فشل سياسي في ليبيا يهدد بعودة المدافع

مع إعلان فشل ملتقى الحوار السياسي الليبي المنعقد في مدينة جنيف السويسرية، تعيش الأوساط الشعبية الليبية قبل السياسية حالة من الخذلان والقلق حول مصير البلاد خلال الأشهر القليلة المقبلة، والتي كان من المقرر أن تشهد انتخابات عامة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار.

يعلق الباحث في الشؤون الليبية، “محمد بن عطيّة” على فشل الملتقى بوصفه تهديد يطال الاستقرار الليبي ويمهد إلى إمكانية العودة إلى الوراء واندلاع المعارك مجدداً، لا سيما وأن الاتفاقات المعقودة بين الأطراف الليبية ما تزال هشة حتى الآن، على حد قوله، لافتاً إلى أن فشل المؤتمر يكشف أن الصراع على السلطة ما يزال محتدماً حتى وإن صمتت المدافع لبعض الوقت، وهو ما يؤكده أن القاعدة الأساسية للخلاف في الملتقى هو القاعدة الدستورية لإجراء الانتخابات المقبلة في البلاد وبموعدها المحدد.

يشار إلى أن الحوار الليبي، الذي أفرز قيادة تنفيذية جديدة في ليبيا، كان قد خرج بجملة مقرارات أبرزها إجراء انتخابات عامة نهاية العام الجاري، تمهيداً إلى الوصول لسلطة رسمية منتخبة من الشعب اليبي.

خطوة لا تبشر بالخير

من جهته، يصف منسق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، “رايزدون زينينغا” فشل الملتقى بأنه خطوة لا تبشر بالخير إطلاقاً، مضيفاً: “فشلنا في التوصل إلى اتفاق بشأن القاعدة الدستورية، وهذا لا يبشر بالخير إزاء مصداقية ملتقى الحوار”.

كما يشدد “زينينغا” على أن الفرصة كانت متاحة لكافة المشاركين في الملتقى لطرح وجهات نظرهم ومقترحاتهم بهدف تقريب المواقف والوصول إلى حل وسط بين الأطراف السياسي وضمان إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، لافتاً إلى أنه وعلى الرغم من المساحة الممنوحة لعرض الآراء إلا أن الملقى فشل تماماً.

إلى جانب ذلك، يبدي المسؤول الأممي، مخاوفه من تبعات سلبية لما جرى في الملقى، وفي مقدمتها انهيار خارطة الطريق، التي من المفترض أنها تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب والتوتر، بالإضافة إلى إمكانية تعثر العملية السياسية في البلاد، معتبراً أن المقترحات التي لا تجعل من الانتخابات ممكنة؛ لا يمكن المواصلة فيها.

في السياق ذاته يعتبر “زينينغا” أن الأوضاع حالياً في البلاد تدعو إلى ضرورة العمل على التوصل إلى تسوية وحل وسط يوحد الأطراف السياسية، كاشفاً أن المحادثات شهدت “جدلا محتدما” وتهديدات بالانسحاب.

ويرى “زينيغا” أن الليبيين الفرصة المواتية لممارسة حقه الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 ديسمبر، لافتاً إلى أنه قدم ثلاثة مقترحات حول القاعدة الدستورية، والمشاركون في الملتقى لم يتوصلوا إلى أرضية مشتركة حول آلية إجراء الانتخابات.

حبوب سامة وتحذيرات أمريكية

ردود الأفعال على فشل الملتقى الليبي، لم تقتصر على الجانب المحلي والأممي، مع دخول الولايات المتحدة على الخط من خلال اتهام مبعوثها الخاص وسفيرها لدى ليبيا، “ريتشارد نورلاند”، بعض أطراف الملتقى بإدخال ما وصفه بـ “حبوب سامة” بهدف عرقلة إجراء الانتخابات بموعدها سواء بإطالة العملية الدستورية أو خلق شروط جديدة.

كما يشير “نولاند” إلى أن هؤلاء الأفراد يدعون أنهم يعملون نيابة عن القادة السياسيين، الذين قدموا للولايات المتحدة تأكيدات واضحة بأنهم يدعمون الانتخابات في موعدها المحدد، دون أن يحدد هوية من يقصدهم بتصريحاته.

ومع تحذيراته حول مستقبل ليبيا، الذي قال إنه يجب أن يحدد من قبل الليبيين، يعبر المسؤول الأمريكي عن أمله بأن يعيد أعضاء الملتقى الـ75 تكريس أنفسهم للسماح لـ7 ملايين ليبي في جميع أنحاء البلاد بالتعبير عن رأيهم في تشكيل مستقبل ليبيا، مشيرًا إلى أن البعثة الأممية “عملت بجهد” من أجل تسهيل المناقشات، رغم التحديات التي طرحتها جائحة كورونا، إلا أنها لا تستطيع اتخاذ قرارات نيابة عن الليبيين.

في السياق، يعرض “نولاند” استعداد بلاده لمساعدة الحكومة الليبية للتحضير للانتخابات الوطنية حتى انتهاء ولايتها في ديسمبر المقبل، بالإضافة إلى التعامل مع القوات الأجنبية والمرتزقة، وخلق فرص العمل، وضمان الأمن، وإيجاد طريق لليبيا لتزدهر بسلام.

يذكر أن الحكومة الليبية سبق لها أن أكدت التزامها بإخراج الميليشيات الأجنبية المنتشرة في البلاد، والعلمل على توحيد المؤسسة العسكرية، تمهيداُ إلى إخضاع كافة القطع العسكرية لسلطة وزارة الدفاع في الحكومة.

مهمة مستحيلة

تزامناً مع التطورات السياسية في ليبيا، يصف الباحث في شؤون شمال إفريقيا، “زين العابدين مرسي” أن نجاح الملتقى السياسي ضمن المناخ الحالي بانه مهمة مستحيلة، موضحاً أن الكثير من الفرق السياسية لا تبحث عن حلول للأزمة بقدر ما تبحث عن تأسيس إمبراطوريات داخل البلاد، على اعتبار أن تلك الفرق ترى في الانتخابات القادمة فرصة لترسيخ نظام سياسي سيستمر لعقود، مع استبعاد فكرة تداول السلطة عبر انتخابات قادمة.

كما يشير “مرسي” إلى وجود دور إقليمي سلبي في ليبيا، يسعى لفرض تيارات سياسية موالية له في معادلة الحكم، لافتاً إلى أن تركيا على سبيل المثال تلعب دوراً سلبياً بالمطلق، سواء من خلال عدم سحب قواتها من ليبيا واستمرارها في إرسال المسلحين ودعم الميليشيات.

إلى جانب ذلك، يرى “مرسي” أن نجاح الاجتماعات والملتقيات السياسية يرتبط بشكلٍ كلي في تهيئة عدة أمور أولها وأهمها إسقاط سلاح الميليشيات ووقف فوضى السلاح وإنهاء ملف القوات الأجنبية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.