قوّات سوريا الدّيمقراطية؛ سياسياً وعسكرياً

مُعِدُّ هذه الدراسة ضابط استخبارات سوري (استخبارات الأمن السياسي) منشق عن النظام؛ عمل في منطقة الجزيرة السورية (12) عاماً بوصفه ضابط استخبارات، لذلك يعرف جيداً التركيبة السكانية في تلك المنطقة والانتماءات العرقية المختلفة فيها، يطرح في هذه الورقة موقفه -الذي يشاطره إياه بعضهم (عرباً وكرداً)- من قوات سوريا الديمقراطية ورؤيته لولادتها وأهدافها والعمود الفقري فيها من خلال المحاور الآتية:

  • قوات سوريا الديمقراطية تحالف مختلف أيديولوجيا.
  • هل قسد تنظيم سوري ذو أهداف سورية.
  • بين النص والتطبيق عندما تمتلك قسد القوة.
  • مجلس سوريا الديمقراطي هل هو ردة فعل على مؤتمر الرياض؟.
  • تعامل قسد مع الأمريكان والروس.
  • العدد والتمويل في قسد.
  • هل ستنتهي قسد؟.

المدخــــــــــل

جاء التدخّل العسكري الروسي في نهاية أيلول 2015 حاسماً في سوريا، وصادماً للفاعلين الدّوليين والإقليميين كلهم، وعلى الرغم من تشكيك كثيرين بقدرة الرّوس على تغييرِ مسارِ الحرب، إلا أن الأخيرين نجحوا عسكرياً، وفرضوا خريطةً جديدة من التحالفات في سوريا، كانت قوات سوريا الديمقراطية أحدها.

إذ اضطرت الولايات المتحدة إلى الإسراع باتخاذ قرارها باعتماد قوات سوريا الديمقراطية وتسليحها، وتُشكل قوات الحماية الشعبية YPG التابعة لحزب العمال الكردستاني PKK عمادها في مواجهة تنظيم داعش، والاستغناء عن فصائل الجيش الحرّ التي كانت تشترط قتال النظام بالتزامن مع التنظيم.

التحالف المختلف أيديولوجياً

في 12/10/2015 تناقلت المواقع الإلكترونية البيان رقم (1) الصادر عن قيادة قوات سوريا الديمقراطية الذي جاء مقتضباً ومن دون تصوير على غير عادة حزب العمال الكردستاني PKK والمنظّمات التابعة له، أعلنت فيه نفسها قوة عسكرية وطنيّة موحّدة للسوريين كلهم، تهدف إلى بناء سوريا ديمقراطية.

وبعد ثلاثة أيام صدر البيان رقم (2) المتضمنُ إعلانَ تشكيل قيادةٍ للتحالف الجديد، قيل إنها جرت بالانتخاب الأمر الذي نفاه الناطق الرسمي باسم قسد العقيد طلال سلو بعد انشقاقه[1]، وعُقدَ مؤتمر صحافي وضحت فيه أهداف التحالف المتمثلة في قتال تنظيم داعش وحدها.

بالعودة إلى الفصائل المكونة لقوات سوريا الديمقراطية، نرى أنها كانت متحالفة أصلاً مع قوات الحماية الشعبية YPG وتقاتل تنظيم داعش إلى جانبها قبل إعلان قوات سوريا الديمقراطية، وهو ما أكده أحد قادة قسد بعد انشقاقه[2].

فلواء ثوار الرقة ولواء التحرير متحالفان مع قوات الحماية الشعبية YPG في غرفة عمليات بركان الفرات التي شُكِّلت في أيلول 2014 في مدينة رأس العين، وشاركا في معارك عين العرب/ كوباني وأبليا بلاءً حسناً.

أما جيش الثوار فقد انطلق أصلاً من مدينة عفرين الخاضعة لسيطرة YPG في آذار 2015، وهو متحالفٌ معها، وقاتل إلى جانبها تنظيم داعش وفصائل الجيش الحر أيضاً.

وبالنسبة إلى قوات الصناديد التي أسست عام 2013 في محافظة الحسكة، فهي متحالفة مع YPG أصلاً، ويشغل زعيمها حميدي دهام الهادي منصب الحاكم المشترك لمقاطعة الجزيرة منذ إعلانها عام 2014 وما يزال، وقاتلت إلى جانبها تنظيم داعش والجيش الحر.

أما المجلس العسكري السرياني فهو فصيل صغير أسس في بداية 2013 وينحدر أعضاؤه من السريان في مدينة القامشلي، متحالف مع قوات الحماية الشعبية YPG قبل تأسيس قسد.

أما قوات حماية المرأة YPJ فهي فرعٌ من قوات الحماية الشعبية YPG خاصّ بالنساء، ويأتي هذا التقسيم لضروراتٍ إدارية تتعلق بشؤون المقاتلات، إلا أنه بعد ذلك اكتسب بعداً إعلامياً عمل الحزب على الاستفادة منها في الساحة الدولية.

أما ما سمّي بالتحالف العربي السوري فلا وجود له أصلاً، ولم يعلن عنه إلا في بيان قسد الأول، وهو ما يفسر الرغبة الأمريكية في إعطاء غطاءٍ عربي للمليشيا الكردية، وحتى لا تتهم الولايات المتحدة بالانحياز القومي في الصراع السوري.

وفي حين تتبنى قوات الحماية الشعبية YPG أيديولوجية حزب العمال الكردستاني PKK[3] الرامية إلى إنشاء دولة كردستان، وهي على خلاف شديد مع الحكومة التركية منذ انطلاقها، وتقاتلها منذ ثمانينات القرن الماضي.

ومنه نرى أن الفصائل المشكلة لقوات سوريا الديمقراطية متعارضة عقائدياً، وأن تحالفها مصلحي فرضته متغيرات الجغرافية، إذ لم تجد ملجأً لها سوى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الحماية الشعبية YPG بعد طردها من محافظتي الرقة ودير الزور إثر سيطرة تنظيم داعش عليهما منتصف عام 2014، وقيام جبهة النصرة بتفكيك جبهة ثوار سوريا وحركة حزم في إدلب التي ينحدر منها مؤسسو جيش الثوار.

هل قسد تنظيم سوريٌ فعلاً؟

جاء بيان تأسيس قسد الذي يبدو أنه صيغ على عجل خالياً من أي عبارة توضح توجّهه السياسي، سوى من عبارة تشير إلى أنه (قوة عسكرية وطنية موحّدة لكل السوريين) فهل هو كذلك فعلاً؟

يظن حزب العمال الكردستاني والمنظمات التابعة له، أنّ محض احتوائه على بضعة أشخاص ينتمون إلى قومياتٍ أخرى كفيلٌ بإعطائه صفة الوطنية والشمول، حتى وإن كان هؤلاء لا يمثلون قومياتهم ولا يدّعون ذلك أيضاً، أو كان انتماؤهم ينحصر في بقعة جغرافية واحدة فقط وخاضعة لسيطرته العسكرية.

ومن هنا جاء سعيه إلى تجنيد العرب إجبارياً في صفوفه، واستمالة السريان لاحقاً، حتى يتسنى له الادّعاء في كل مناسبة بأنه يمثل السوريين بانتماءاتهم كلها، وهو ما يحرص على ترديده وتفصيله دائماً، على الرغم من أن هذا الادّعاء ينقصه كثير من الإثباتات.

فالفصائل العربية والتركمانية لم تختر التحالف مع العمال الكردستاني إلا بعد أن طردها تنظيم داعش من مناطقها، فاختارت العمل معه والخضوع لشروطه، رغبة في البقاء قريبةً من معاقلها واستمرار حصولها على الدعم العسكري الذي حُصر بقوات الحماية الشعبية YPG من قبل الداعم الأمريكي.

ومحظورٌ على هذه الفصائل استقبال منضمين جدد إلى صفوفها، فعندما حاول لواء ثوار الرقة فعل ذلك تعرض إلى هجومٍ شرس من قوات الحماية الشعبية أجبره على حلّ جيش العشائر الذي كان في طور التشكيل آنذاك.

علاوة على ذلك فإن ادّعاءه تمثيل الكرد السوريين مشوبٌ بكثير من المغالطات، فتاريخ الحزب في سوريا ينبئ بأن تأييد الكرد أو عدم معارضتهم له لم يكن عن قناعة، بل كان نابعاً من الخوف الذي زرعه في أنفسهم خلال السنين الطويلة التي كان ينشط فيها بدعم من حافظ الأسد، ولذلك انحسر هذا التأييد بعد تخليه عنه إثر اتفاقية أضنة 1998، وطرده من سوريا في نهاية 2002، حتى وصل الأمر إلى ذروته في السنوات السابقة للثورة، ففرّ كثير من المقاتلين السوريين من معسكرات الحزب في شمال العراق، وأحجمت الأغلبية عن دفع الخوّة التي يٌطلق عليها بالكردية (آليكارية)، وهي مصطلح يرمز إلى المساعدات السنوية التي على المزارعين والتجار وحتى الأطباء الأكراد دفعها للحزب بشكلٍ إجباري ليس لهم فيه خيار.

ودفعه افتقاره إلى التأييد الكردي إلى ملاحقة منافسيه من الشخصيات والأحزاب الكردية ونفيهم خارج الحدود، كي لا يشكلوا أي خطرٍ عليه، حتى باتت قيادات المجلس الوطني الكردي إما منفيةً أو حبيسة سجونه.

ثم إن هياكله القيادية على الأرض تشير إلى فقدان التمثيل الكردي السوري في المواقع العسكرية، إذ لا يكاد يذكر اسم كادر سوري له أهمية في التنظيم الذي يقوده كرد تركيا بشكلٍ أساسي، إضافة إلى نسبة صغيرة من إيران، وأخرى أقل من العراق.

وعليه فإن قسد لا تمثل السوريين، وهي محض غطاءٍ صنعه الأمريكان لتمويل وحدات حزب العمال الكردستاني التي أبدت استعدادها للعمل وفق التوجهات والأهداف الأمريكية من دون مناقشة، وتشير معاملتها لحلفائها قبل خصومها إلى أنها ميليشيا سلطوية دكتاتورية لا تمت إلى الديمقراطية بصلة، وهو ما تؤكده وقائع التاريخ المتعلق بحزب العمال الكردستاني منذ نشأته.

بين النصّ والتطبيق (قسد عندما تمتلك القوة)

لا يمكننا الحديث عن أي هوية ل(قسد) بمعزل عن حزب العمال الكردستاني، فهي ليست أكثر من أداةٍ يستخدمها الحزب للسيطرة على الحواضنِ الشعبية وضربها انطلاقاً من قول زعيمه (إذا لم تستطع التغلب عليه فتشبه به واهزمه)، ولا ينكر حزب الاتحاد الديمقراطي PYD وقوات الحماية الشعبية YPG التي تشكل عمادَ (قسد) ارتباطهما به، غير أنهما يحصران هذا الارتباط بالجانب الفكري المتعلق بنظرية الأمة الديمقراطية التي نظّر لها أوجلان من سجنه بعد سنواتٍ من اعتقاله، واعتبرها المرحلة الثالثة من حياة PKK، وأعلن فيها تخليه عن هدفه في بناء الدولة القومية إثر فشل حزبه في تأسيس كردستان موحدة.

وتتلخص نظرية الأمة الديمقراطية ببناء مجتمع ديمقراطي سياسيٍ حرّ قادر على تحديد مصالحه الحياتية، يدير فيه الكرد أنفسهم بأنفسهم، بعيداً عن الأهداف السلطوية والدولتية، ومن دون تدخلٍ من الدول القومية القائمة حتى مع عدم تحولها إلى النموذج الفدرالي، الذي يرى أن الهيمنة الرأسمالية العالمية هي التي فرضته في شمال العراق.

وأن على PKK بناء المجتمع الكردي بوصفه أمة ديمقراطية في سياق مواجهة الحداثة الرأسمالية بعيداً عن المال والأملاك والزيجة والاهتمام بالسلطة والمناصب، من دون أن يستبعد استخدام القوة لفرض نموذجه الجديد في حال تعرض مشروعه للمقاومة من الدولة، إذ يجب أن يصل في النهاية إلى بناء الاشتراكية التي تعتبر الأمة الديمقراطية خطوةً تمهيديةً لها.

وفي قراءة سريعة للنظرية الجديدة يمكن القول إنها التفافٌ فرضته الأوضاع الصعبة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً التي وصل إليها حزبه بعد اعتقاله، إذ تعرض إلى انشقاقات متتالية، بعد الحصار الذي فُرض عليه إثر طرده من سوريا، ومن ثم لم تكنْ أكثر من خطوةٍ تكتيكية لجأ إليها لتبرير تراجع حضوره في الساحة الكردية بعد إفلاس مشروعه السياسي وابتعاد الكرد عنه.

وعلى أرض الواقع فقد لجأ الحزب إلى نشر كتاب أوجلان المعنون بـ(منفستو الحضارة الديمقراطية) في أوساط البقية الباقية من مؤيديه، مرفقاً بنشراتٍ توضح هيكلية الأمة الديمقراطية المنشودة التي تلخصت آنذاك في تنظيم المجتمع ضمن لجان للأحياء والمدن والبلدات والمحافظات، وجمعياتٍ للأطباء والمحامين والفلاحين والتجار، ومؤسسات لعائلات الشهداء والمصالحات الاجتماعية وغيرها، لم يعِرْها المجتمعُ الكردي أيّ اهتمام، واقتصرت عضويتها على مجموعاتٍ صغيرة من كبار السن والأميين والبسطاء من مؤيديه السابقين في المجتمع.

وعلى الرغم من أجواء الحرية التي سادت الشارع الكردي مع انطلاق الثورة السورية، نتيجة تخفيف القبضة الأمنية لاتخاذ النظام قراراً بعدم مواجهتها، فإن شعبية PKK لم تزدد، وظلّت مظاهراته مجهريةً مقارنة بالتظاهرات التي كان ينظمها المستقلون أو الأحزابُ الكردية.

وأمام هذا التجاهل اتّخذ الحزب قراراً باستعراض قوّته العسكرية، فكانت أولى تظاهراته المسلحة مساء الثلاثاء 8/11/ 2011 في مدينة عامودا، وتزامنت مع دعوته لانتخاب لجانٍ للأحياء وتشكيل هيئته السياسية التي أطلق عليها (مجلس شعب غرب كردستان) ردّاً على تشكيل المجلس الوطني الكردي في 26 تشرين أول من العام نفسه.

وعلى الرغم من اتفاق الحزب مع نظام الأسد، وتسلمه لاحقاً المواقع الأمنية منه في المدن الواقعة على الشريط الحدودي في الحسكة وعين العرب وعفرين، إلا أن الشارع الكردي تعامل معه بسلبيةٍ كبيرة، فما كان من الحزب إلا أن بدأ باستخدام السلاح في مواجهة الأكراد الرافضين لمشروعه، فكانت مجزرة عامودا في حزيران 2013، وأتبعت بحملات اعتقالات ونفي لقيادات المجلس الوطني الكردي والأحزاب التي لم تجاريه في مشروعه، وهكذا فإن PKK لم يستخدم السلاح في مواجهة الدولة القومية المتمثلة بنظام الأسد كما تتطلب نظرية أوجلان، وإنما استخدمه في مواجهة الشعب الكردي الذي من المفترض أن يكون العنصر الأساس في بناء مشروعه الأممي الديمقراطي، كما استخدمه لاحقاً في مواجهة فئات الشعب السوري كلها التي لم تؤمن بنظريته، وأجبرها على الانخراط في مشروعه ضارباً عرض الحائط بأول أسس نظريته المزعومة التي تفترض بناء الإنسان الحرّ الديمقراطي ركيزة أولية في بناء المجتمع الديمقراطي الذي يطمح إليه.

وعلى الرغم من تأكيد أوجلان وحزبه أن هدفهم هو بناء أمةٍ ديمقراطيةٍ في كامل الشرق الأوسط، وأنهم يقفون بالضدّ من بناء الدولة القومية التي أنتجتها الرأسمالية لخدمة مصالحها، إلا أنهم مع أول فرصةٍ سانحةٍ أعلنوا فيدراليتهم في شمال سوريا، ومن قبلها إداراتهم الديمقراطية، ونصّبوا حكاماً وحكوماتٍ ووزراء ومعاونين، في هيكليةٍ لا تختلف البتّة عن أي دولةٍ قومية معاصرة.

وعلى الرغم من أن نظريتهم ركزت أساساً على دمقرطة الكرد بوصفهم أقلية مظلومة، يحق لها أن تدير شؤونها بنفسها في أماكن وجودها، إلا أنهم اكتسحوا بقوّتهم العسكرية التَجمعات السكانية كلها للقوميات الأخرى عربية وتركمانية، وفرضوا أيديولوجيتهم الجديدة عليها، في تجاوزٍ واضح للحدود التي رسمها زعيمهم في نظريته عن الأمة التي يطمحون إليها، وهو ما يُفَسّر بنظرية الاقتدار التي يتحدث عنها أوجلان وتقابل مصطلح التّمكين الذي تتبناه الجماعات الإسلامية بما فيها داعش.

ولم يكتفوا بذلك، بل حتى بعد تشكيل (قسد) استمرت انتهاكاتها بعنوان جديد، من القتل إلى الاعتقال، وخطف الصحافيين، والموت تحت التعذيب، إلى التهجير[4]، وتدمير المدن بحجة قتال داعش، وإعطاء إحداثياتٍ مضللة لطائرات التحالف كانت نتيجتها تدمير الأبنية السكنية على رؤوس أصحابها من المدنيين المسالمين[5]، وإسكان النازحين في مخيماتٍ أقرب إلى معسكرات الاعتقال النازي.

مجلس سوريا الديمقراطي هل هو ردة فعل على مؤتمر الرياض؟

بعد أقلّ من شهرين على تشكيل قوات سوريا الديمقراطية، وبالتزامن مع مؤتمر الرياض1 عَقد حزب الاتحاد الديمقراطي PYD مؤتمراً في مدينة المالكية حضرته بعض التنظيمات السياسية الصغيرة إضافة إلى شخصياتٍ اجتماعية مستقلة، أعلن فيه تشكيل مجلس سوريا الديمقراطي م س د، وانتُخب المعارض السوري المعروف هيثم منّاع رئيساً له، واعتُبر المجلس ممثلاً سياسياً لقوات سوريا الديمقراطية.

وقد نجح PYD بالتسويق للمؤتمر على أنه موازٍ لمؤتمر الرياض1 ومن ثم فإن المعارضة غيرُ موحدة، إلا أنه فشل في الحصول على الإقرار باعترافٍ دستوري بالشعب الكردي، كثاني أكبر قومية في البلاد، وحلّ قضيته حلّاً عادلاً وفقاً للمواثيق والعهود الدّوليّة، وحلّت محلّها عبارة ((الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي، والشعب الأشوري السرياني الكلداني الآرامي، والشعب التركماني، والشعب الشركسي))، وهو ما يُعتبر في مستوىً متدنٍ قياساً بما تضمنه الاتفاق الموقع بين المجلس الوطني الكردي والائتلاف الوطني، ولم يستطع كسب الاعتراف بسوريا دولةً فدرالية، ولا اتّحادية، وإنّما أقرّ بها دولة برلمانية تعدّدية، وهو ما يطالب به الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق، وأحزاب المعارضة السورية كلها، وفُسِّرت كلمة (لامركزية) التي وردت في وثائقه على أنها مشابهة للإدارة المحلية المعمول بها من النظام السوري حالياً، ولم يستطع أيضاً الحصول على اعترافٍ بإدارته الذاتية، إذ لم يجرِ التّطرّق إليها نهائياً.

وحاول المجلس ممثلاً برئيسه هيثم مناع المشاركة في مفاوضات جنيف3 إلا أنه فشل في ذلك، ما دفع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD إلى الإعلان عما سمّاه فدرالية شمال سوريا – روج آفا في 17 آذار 2016، الأمر الذي أدى إلى انسحاب تيار قمح ورئيسه هيثم مناع من مجلس سوريا الديمقراطي، وبذلك انتهت آمال PYD في تحويل المجلس إلى ندٍّ للائتلاف الوطني أو مؤتمر الرياض.

وفي 25 شباط 2017 عقد مجلس سوريا الديمقراطي مؤتمره الثاني انتخبت إلهام أحمد ورياض درار رئيسين مشتركين للمجلس الذي دخل في سُباتٍ لم يفق منه حتى الآن.

التعامل مع الروس والأمريكان

تزخر كتابات أوجلان بالحديث عن العداء الغربي المتمثل بالرأسمالية التي تقودها الولايات المتحدة وبريطانية ولاحقاً إسرائيل تجاه الأكراد منذ انهيار الدولة العثمانية، إذ كانوا يدفعون الأمور نحو الهاوية دوماً[6]، في سبيل تجذير الصراع التركي – الكردي، وخلق ثنائية على غرار إسرائيل – الفلسطينيين في سبيل خدمة الهيمنة الغربية على الشرق الأوسط قرناً آخر من الزمن.

ويخلص من دراساته إلى أن المؤامرة تحاك على الطرفين كليهما؛ التركي والكردي في سبيل إنهاكهما واستثمارهما في خدمة الرأسمالية، من دون أن يكون لها أي هدف في الحدّ من الإرهاب أو مكافحته.

ولا يقف أوجلان عند هذا الحدّ، بل يؤكد أن اعتقاله كان بإشراف مباشر من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون[7] الذي كان يخصّ حملة الهيمنة على الشرق الأوسط بأهمية بالغة، ويشدد دوماً على دور تركيا المحوري فيها[8]، مشيراً إلى حرب عالمية ثالثة مركزها العراق الذي لن تنحصر فيه بل سوف تتعداه إلى دولٍ أخرى ويقدر عمرها بعشر سنوات على الأقل، وأن اعتقاله يأتي في سياق الترتيب للحملة.

أما روسيا فيتهمها أوجلان بأنها باعته مقابل مشروع التيار الأزرق وقرضٍ من صندوق النقد الدولي مقداره عشر مليارات من الدولارات[9].

ولكن بعكس ذلك فقد عمل حزب العمال الكردستاني جاهداً وفي كل مناسبةٍ عبر ماكينته الإعلامية الضخمة المنتشرة في أوروبا، على كسب الودّ الغربي عبر تقديم نفسه حركة علمانية، ووصمِ فصائل المعارضة السورية كلها بالإرهاب بما فيها الجيش الحرّ، وطالما ردّد صالح مسلم في لقاءاته مع الممثلين والصحافة الأوروبية أنّ ((الجهاديون والسلفيون يقولون بأنهم يريدون الزحف حتى فيينا، يريدون استكمال ما لم تستطع الجيوش الإسلامية عام 1683 م فعله عندما توقفت عند أبواب فيينا)).

ومن هنا كان استقطابه لمقاتلين أوروبيين في صفوفه حتى ولو كان ذلك بصفةٍ رمزية، وأبدى استعداده للعمل مع أي جهة في سبيل مكافحة الإرهاب الذي يقصد به فصائل الثورة السورية كلها بلا استثناء.

وفي ندوة عقدت في آذار 2015 في مقر البرلمان البريطاني طالب صالح مسلم بدعم قواته التي تدافع عن أوروبا وأمريكا في وجه الإرهابيين.

وفي تصريح لقناة (IMC TV) التركية في 18/7/2015 كشف القيادي في منظومة المجتمع الكردستاني مراد قريلان أن الولايات المتحدة دعمت فتح طريق بين كوباني/ عين العرب والجزيرة وستدعم ربطها بعفرين أيضاً.

وبعد ساعات من إعلان الروس تدخلهم العسكري إلى جانب النظام رحب صالح مسلم في لقاء مع المونيتور الفرنسية في 1/10/2015 بالغارات الروسية على مواقع لتنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية في سوريا.

وطالب قائد وحدات حماية الشعب YPG سيبان حمو روسيا بتقديم السلاح لوحداته والتنسيق معها، وذلك في لقاء مع موقع (سبوتنيك) باللغة التركية التابع لوكالة الأنباء الروسية الرسمية، ودعا الروس إلى قصف مواقع جبهة النصرة أيضاً.

وبالتزامن مع إعلان تحالف قوات سوريا الديمقراطية التقى صالح مسلم بمساعد وزير الخارجية الروسي بغدانوف في باريس في 10/10/2015 حيث عرضت روسيا تشكيل قوات مشتركة مع النظام تجري تغطيتها جواً من الطيران الروسي، وافتتحت لاحقاً ممثلية للحزب في موسكو.

وفور تدخلهم العسكري في سوريا توجه الروس إلى مدينة القامشلي واتخذوا مقرّاً لهم في مطارها، وباتت قيادات العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب YPG ضيوفاً دائمين عليهم، ينسقون معهم ويتلقون الدعم منهم.

غير أن هذا الإغراء كله لم يفلح في سحب هذه القوات من الحضن الأمريكي خصوصاً بعد أن جرى الإعلان عن قوات سوريا الديمقراطية.

وبعد بضعة أشهر غادر الروس مطار القامشلي، مكتفين بتابعية قوات سوريا الديمقراطية الموجودة في عفرين لهم، وبذلك انقسمت هذه القوات إلى قسمين، الأول في عفرين يعمل بقيادة الرّوس، والثاني من عين العرب وحتى الجزيرة يعمل بقيادة الأمريكان.

وفي القسم الغربي خاضت قوات سوريا الديمقراطية وبدعمٍ جويٍ روسي معارك ضد الجيش الحر في ريف حلب الشمالي وسيطرت على قرى عدة ما تزال إحدى عشرة قرية منها تحت سيطرتها أبرزها تل رفعت في ريف اعزاز شمالي حلب، وشاركت في نهاية عام 2016 في حصار حلب الذي أدى إلى سقوطها في يد النظام.

وعلى الجانب الآخر عملت قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأمريكان في قتال تنظيم داعش حتى انحساره من الرقة ودير الزور، ورفضت مشاركة الجيش الحر ممثلاً بمغاوير الثورة لها في تلك المعارك.

ولما كان على التاريخ أن يعيد نفسه في كثير من الأحيان، فقد خانت روسيا كعادتها الأكراد، وباتت ممثليتهم في موسكو طيّ النسيان، ولم تدعمهم للمشاركة في مفاوضات جنيف، ما دفع صالح مسلم إلى اتهامها بالخيانة، واتهمها مرة أخرى بالخيانة أيضاً حين سمحت لتركيا والجيش الحر بمحاصرة عفرين وتحريرها منهم[10].

وبات موقع الحزب حالياً على شبكة الإنترنت لا يكاد يخلو يومياً من مقال أو تصريحٍ يحذر من التفرّد الرّوسي بإنجاز الحل السياسي في سوريا، معتبراً ذلك تجاوزاً للقرارات الدولية ومفاوضات جنيف.

وعلى الرغم من استمرار الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية، إلا أن هذه القوات لا تخفي خشيتها من تخلي الأمريكان عنها، وهو السؤال الذي تعرض له كثيراً كبير محللي الشؤون السورية في مجموعة الأزمات الدولية نوح بونسي الذي زار المنطقة بعد أسابيع من قيام الطائرات التركية بقصف مواقع وحدات حماية الشعب YPG في المالكية في نيسان 2017، الأمر الذي دفعه إلى وضعه عنواناً لبحثه آنذاك الذي خلص منه إلى أنّ وحدات حماية الشعب (تدخل مرحلة جيوسياسية متفجرة، حيث يحيط بها الخصوم والأعداء، من دون أن يكون لديها ضمانات من شركائها الأميركيين)[11]، وأنهم في مجموعة الأزمات طالما نصحوهم بأن علاقتهم بالولايات المتحدة ليست بديلاً من تخفيف التصعيد في الصراع مع تركيا، إذ تبحث المجموعة في ألا يكون التقدم الذي تحرزه هذه القوات محض تمهيد لاندلاع صراع جديد مهلك من الصراعات التي ميزت الحرب السورية.

وربما تكون اللقاءات الأمريكية التركية الأخيرة بشأن منبج دليلاً آخر على أنه لا ضمانات أمريكية لقوات سوريا الديمقراطية، إذ يجري التوافق على خطةٍ زمنية لإخراج قوات سوريا الديمقراطية من غرب الفرات.

علاوة على ذلك فإنه لا ضمانات أمريكية لحماية هذه القوات شرق الفرات أيضاً، إذ لا بدّ من أن يستعيد النظام السوري سيطرته الكاملة على المنطقة، وربما تكون هذه الهواجس هي ما دفع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD إلى المبادرة من أجل تصحيح العلاقة مع المجلس الوطني الكردي أو أطراف فيه، بعد ثلاث سنوات من اتفاقات أربيل التي لم يلتزم بها الحزب لأنه كان في موقع القوة.

العدد والتمويل

تختلف التقديرات بشأن الأعداد الحقيقية لمقاتلي قوات سوريا الديمقراطية، إذ تراوح التقديرات بشأنها ما بين خمسة عشر إلى أربعين ألفاً، غير أنه لا يمكن الركون إلى هذه التقديرات كونها غير رسمية ولا أدلة ميدانية تؤكد صحتها.

وبالعودة إلى تقديرات أمنية سرّية[12] لأعداد مقاتلي حزب العمال الكردستاني تبين أن أعلى عدد وصلت إليه هذه القوات كان 13000 مقاتل تناقص عددهم إلى 5000 مقاتلٍ في السنين القليلة التي سبقت الثورة السورية.

وإذا ما استثنينا كبار السن والمعوقين الذين باتوا غير قادرين على حمل السلاح فيمكن أن تقدر النواة الصلبة المقاتلة لهذه القوات بحدود عشرة آلاف مقاتل ينقسمون إلى طوابير (ألوية) وكتائب، في حين تقوم النسبة الباقية بمهماتٍ لوجستية داعمة ومهمات أخرى على الحواجز، ويقدر حجم الطابور بخمسمئة مقاتل.

أما بالنسبة إلى أعداد العرب المنتسبين إلى هذه القوات فهي لا تتعدى في تقديرنا ألف مقاتل باستثناء مقاتلي المجلس العسكري في دير الزور الذي يتمتع حالياً بأريحية أكبر في ضمّ العرب إلى صفوفه لأنه يرابط على خط المواجهة مع تنظيم داعش.

أما بالنسبة إلى قتال داعش فيعتمد بالدرجة الأولى على العمليات الجوية التي ينفذها طيران التحالف، وتعتبر مدينة الرقة شاهداً حياً على الخراب الذي تسبب به الطيران لتعويض النقص القتالي الميداني للوحدات العسكرية في قوات سوريا الديمقراطية.

وبالنسبة إلى التمويل فقد دُعمت قوات سوريا الديمقراطية بداية من مبلغ الـ500 مليون دولار أمريكي التي كانت مخصصة لتدريب قوات الجيش الحرّ قبل أن يوقف البرنامج، إضافة إلى مساعداتٍ أخرى سرية تتسلمها هذه القوات من دولٍ إقليمية لا تكشف عنها، علاوة على ما تجري جبايته من عائدات الضرائب والتبرعات الموسمية، إضافة إلى الدعم المقدم من النظام السوري.

اما بالنسبة إلى عائدات النفط فإنه على الحزب أن يرسل منها يومياً مقدار 300 ألف دولار أمريكي إلى قيادته في قنديل، وما يفيض عن ذلك يستخدم في دعم منظمات الحزب في سوريا.

هل ستنتهي قسد؟

يبدو أن مهمة قوات سوريا الديمقراطية قد شارفت على الانتهاء، فداعش يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقد بدأت مظاهر الضجر والاحتجاج تنتشر بين المدنيين والعسكريين وقد تكون الرقة ولواء ثوار الرقة أولها[13]، وتبدو الخطة التركية الأمريكية بشأن منبج خطوة أولية سوف يؤدي نجاحها إلى تكرارها في مناطق أخرى، إضافة إلى أن النظام بدأ بترتيب أوراقه في محافظة الحسكة عبر العشائر العربية لاستعادة السيطرة عليها، ولن يكون بمقدور الأمريكان حماية حلفائهم في مواجهة النظام بعد أن انتفت الحجة والذريعة.


المصادر

[1] – الأناضول – لقاء مع طلال سلو بعد انشقاقه عن قسد https://goo.gl/6jVRHX

[2] – لقاء مع عبد الكريم العبيد الملقب أبو محمد كفرزيتا على قناة الجزيرة.

[3] وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر يعترف بعلاقة حزب الاتحاد الديمقراطي بحزب العمال الكردستاني

https://www.youtube.com/watch?v=si1wYrlyBDo

[4] – شهادة عبد الكريم العبيد على قناة الجزيرة.

[5] – التحالف يعترف بمجزرة (منبج) ويؤكد: (قسد هي من أعطتنا الإحداثيات). https://goo.gl/QtgBqu

[6] – منفستو الحضارة الديمقراطية ص412

[7] المرجع السابق ص407

[8] – المرجع السابق ص407

[9] – ص 401

[10] – رأي اليوم 22/3/2018 https://goo.gl/3Y9Y8T

[11] – (هل يتخلى الأمريكيون عنا؟)  نوح بونسي – مجموعة الأزمات الدولية آب 2017

[12] – اطلع عليها الباحث بحكم عمله السابق.

[13] – وقعت اشتباكات بين لواء ثوار الرقة وقوات سوريا الديمقراطية في آخر أيار الماضي، كما شهدت بعض أحياء مدينة الرقة احتجاجات شعبية تطالب بخروج قوات الحماية الشعبية YPG.


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.