كهرباء العراق.. أزمة متجددة تنبئ بموسم احتجاجي جديد

تعود قضية قضية انقطاع الكهرباء في العراق إلى الواجهة خاصة في فصل الصيف، إذ شهدت مناطق متفرقة من البلاد خلال اليومين الأخيرين احتجاجات غاضبة للمطالبة بتوفير التيار الكهربائي للمنازل، ما أوقع قتيلا وعددا كبير من الجرحى في موسم احتجاجي جديد.

وبينما تطالب شخصيات برلمانية الحكومة بتحمل مسؤوليتها وتقديم حلول واقعية دون تسويف للمشكلة، يرى آخرون أن أزمة الكهرباء في العراق لا تخرج عن دائرة الصراع بين القوى السياسية العراقية، ولن يتم حلها على ما يبدو في الأمد المنظور، على الرغم من مليارات الدولارات، التي صُرفت عليها طوال الأعوام السبعة عشر الماضية.

عجز الكهرباء في العراق

بحسب مصادر حكومية، يعاني العراق من عجز يصل إلى نحو 10 آلاف ميغاواط، فضلاً عن خروج عدد من المحطات عن الخدمة، لعدم توفر الوقود اللازم، بعد توقّف طهران عن إمداد بغداد بالوقود، بسبب وجود مديونيات مستحقة لإيران لدى السلطات العراقية.

وتقول مصادر محلية أن ساعات التجهيز انخفضت في عموم أحياء العاصمة بغداد إلى 4 ساعات فقط في اليوم الواحد، فيما تشهد مدن عراقية أخرى انقطاعا شبه تام للتيار الكهربائي، ما دفع الحكومات المحلية للمطالبة بزيادة حصتها من الكهرباء خوفا من تمدد الاحتجاجات الى مناطقها.

موسم احتجاجات جديد

ليلة الجمعة ـ السبت، انطلقت احتجاجات غاضبة في ناحية الوحدة ببغداد بسبب تردي واقع تجهيز الكهرباء، وتطورت إلى صدامات بين المحتجين والقوات الأمنية الأمر الذي أدّى إلى سقوط قتيل و9 جرحى، بالتزامن مع ارتفاع الحرارة التي تجاوزت 40 درجة مئوية، كما شهدت أحياء من محافظة واسط تظاهرات أدت إلى إصابة نحو 10 متظاهرين جرّاء تدخل قوات الأمن لفضّها بالقوة، وفتح النار على المحتجين، الأمر الذي قد يمثل مؤشراً على بداية لاندلاع تظاهرات جديدة.

بالتزامن مع ذلك، طالبت الحكومة المحلية في محافظة الديوانية جنوبي العراق بزيادة حصتها من الطاقة الكهربائية، في محاولة تهدف إلى الحيلولة دون تمدّد التذمر الشعبي إلى المحافظة، وقال المحافظ “زهير الشعلان”، في تصريح صحافي: “يُفترض أن يصل إلى الديوانية 1200 ميغاوات من الطاقة الكهربائية وفق الحصة المقرّرة لها، إلا أنّ ما يردها من الطاقة حالياً، لا يتجاوز 400 ميغاواط”، لافتاً إلى قرب إجراء لقاء مع وزير الكهرباء لمناقشة واقع التيار وإمكانية زيادة حصة المحافظة من الطاقة.

من جانبه، دعا محافظ واسط، “محمد جميل المياحي”، رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي”، إلى الإشراف الشخصي على ملف الكهرباء، موضحاً في بيان أنّ ذلك يمكن أن يسهم في تلافي المشاكل المتكرّرة مع حلول كلّ صيف، التي تؤدي إلى عدم استقرار المحافظات.

وشدّد على ضرورة وجود توزيع عادل للطاقة الكهربائية بين المحافظات، لافتاً إلى وجود تمييز واستثناءات في حصص المحافظات على حساب محافظات أخرى، وهذا سيؤدي إلى مشاكل كبيرة، على حدّ قوله.

تجاوزات حكومية وأهلية واعتداءات إرهابية

ترجع وزارة الكهرباء العراقية سبب قلة ساعات إمداد الكهرباء إلى مجموعة أسباب، من بينها التجاوزات الحكومية على الطاقة الكهربائية، أي تجاوزات الوزرات والدوائر الحكومية ومكاتب الأحزاب السياسية، وكذلك التجاوزات الأهلية، من خلال قيام سكان الأحياء العشوائية بسرقة التيار الكهربائي.

ويكشف “أمجد العقابي”، عضو لجنة النفط والطاقة النيابية، أن أغلب مؤسسات الدولة العراقية لا تدفع ما عليها من أجور وديون لصالح وزارة الكهرباء العراقية، مشيرا إلى أن المؤسسات والدوائر الحكومية العراقية، ومكاتب الأحزاب السياسية المتنفّذة، تمتنع عن تسديد ثمن الكميات الهائلة من التيار الكهربائي التي تستهلكها، وأمانة العاصمة بغداد من بين الدوائر الممتنعة عن تسديد فواتيرها وديونها لوزارة الكهرباء العراقية، وفي ذمتها ثمانية وثمانين مليار دينار.

في السياق يعزو الناطق باسم وزارة الكهرباء العراقية، “أحمد العبادي” أسباب أزمة الكهرباء إلى عوارض فنية واعتداءات وصفها بـ”الإرهابية”، حالت دون استقرارها.

“أحمد العبادي”، قال في تصريحات صحفية، إن خطين أحدهما في شرق بغداد والآخر غربها تعرضا، في اليومين الماضيين، لعوارض فنية أدت إلى محدودية التجهيز في بعض المناطق، لحقها قيام عناصر إرهابية بعمل تخريبي طاول خط سد الموصل – القيّارة مما أثّر بشكل كبير في وضع المنظومة الكهربائية في محافظات عديدة ومن بينها العاصمة.

أما حول التفاوت في ساعات التجهيز بين منطقة وأخرى، فقد أرجع “العبادي” ذلك لكثرة التجاوزات على شبكات التوزيع والمناطق العشوائية التي تتسبب بضياع كبير في الطاقة، مؤكداً أن “الوزارة ستدخل عدداً من الوحدات التوليدية الجديدة تصل طاقتها إلى 4 آلاف ميجاوات مطلع حزيران المقبل.

الباحث بالشأن الخدمي “عمران الخلف” يرى أن واقع الكهرباء في العراق، سيبقى على ما هو عليه وجميع الوعود التي أطلقتها الحكومة ستذهب كسابقاتها في مهب الريح، لأن مشكلة الكهرباء أصبحت من العقد التي لم يعد لها حلول واقعية، وبحسب “الخلف” فإن واقع الكهرباء في العراق لن يتحسن لعدة أسباب من بينها عدم محاسبة من سرقوا ونهبوا وقصروا في عملهم بالسنوات السابقة في قضايا التعاقدات والمتابعة لمراحل العمل خصوصا ان العديد من المدراء العامون في هذه الوزارة بالفترات السابقة كانوا سببا مباشرا في تدهور الواقع الكهربائي ، مشددا على “أهمية فتح جميع الملفات السابقة وإن كانت ترتبط بمدراء عامون ذهبوا الى التقاعد ويجب أن يحاسبوا لأنهم السبب في نهاية الكهرباء في البلد.

بالإضافة الى ذلك يشير “الخلف”، إلى دور اللاعب الدولي في ملف الكهرباء ومحاولات افشاله في العراق، مستشهدا بمحاولات حكومة “عادل عبد المهدي” لإصلاح الواقع الكهربائي لكن الولايات المتحدة وقفت بوجه تلك المحاولات من خلال عرقلة التعاقدات مع شركة سيمنز والإبقاء على الشركات التي استنزفت قدرات العراق.

صرف أكثر من 60 مليار دولار

بحسب تقرير للجنة البرلمانية التي ترأسها “حسن الكعبي” نائب رئيس مجلس البرلمان، فأن “العراق قد صرف قرابة 60 مليار دولار خلال السبعة عشر عاماً الماضية ويعتبر هذا المبلغ قياسياً وهناك دول صرفت اقل من ربع هذا المبلغ وتمكنت من تأمين طاقة كهربائية تتجاوز ثلاثين الف ميغاواط ومنها على سبيل المثل، مصر والمغرب”.

النائبة عن تحالف الفتح “منى الغرابي”، ترى أن المبالغ التي تم تخصيصها طيلة السنوات السابقة الى قطاع الكهرباء لو تم استثمارها في مشاريع أخرى كان العراق اليوم ينافس دول العالم المتقدم في البنى التحتية والخدمات الاخرى، مشيرة الى ان الفساد في هذا الملف ازكم الأنوف وبحاجة الى معالجة جذرية يتم من خلالها استئصال جذور الفساد في تلك الوزارة.

وبحسب “الغرابي” فإن مشكلة الكهرباء لم ولن تحل حتى لو خصصت لها عشر موازنات تعادل موازنة العراق كاملة، طالما كانت هنالك مافيات فساد ومحاصصة وأجندات مشبوهة تتحكم في هذا القطاع المهم وتسعى بكل قوة للسيطرة عليه واستخدامه كورقة ضغط يتم استخدامها وقت الازمات من بعض الجهات”، لافتة الى أن العراق أسير استيراد الكهرباء من دول الجوار نتيجة السياسات الفاشلة في عمل الوزارة التي خصصت لها مليارات الدولارات طيلة السنوات السابقة.

الدور الإيراني

تلعب إيران دوراً كبيراً في ملف الكهرباء في العراق، وتستخدمه للضغط على الحكومات العراقية، كما تحرص الأحزاب الموالية لطهران على إفشال أي محاولة عراقية لتحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج الكهرباء، حسبما يؤكد الصحفي “عبدالله السامرائي” الذي يشير الى قيام الأحزاب الموالية لطهران في العراق بعرقلة مشروع الربط الخليجي العراقي في مجال الكهرباء.

ويضيف “السامرائي”، أن الطاقة العراقية تعتمد بشكل رئيسي وأساسي على الغاز الإيراني، مع أن الغاز العراقي أرخص بكثير، لو قررت الحكومة العراقية استثماره، إلا أن الأحزاب الموالية لطهران ترفض أي عمل يهدف إلى الاستثمار في هذا المجال.

كما يؤكد أن أزمة الكهرباء باتت مصدراً لثراء قوى وشخصيات سياسية كبيرة، وتدّر عليها ملايين الدولارات سنوياً، ولولا هذا لكان ممكناً حلّها منذ سنوات، فالعراق أنفق أموالاً كافية لبناء محطات، تؤمّن الكهرباء له ودول الجوار.

ويسعى العراق لإعادة الاستئناف الكامل للغاز الإيراني، من أجل تشغيل محطات الكهرباء بكامل طاقتها، الذي يُقدّر بنحو 50 مليون متر قدم مكعبة يوميًّا، وتقلصت الكمية في نهاية العام الماضي إلى 5 ملايين فقط، قبل أن تُجرى عمليات تفاوض بين البلدين لإعادة الضخ مرة أخرى الذي وصل مؤخرًا إلى نحو 22 مليون متر قدم مكعب حسبما كشفت مصادر مطلعة في وقت سابق.

وبحسب تقديرات حكومية، يزداد حجم الطلب على الكهرباء بنسبة 5 في المئة سنوياً، نظراً إلى ارتفاع عدد السكان، والذي سيؤدي بدوره الى زيادة الحاجة لإنتاج الطاقة سواء عن طريق المحطات التي تعمل بالغاز الطبيعي.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.