قرارات وتغيرات.. سلطنة عمان بين التوجهات القديمة والجديدة

تنوعت التساؤلات عن تموضع عمان الجديد بعد تسلّم سلطانها الجديد، هيثم بن طارق، بعد السلطان الراحل قابوس بن سعيد الذي حكم البلاد زهاء خميس عامًا طبعها بطابع خاص في العلاقات الخارجية المعتمدة سياسة الحياد شبه المطلق والالتفات لبناء الدولة الداخلية، لتنبعث تساؤلات عن توجه السلطان الجديد لجني ثمار تلك السياسة أم الحفاظ عليها، بعد حملة تغيرات قوية في هيكلية وكواليس الدولة العمانية.. التي بدأها السلطان بتغيير نشيد الدولة الرسمي وصولًا للوزارات والسفارات ومفاصل صنع القرار.. في مؤشرات رأى فيها مراقبون ضخًا لدماء شابة في دماء السلطنة. ليبقى التساؤل عن تلك المؤشرات إذا ما كانت تغييرًا التوجهات أم تجديد وتحديث ضمن نفس النسق العام.

السلطان بين التجديد والتأكيد

أكد السلطان الجديد في خطاب البيعة في 11 يناير كانون ثاني 2020، أنه لن يغير سياسة السلطان قابوس “التي عرفت بالحياد والنأي عن التدخل في صراعات المنطقة”.. رغم توجهاته ومواصلة الحراك الداخلي عبر مراسيم وتغيرات تعيشها البلاد في العهد الجديد، التي اعتبرها مراقبون تعزيزًا لملامح جديدة، تتلخص بفكرة “دولة المؤسسات”.

مؤخرًا وبعد التغييرات الدبلوماسية، لا تظهر مؤشرات تغيير جذري عن “سياسة الحياد”، الأمر الذي لم يخفه خطاب “تولية العرش”، حين قال: “السلطان قابوس أرسى مكانة دولية للسلطنة، ونحن على نهج السلطان، في الحفاظ على ثوابت بلادنا القائمة على التعايش السلمي وحسن الجوار واحترام سيادة الدول”.

ليؤكد في خطابه الذي اُعتبر مسارًا لملامح سياسته، أنه سيواصل مسيرة التعاون والتعاضد مع دول الخليج، وقال: “سنبني علاقاتنا مع دول العالم وفق نهج السلطان، كما سنحافظ على علاقاتنا الودية مع كل الدول، والنأي بالمنطقة العربية عن الصراعات والخلافات”.

قبل ما يقارب الأسبوعين، تعهد السلطان هيثم بن طارق في احتفالات عيد الدولة الخمسين، بالمضي في استكمال قواعد “دولة المؤسسات والقانون”.

حيث أعلن في كلمة له: “سنواصل استلهام جوهر المبادئ والقيم ذاتها، في إرساء مرحلة جديدة، تسير فيها بلادنا العزيزة بخطى واثقة نحو المكانة المرموقة، التي نصبو إليها جميعاً مكرّسين كافة مواردنا، وإمكانياتنا للوصول إليها، وسنحافظ على مصالحنا الوطنية باعتبارها أهم ثوابت المرحلة المقبلة التي حددت مساراتها وأهدافها “رؤية عمان 2040″، كسعي إلى إحداث تحولات نوعية في كافة مجالات الحياة، مجسدة الإرادة الوطنية الجامعة”.

تغييرات دبلوماسية

ذكرت وزارة الخارجية العمانية، في موقعها الرسمي، صدور قرار سلطاني بتعيين ونقل عدد من السفراء في دول: مصر والسعودية والولايات المتحدة الأميركية ودولة الإمارات والأردن وكينيا وجنوب أفريقيا ومدغشقر وتنزانيا وأستراليا.

تغييرات رأى فيها بعض المحللين خطوات تجديد السلطنة لسلكها الدبلوماسيي على المستويين الداخلي والخارجي، بدون مؤشرات لتغير في سياستها الخارجية نحو تلك الدول التي شملتها التعيينات الحديثة أو حتى تلك التي لا يزال سفراء السلطان الراحل يعملون فيها.

تبديل السياسيين لا السياسة

اعتبر محمد بن سليمان الهنائي، عضو مجلس الشورى العماني، أن قرارات السلطان الجديدة بالنسبة للسفراء لا “تشكل تغيرًا في سياسة البلاد الخارجية، بل هي إعادة تدوير وتجديد لدماء الشباب لا أكثر، وليس ثمة سياسة جديدة وتوجه جديد تعتزمهما السلطنة”.

ليؤكد الهنائي – بحسب الاندبندنت عربي – أن سياسة مسقط تتابع السير على نهج سلطانها الأول قابوس، وهي: “سياسة الخط العريض، التي لا تتغير بتغير الأشخاص بل ثابتة في تعاطيها مع دول الجوار وكافة دول العالم”، التي تستند إلى النأي عن صراعات الآخرين وعدم التدخل في شؤونهم.

وعليه اعتبر الدبلوماسي، أن موقف السلطنة في العهد الجديد على نفس طريق القديم، لا سيما تجاه النزاع المشتعل في اليمن بين دول خليجية في مجلس التعاون الذي تعتبر عمان أحد أضلاعه إلى جانب السعودية قائدة التحالف العربي لاستعادة الشرعية اليمنية، ودولة الإمارات، وبقية دول المجلس الستة.

حيث أوضح السياسي العماني أن بلاده “لا تنظر للكيانات ولا الأشخاص بل تتعامل مع دولة جارة كاليمن التي تربطها بالسلطنة، روابط الدم والجيرة”، كما تنظر السلطنة، وفق الهنائي، إلى إيران بالمنطق نفسه كدولة “جارة عريقة” بغض النظر عن خلافات بعض دول الخليج الأخرى معها.

قرارات ومؤشرات

اتخذت السلطان قرارات سريعة في فترة حكمه القصيرة نسبيًا (لمّا يكمل العام بعد) حيث حملت بصمات واضحة للسلطان جاء على رأسها، إلغاء حقائب وزارية كانت عادة تحت مسؤولية السلطان السابق، فتخلى “هيثم بن طارق” مثلاً عن حقيبتي وزارة المالية والخارجية.. مع ما أجراه من تعيين شخصيات جديدة في هيكلة السلطة، بعضها من خارج العائلة الحاكمة، في أمر نادر الحدوث في تاريخ السلطنة.

في آب أغسطس الماضي، أصدر السلطان حزمة من 28 مرسوماً، تضمنت استحداث هيئات ودمج وزارات، وإعادة لتشكيل مجلس الوزراء، وإنشاء وزارة للثقافة والرياضة والشباب، إضافة إلى دمج وزارتي العدل والشؤون القانونية، وأنقص عدد الوزراء في التشكيلات الحكومية من 26 إلى 19 وزيراً فقط.

بحسب النمط الجديد، توسعت دائرة الاختيار للمناصب الوزارية المهمة لأشخاص من خارج العائلة المالكة، أمثال سعيد الصقري وزير الاقتصاد، قيس اليوسف وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، ليلى النجار وزيرة التنمية الاجتماعية، خلفان الشعيلي وزير الإسكان والتخطيط العمراني.

حتى إن وزير الخارجية الذي فوضه السلطان بصلاحيات وسلطات لإدارة سياسة البلاد الخارجية، ينتمي لفرع بعيد عن الأسرة الحاكمة.. في مؤشر لتحولات في نمط حكم السلطان الجديد ذكرتها دراسة صادرة عن معهد واشنطن للأبحاث والدراسات السياسية.. كتبتها الباحثة إلينا ديلوجر.

وبحسب ذات الدراسة وفق ” ساسة بوست”، ترسم كافة التحولات السابقة صورة أعم لنمط حُكم السلطان الجديد، الذي يسعى من خلال هذه التغييرات لمحو الصورة السابقة عن “أسلوب الحكم الشخصي للغاية الذي كان قائمًا في عهد السلطان الراحل قابوس، والانتقال نحو نموذج أكثر مؤسسية”.

الدراسة، أكدت أن طبيعة الاختيارات تفسر جانبًا من طريقة تفكير السلطان الجديد في “تقليص حجم الحكومة، وتنصيب حكومة تكنوقراطية ذات خبرة لافتة للنظر، وتفويض صلاحيات كبيرة لبعض الوزراء”.

إشكالية السياسة الخارجية

بقيت السلطنة المحتفظة بعلاقات ودية مع الدول الخليجية، وكذلك الإيرانيين والحوثيين اليمنيين، على نهج سلطانها الراحل السلطان قابوس، الذي قضى زهاء خمسة عقود كان فيها أكثر الأحيان صديق الجميع بحسب المحللين.

في حديث لـ “اندبندنت عربية”، يقول أستاذ العلوم السياسية “عبد الله العساف” أن السياسة الخارجية العُمانية استطاعت المحافظة على فلسفتها الكلاسيكية وتقاليدها الدبلوماسية، وركائز بنائها السياسي طيلة العقود الماضية، وهي ما تطمح للمحافظة عليه وتطويره في سياستها الخارجية المستقبلية.”

كسياق ومثال في تعليق على افتتاح السفارة مع نظام الأسد قبل أسابيع، أوضح العساف:” تبذل السلطنة جهودًا كبيرة مع جميع الأطراف المنغمسة في النزاع السوري، ولعل هذا هو السبب الرئيس الذي دفع بمسقط لافتتاح سفارتها وتعيين السفير في دمشق، وهي إحدى الدول العربية التي وقَّع وزراء خارجيتها على تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية وتبقى عُمان جزءًا من مجلس التعاون الخليجي، وتتحرك ضمن إطاره، وجزءاً من المنظومة التي تسعى للصلح بين كل الأطراف، سواء في اليمن، أو في سوريا.”

حيث اعتبر العساف أن “هذه الخطوة العُمانية هي امتداد للجهود السعودية لحل الأزمة السورية، وربما تحمل الأيام المقبلة جديدًا فيها، وتمهيدًا لبدء محادثات بين أطراف النزاع”.

حياد السلطنة ظهر واستمر بشأن الحرب في اليمن منذ عام 2015، فبيان العملية العسكرية أكد استجابة دول الخليج الخمسة لطلب الرئيس اليمني “عبد ربه منصور هادي” بردع الميليشيات المتهمة بولائها لإيران، ما عدا سلطنة عمان.

حينها، اعتبرت عُمان نفسها وسيطًا بين أطراف النزاع، إذ دخلت على خط الأزمة لإقناع جماعة الحوثي بالدخول في حوار سياسي مع حكومة هادي المدعومة من السعودية، وأبلغت السلطنة حينها الحوثيين بضرورة تجنب التصعيد العسكري قبيل اقتحامهم مدينة عدن.

ثبات المبادئ وتجدد الآليات

في حديث إعلامي قبل فترة، اعتبر وزير الخارجية العماني السابق “يوسف بن علوي”، أن العلاقات الخارجية للسلطنة ستكون متجددة بآلياتها ومبادئها، لكنها ستبقى المبادئ الأساسية ثابتة لن تتغير وهي الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعايش مع الناس.

وفي معرض حديث الوزير السابق عن وضع السلطنة في عهد السلطان الجديد “هيثم بن طارق” خلال استضافته في الجلسة الحوارية التي نظمتها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة السلطان “قابوس”، بعنوان “السياسة الخارجية العمانية خلال الخمسين عاماً الماضية”.

“بن علوي” نوّه أنه “حتى هذه اللحظة، عُمان مكانتها لم تهتز حتى بالطريقة التي تم خلالها انتقال السلطة، هذه الطريقة لا تحصل في أي مكان، وهذا دليل على أن هذا البلد بلد قوي وعاقل يستطيع أن يواجه أحلك الظروف بالحكمة والفكر، وهذه ثروة هائلة عند العمانيين”.

ليشير إلى أنه “رغم أن بعض الأشقاء يرون في موقف عُمان التقاعس أو عدم دعم لموقف معين، لكن مع الأيام يعودون إلى ذلك الرأي، فنحن نحتفظ برأينا المؤسس على العدل والحق إلى أن يأتي الوقت المناسب”.. كما أكد “بن علوي” أن هذه هي السياسة المتبعة.

ليضيف : “أذكر في أول مؤتمر عقد لسفراء السلطنة في الخارج والتقاهم السلطان قابوس، أوصاهم بأن يعملوا على بناء صداقات وأن يتجنبوا خلق المنافسات أو خلق الشعارات أو الدخول في مثل هذه الأشياء التي لا تتفق مع سياسة السلطنة الخارجية”.

ثم شدد الوزير السابق على أن “الواقع يبرز للآخرين مسلك هذه الدولة الفتية في تصرفاتها على المستوى الإقليمي أو المستوى الدولي، فعُمان لا تتدخل في شؤون الآخرين، وعلى مسافة في كل الصراعات بين الدول، لكن عندما يتم طلب الرأي من عمان يكون الرأي صادقا”.

معضلة إيران

تميزت علاقة مسقط – على خلاف أغلب الدول الخليجية – بدف وتقارب وهدوء مع إيران طيلة السنوات والعقود الماضية في سياسة توازن حذرة أرساها السلطان قابوس.. حيث واصلت السلطنة في عهده بناء علاقات قوية مع إيران والحفاظ عليها رغم تعدد التقلّبات وتصاهد الصراعات التي تخوضها طهران مع بلدان إقليمية وحتى قوى دولية.

خلال السنوات الماضية.. شهدت العلاقات بين طهرتن وعدد من دول الخليج، خصوصًا المملكة العربية السعودية.. تجاذبات قوية وصلت حدّ القطيعة بعد تعنت سياسات إيران المهدّدة لاستقرار الإقليم والمركزة على التدخّل في شؤونه الداخلية..

مع قدوم السلطان الجديد هيثم بن طارق، بدا أن السلطنة تقوم بعملية تطوير لسياساتها سواء الداخلية والخارجية حيث ظهرت مسقط بشكل أكثر إيجابية نحو عواصم الخليج.. حيث حاولت الاستعانة بها ضمن جهودها لتجاوز الأزمة المالية التي تواجهها، ما تجلّى على الأقل – بحسب تقارير إعلامية – في اختيار الحكومة العمانية الاستعانة ببنك أبوظبي الأول (أكبر بنك إماراتي) لترتيب قرض سعت عمان للحصول عليه من الخارج.

في حين توقع المراقبون تغييرات في السياسة الخارجية لعمان، بعيد قرار إقالة “يوسف بن علوي” من منصب وزير الشؤون الخارجية وتعيين بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي بدلًا عنه.

اعتبر مختصو الشؤون الخليجية أنّ علاقات عمان بطهران، تحمل بعدًا خاصًا – رغم الود الظاهر فيها والمناقض لتوجه واشنطن مثلًا – لكنها تتعلق بدور وظيفي لعمان تمثّل في قدرة مسقط من خلال حفاظها على تلك العلاقات على الوساطة بين طهران وعدة عواصم غربية بما في ذلك واشنطن.

تأكد ذلك خلال المحادثات التي أفضت سنة 2015 إلى توقيع اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني بين طهران والقوى العالمية الستّ بقيادة الولايات المتّحدة.

يقول محللون في تقرير للعرب، إنّ دور العلاقات بين عمان وإيران قد يتجدّد هذه الأيام إذا تحتّمت الحاجة للتهدئة التي دعت إليها عدة جهات دولية من بينها الأمم المتحدة، لتجنّب ما يمكن أن ينجم عن ردّ إيراني متهوّر على عملية اغتيال العالم النووي “فخري زاده”.. الذي قضى بعملية تصفية قبل أيام في اختراق أمني عالي المستوى تتهم إيران إسرائيل وأمريكا بالوقوف خلفه وتهدد برد فاعل..

تعاطف عماني “مؤشر معقد”

شكلت عملية اغتيال “فخري زاده” مسؤول البرنامج النووي الإيراني، صدمة لإيران ومواقف مختلفة للدول المحيطة وفي العالم.. لكن الموقف العماني كان متعاطفًا في مؤشر يؤكد استمرار سياسة التوازن في علاقتها بكل من طهران والعواصم الخليجية.. بعيد توقعات بحدوث تغييرات في السياسة الخارجية للسلطنة في عهد هيثم بن طارق، باتجاه تقارب أكبر مع بلدان الخليج على حساب العلاقة التقليدية القوية مع إيران.. تحت ضغط الحاجة لمساعدات اقتصادية – كما أشار تقرير للعرب – حيث لا يمكن للسلطنة أن تجد أي دعم اقتصادي لدى إيران المأزومة بدورها جراء العقوبات الأميركية الشديدة التي تضافرت مع جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط.

نقلت وكالة الأنباء العمانية في حسابها على تويتر، أنّ وزير الخارجية بدر بن حمد البو سعيدي أجرى اتصالًا هاتفيًا مع نظيره الإيراني محمد جواد ظریف: “أعرب خلاله عن تعازي السلطنة في مقتل العالم الإيراني محسن فخري زاده وإدانتها لهذا العمل وكل ما يتنافى والقوانين الإنسانية والدولية”.

أما وكالة الأنباء الإيرانية “إرنا” ، فنقلت عن الدائرة الإعلامية بوزارة الخارجية أن الوزير العماني أكد خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني أنّ “الإرهاب بجميع أشكاله أمر مرفوض”.. لتؤكد أنه أعرب عن تعاطفه مع الحكومة والشعب الإيرانيين لهذا الحادث المرير.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©