قبيل تنصيب بايدن.. لماذا تعترف إيران ضمنياً بدورها في هجمات أرامكو؟

ليس من الجديد أن تجري إيران مناورات عسكرية في توقيت تغلي فيه المنطقة، وتتصاعد فيه التوقعات بمواجهات مباشرة بين أقطابها، إلا أن الجديد في المناورات الحالية لإيران، يكمن في دلالاتها ومؤشراتها، خاصةً وأنها تستخدم طائرات بدون طيار من نفس الطراز المستخدم في الهجمات، التي استهدفت منشآت آرامكو السعودية النفطية عام 2019.

يشار إلى أن الهجمات وقعت في أيلول عام 2019، وتبنتها ميليشيات الحوثيين في اليمن، إلا أن تقارير أمنية وتكنولوجية أشارت إلى أن مسار الطائرات كان قادماً من الشرق أي من الحدود الإيرانية، وليس من الجنوب، ما دفع إلى اتهام إيران بتنفيذ تلك الهجمات، رغم نفي الأخيرة.

دلالات خطيرة ومزيد من التصعيد

أهم ما يحمله استخدام إيران العلني لتلك الطائرات خلال مناوراتها، بحسب ما يقوله الباحث الاستراتيجي، “جاسم العلي” يكمن في رمزيتها وقوة الانفجارات التي خلفتها في منشآت أرامكو والتي أوقفت العمل فيها لعدة أسابيع، مضيفاً: “إيران تريد أن تعرض للعالم أن لديها قوة تدميرية كبيرة ستكون جاهزة للاستخدام في حال تعرضها لأي هجوم أو ضربات موجعة”.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني قد أجرى خلال الشهر الماضي 3 مناورات عسكرية بينها مناورات تم خلالها استخدام صواريخ بالستية من طراز أرض – أرض، بالإضافة إلى المناورات البحرية في الخليج العربي.

كما يرى “العلي” أن إيران انتقلت حالياً من الاستعراض الدفاعي والقدرات الدفاعية، إلى الاستعراض الهجومي والتدميري، من مبدأ خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، وهذا لا يعكس من وجهة نظره أن القيادة الإيرانية باتت متيقنة مئة بالمئة أن الضربة العسكرية باتت شبه حتمية لبعض الأهداف داخل إيران، وإنما هناك رغبة لديها بأن تستعرض للرئيس الأمريكي الجديد، ما لديها من قوة عسكرية لفرض أوراق تفاوض وسياسة تعامل جديدة.

وكان مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، “عباس عَراقجي”، قد هدد بعد انتهاء مناورات أجراها الجيش الإيراني مطلع العام الجاري، أن القوات المسلحة الإيرانية سترد بشكل واسع وشاملٍ على أي اعتداء يطالها وأن كل القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة تحت مجهر إيران، مؤكداً أن بلاده لن تقبل بالتفاوض على برنامجها الصاروخي بشكل مطلق، وأنها ترفض أي صيغة اتفاق جديد حول برنامجها النووي.

انطلاقاً من تصريحات “عراقجي”، يشدد “العلي” على أن إيران لا تقاتل فقط على جبهة تجنب الضربة العسكرية فقط، وإنما على جبهات أخرى في مقدمتها إعادة واشنطن إلى الاتفاق النووي السابق، وتقليص العقوبات الأمريكية بما يساعدها على تحسين الوضع الاقتصادي للنظام، معتبراً أن استمرار الوضع الاقتصادي الحالي والعقوبات وتصفير مداخيل النفط، يحمل تأثيراً لا يقل عن تأثير الضربات العسكرية المباشرة للمنشآت النووية الإيرانية.

وكان الرئيس الإيراني، “حسن روحاني” قد أقر بأن العقوبات الأمريكية على بلاده أفقدت الاقتصاد نحو 150 مليار دولار، لافتاً إلى أن تلك الخسائر منعت الحكومة من تأمين الأموال اللازمة لتمويل المستوردات، ما دفعها إلى محاولة الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بـ 5 مليارات دولار.

رسالة اعتراف ضمنية

دلالات إدخال طراز الطائرات المستخدمة في هجمات آرامكو في المناورات، يمتد أيضاً وفقاً للمحلل السياسي “فايز الدوسري” إلى وجود رغبة إيرانية بتوجيه رسالة اعتراف ضمنية، بمسؤوليتها عن تلك الهجمات، معتبراً ان الهدف هنا متعلق بدول المنطقة وتحديداً إسرائيل التي قال إنها تظهر جدية أكبر في قضية استهداف إيران عسكرياً.

يذكر أن رئيس الأركان الإسرائيلي، “أفيف كوخافي، قد أمر الجيش بإعداد خطة عسكرية من شأنها لحيلولة دون تطوير إيران قدراتها النووية في المجال العسكري، وهو ما تكشفت مصادر استخباراتية إسرائيلية لوسائل إعلام أمريكية.

إلى جانب ذلك، يشير “الدوسري” إلى أن الغارات الإسرائيلية الأخيرة على مواقع الميليشيات الإيرانية في دور الزور، أثبتت أن إسرائيل تبحث بجدية استخدام القوة العسكرية تجاه أي تهديد قادم من إيران، لا سيما وأنها كان الغارات الأكثر دموية بعد أن أسفرت عن مقتل 57 عنصرا على الأقل وطالت عدة مواقع على امتداد مدينة دير الزور، مضيفاً: “حسابات إسرائيل في الشأن الإيراني تختلف عن حسابات الولايات المتحدة، على اعتبار أن النشاط الإيراني سواء النووي أو العسكري في المنطقة يمثل تهديداً مباشرا”.

خطوة استخدام الطائرات في المناورات يصفها “الدوسري” بأنها عرض إيراني يراد منه تحديد شكل الرد على أي هجمات إسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية من خلال التذكير بسيناريو أرامكو، وأن إيران ستطلق تلك الطائرات باتجاه أهداف إسرائيلية محددة إن تعرضت منشآتها للهجوم، لافتاً إلى أن إيران تريد زيادة انتاجها وتخصيبها لليورانيوم بدون أي مضايقات إسرائيلية لتحسين ظروف التفاوض مع المجتمع الدولي في ظل إدارة “بايدن”.

وكان البرلمان الإيراني صوت في الشهر الفائت على رفع نسب التخصيب كجزء من التعامل مع العقوبات الغربية، بينما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “سعيد خطيب زاده”، أن طهران سوف تعود إلى التزاماتها تجاه الاتفاق النووي في حال عادت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا إلى الوفاء بالتزاماتهما الكاملة نحو الاتفاق.

ما هي مخاوف إيران؟

لاكتمال مشهد الضربات الجوية وردة الفعل الإيرانية، لابد من تسليط الضوء على المخاوف الإيرانية والمناطق التي تشكل خطوط حمراء بالنسبة لإيران، وفقاً لما يوضحه الباحث في الشؤون الأوسطية، “عمار الدريبي”، لافتاً إلى أن ما تخشاه إيران وما سيستدعي منها ردة فعل عسكرية، هو ضرب منشآتها النووية، وتحديداً مجمع نطنز النووي، وأن فيما دون ذلك لن تقوم إيران بأي رد على أي تحرك دولي.

ويضيف “الدريبي”: “بمعنى أوضح، إيران لن تتحرك في حال توجيه ضربات إلى ميليشياتها في العراق أو اليمن أو حتى حزب الله اللبناني، كما أنها لن تتحرك حتى لو وصل الأمر إلى تنفيذ اغتيالات ضد قيادات وعلماء إيرانيين، وهو ما تدركه الدول الغربية والولايات المتحدة، وستتحرك بموجبه”، معتبراً أن السيناريو الأقرب هو تقليم النفوذ الإيراني وشد الخناق الاقتصادي أكثر.

إلى جانب ذلك، ينظر “الدريبي” إلى أن المجتمع الدولي يريد أن تبقى إيران محتفظة بشيء تخاف عليه وعدم إفقادها ما تدافع عنه، لافتاً إلى أن خسارة إيران للمفاعلات النووية يعني أنها فقدت كل شيء وستتحول إلى قاعدة قتال الجبناء، ما قد يعرض القواعد الأمريكية وإسرائيل والمنطقة كلها للخطر.

ويشير “الدريبي” إلى أن عدم تصعيد المجتمع الدولي مع إيران إلى اقصى الدرجات، سيجعل المنطقة في مأمن من أي ردود أفعال إيرانية جنونية، قد تفاقم الأزمات الإقليمية، معتبراً أن خطوة استهداف المفاعلات النووية الإيرانية سيأتي قبل أشهر فقط من اقتراب إيران من امتلاك قدرا لانتاج القنبلة النووية.

يذكر أن كلاً من فرنسا وألمانيا وبريطانيا قد حذرت إيران من بدء العمل على إنتاج وقود يعتمد على معدن اليورانيوم من أجل مفاعل أبحاث، مؤكدة أن “ذلك يتعارض مع الاتفاق النووي المبرم في العام 2015”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©