في غياهب الاتفاقات الدولية.. ما مصير سراقب وإدلب كلها؟

دبابة لجيش النظام

مع اقتراب عقد مجلس الأمن الدولي غداً الخميس اجتماعاً طارئاً من أجل التطورات العسكرية شمالي سوريا، وإطلاق المنظمات الإنسانية العاملة في الشمال السوري نداءات استغاثة لنجدة الوضع الإنساني الذي بات كارثياً، قالت مصادر محلية سورية إن قوات الأسد المدعومة روسياً حاصرت مساء اليوم الأربعاء مدينة سراقب بريف إدلب، وسط انسحاب قوات المعارضة منها.

قوات النظام من السيطرة على إسلامين والرصافة وأبو الخشة، بالإضافة لقرية تل الطوقان التي تتواجد فيها نقطة تركية، فيما لم يعرف بعد مصير الجنود الأتراك فيما إذا جرى محاصرتهم كما جرى سابقاً في نقاط أخرى بإدلب وحماة، كما تمكنت قوات النظام من دخول الحدود الإدارية لمحافظة حلب من جهة ريف إدلب الشرقي، وسيطرت على كل من زمار وعثمانية كبيرة وجزرايا جنوب مدينة حلب.

وبذلك، ترتفع أعداد المناطق التي تمكنت من السيطرة عليها قوات النظام في إدلب منذ مساء الجمعة 24 من الشهر الفائت إلى 88 قرية. أما في حلب فسيطرت قوات النظام خلال الفترة ذاتها على 12 منطقة على الأقل، وهي؛ خان طومان ومستودعات خان طومان والخالدية ورجم وتلول حزمر وخربة خرص وتل الزيتون والراشدين الخامسة ومعراتا وزمار وجزرايا وعثمانية كبيرة؛ بالإضافة لمواقع ونقاط وتلال أخرى بريفي حلب الغربي والجنوبي.

وتتقدم القوات البرية التابعة لنظام الأسد بتغطية جوية روسية، ودعم مليشيات إيرانية للقوات البرية، وبث ناشطون سوريون من الشمال السوري، فيديوهات وصوراً مروعة عن المجازر التي تسببت بها الغارات الروسية على ريفي إدلب وحلب.

كما طابق ناشطون صوراً لأحد رجال معرة النعمان التي سيطر عليها الأسد نهاية الأسبوع الماضي، وقد قتل على يد قوات الأسد بعد أن رفض مغادرة منزله، ومدينته التي أصبحت مدينة أشباح.

المنظمات الإنسانية تطلق تحذيراً

دعت 8 من كبرى منظمات الإغاثة الدولية، في نداء عاجل وجهته، الأربعاء، إلى وقف فوري لإطلاق النار في شمال غرب سوريا، محذرة من “كارثة إنسانية” مع فرار مئات الآلاف من المدنيين من العمليات العسكرية.

ومنذ كانون الأول، نزح أكثر من نصف مليون شخص، وفق الأمم المتحدة، جراء حملة عسكرية تشنّها قوات النظام بدعم روسي على مناطق في محافظة إدلب وجوارها، تؤوي أكثر من 3 ملايين شخص نصفهم نازحون، وتسيطر عليها هيئة تحرير الشام، وتنتشر فيها فصائل معارضة أقل نفوذاً.

ووجهت المنظمات الدولية، في بيان مشترك، “نداء عاجلاً لوقف فوري لإطلاق النار مع استمرار تصاعد الأعمال العدائية في شمال غرب سوريا”.

وحذرت من أن “مئات الآلاف من الناس، غالبيتهم من النساء والأطفال، الذين يفرّون من أعمال عنف لا هوادة فيها عالقون في كارثة إنسانية”.

قال الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين يان ايغلاند، وفق البيان، إن مخيمات النازحين في شمال غرب سوريا باتت “تستضيف خمس مرات أكثر من قدرتها الاستيعابية، والإيجارات فاحشة الغلاء”.

ونبّه إلى أن “القتال راهناً يحصر الناس أكثر وأكثر في الشمال، وفي الوقت الحالي لم يعد لديهم أي مكان آخر يذهبون إليه”، مناشداً تركيا أن “تسمح لتلك العائلات المذعورة بالوصول إلى بر الأمان، سواء عبر اجتياز الحدود أو التوجه إلى مناطق سيطرتها في سوريا”.

وأكدت إينغر آيشينغ من “سايف ذي تشيلدرن” أن “الأطفال مرعوبون، يرون القنابل والقذائف تتساقط بشكل يومي”، موضحة أن “حياتهم تمزقت أساساً جراء سنوات من النزاع بعدما رأوا منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم مدمرة وأحباءهم يموتون أمام أعينهم . . . يجدر بأطراف النزاع أن يحترموا القانون الإنساني الدولي ويجنّبوا الأطفال والمدنيين وطأة الحرب”.

كيف تقدم الأسد نحو المعقل الأخير للمعارضة السورية؟

ظلت إدلب على مدار السنوات الثلاث الماضية عاصمة المعارضة السورية المسلحة والسياسية، وكانت هناك توافقات دولية روسية تركية إيرانية، على عدم الاقتراب من هذه المنطقة، وجعل السيطرة فيها للمعارضة السورية بإشراف تركي، لكن تدخل تركيا في الملف الليبي، اصطدم مع أحلام ليبيا هناك التي تعمل على وصل نفوذها الشرقي في المتوسط مع السواحل الليبية، ما أدى إلى جعل إدلب –آخر خط أحمر لأردوغان- ملفاً للضغط وتصفية الحسابات بين الدولتين.

وعملت أنقرة في الشهر الأخير على تقوية نفوذها العسكري في ليبيا، آملة في تأمين أكبر قدر من المصالح في مياه شرق المتوسط الغنية بالغاز الطبيعي، لتكسب نقاط أكثر في الملف القبرصي العالق بين أنقرة ونيقوسيا منذ أكثر من نصف قرن.

لم ترد أنقرة إغضاب الشارع التركي المتوتر والمشبع بالحملات السياسية المضادة، لذا استبدلت القوات التركية التي كانت من المفترض أن تصل إلى طرابلس للقتال مع حكومة الوفاق وفق معاهدات بين الطرفين، بقوات من المعارضة السورية تم إغراؤهم بالمال -2000 دولار لكل مقاتل في الشهر- ما تسبب بفرط عقد الفصائل في الشمال السوري، وإفراغ المنطقة من المقاتلين.

إلى ذلك أعطت أنقرة قبل ثلاث سنوات السيطرة في الشمال السوري لهيئة تحرير الشام بدلاً من فصيل أحرار الشام، ويعرف عن هيئة تحرير الشام التي يقودها “أبو محمد الجولاني”، بتسليم المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد والاهتمام بمصالحها المادية فقط، كما طالت اتهام لبعض أفرادها بالتجارة مع نظام الأسد عبر مناطق التماس.

كما بات الملف الأوكراني يدفع بالتوتر التركي الروسي إلى السطح، حيث حيا الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” عندما زار أوكرانيا الأسبوع الماضي، حرس الشرف، بعبارة استفزت موسكو لارتباطها بالقوميين الأوكرانيين المناهضين لروسيا.

وبات الخلاف بين تركيا وروسيا بشأن بشمالي سوريا واضحاً، بعد الهجوم الأخير في إدلب، وهذا ما دفع روسيا إلى فتح الملفات السلبية لتركيا التي كانت مغلقة في الأرشيف الروسي.

وبدأ المسؤولون الروس يتحدثون عن مسألة عدم التزام تركيا باتفاق سوتشي ودعمها للميليشيات في ليبيا بالمرتزقة، كما أعلن “أردوغان” نفسه أن اتفاقي سوتشي وأستانة بات غير ملزم لتركيا، بعد الهجوم الأخير على إدلب.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.