيرة ابدا ، بل كانت دولة غنية، وكانت موارد النفط توزع على الليبيين، علاوة على وجود احتياطات ضخمة من الذهب ومليارات الدولارات في مصرف ليبيا المركزي وفي أصول واستثمارات ليبية في الخارج وفي عشرات الدول.

لكن وبمؤامرات خارجية، ضاعت ليبيا في متاهات من الفوضى والعنف. والمؤلم أن ذلك كله كان على حساب المواطن الليبي، الذي وجد نفسه في هوة عميقة من الفقر والحاجة وتدني ظروف المعيشة. وفي ظل الأوضاع المتردية داخل ليبيا، يبرز الفقر باعتباره ظاهرة مؤلمة لم يعتادها الليبيون منذ عقود طويلة لتضرب اعدادا كبيرة من الناس.

وكان علي فرحات، مدير مركز الدراسات الاجتماعية بوزارة الشؤون الاجتماعية بحكومة الوفاق، قد كشف أن أعداد الفقراء في ليبيا، بلغت معدلات قياسية خلال الأعوام الأخيرة، إذ أصبح نحو 45% من الليبيين يعيشون تحت خط الفقر، وسط ظروف سياسية ومعيشية صعبة. وبالمقارنة مما كان في عام 2009، حيث معدل الفقراء 29 % ، فهذه تعتبر قفزة قياسية ولا يتجاوز عدد سكان ليبيا 6.8 مليون نسمة. كما أن متوسط دخل الفرد الليبي، تراجع إلى 6.5 ألف دولار مقابل 12 ألفًا في 2010.

ووفق فرحات، فإن ارتفاع نسبة الفقراء في ليبيا، تعود إلى تردي الأوضاع المعيشية، وعوامل التهجير والنزوح خلال الأعوام التي تلت ثورة فبراير 2011. كما أن هذه الزيادة القياسية في معدلات الفقر، أدت إلى تلاشي الطبقة الوسطى وانضمامها إلى الفقراء، كنتيجة للتوسع في الإنفاق المالي على حساب التنمية.

وبحسب إحصاءات رسمية، يبلغ إجمالي أعداد عائلات ذوي الدخل المحدود (المعروفة بالأسر المحرومة من الثروة)، نحو 224 ألف أسرة، وتحصل الأسرة البالغ عدد أفرادها ثلاثة، على حافظة استثمارية بـ30 ألف دينار، أما الأسرة التي يبلغ عدد أفرادها خمسة فما فوق فتحصل على 50 ألف دينار. ويتقاضى أصحاب المحافظ، 100 دينار عن كل فرد شهريًّا تُعطى على حساب الأرباح، لكنها متوقفة في الوقت الحاضر وهذه هى المأساة، فالمنح المالية متوقفة، منذ سنوات بسبب نقص الموارد المالية، كما أن المرتبات تتأخر، مما دفع بعض الليبيين للتسول في شوارع طرابلس، حسب بعض التقارير والتحقيقات الإعلامية.

وترصد تقارير، ميدانية عدة على أرض الواقع، حاجة آلاف الأسر في وازن وبنغازي والقطرون وبعض المدن الأخرى، وفي طرابلس للمساعدة.

الفساد عمق فقر الليبيين

وفي بلد يعتبر عاشر مصدّر للنفط في العالم وصاحب احتياطي مالي كبير، فان آلاف الأسر لا تتوافر لها أبسط مقومات العيش الكريم من مسكن وملبس ومأكل واضطر العشرات من أبنائها للجلوس أمام المساجد والفضاءات العامة للحصول على مساعدات، بل وصل الأمر بالبعض إلى مغادرة البلاد نحو الدول المجاورة، وبالفعل فر ثلث الليبيين للخارج بحثا عن حياة.

ومن بين الأسباب الأخرى التي ساهمت في تفاقم الفقر في ليبيا، هو الفساد. حيث نشطت عصابات السرقة والتهريب واستغلت الحالة الأمنية لتحقيق مكاسب خاصة، فلم يسلم لا النفط ولا البنوك ولا السلع التموينية من هذه العصابات. ووفقا لمؤشرات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، فإن ليبيا لا تفصلها سوى ثماني دول عن قاع التصنيف، الذي يضم 801 دولة.

ويشير محللون، الى أن ما حدث في ليبيا ولا يزال على الأرض جريمة ممتدة، و لا يمكن أن تسقط بالتقادم عن كل فاسد ومخرب وإرهابي وسياسي وعسكري، شارك في إفقار الليبيين وفي سرقة موارد الدولة الليبية أو تدمير مقدراتها.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©