كوارث بيئية في العراق.. حرب المياه تدق طبولها

يعاني العراق من أزمة مياه حادة تهدد بكوارث بيئية وتداعيات تهدد حياة ملايين السكان في معظم أنحاء البلاد، نتيجة تراجع في منسوب المياه عبر نهري دجلة والفرات جراء السياسات المائية التي تعتمدها تركيا وإيران بتخفيض نسب الإطلاق وتغير مسارات الروافد وإقامة السدود العملاقة.

العراق يعتمد في تأمين المياه بشكل أساسي على نهري دجلة والفرات الممتدان من أقصى الشمال والشمال الغربي إلى أقصى الجنوب حيث يلتقيان عند شط العرب بمحافظة البصرة ويصبان في الخليج.

التجاوزات من قبل دولتي المنبع والروافد أدى إلى تقلص الأراضي الزراعية واتساع دائرة التصحر، فضلاً عن التغييرات البيئة جراء ذلك، فيما توقع مختصون أن يدخل العراق العام 2040 بلا رافدين.

مع اقتراب فصل الصيف، تعالت الأصوات المطالبة بتشكيل مجلس أعلى للمياه للتصدي لمعالجة هذا “الملف الحساس والشائك”، حاثة القوى السياسية التي لديها علاقات مع طهران وأنقرة للتحرّك باتجاههما درءا للكارثة الوشيكة.

حرب مزدوجة تهدد وجود العراق

كشف تقرير صادر عن الأمم المتحدة يؤكد فقدان العراق لـ 100 ألف دونم سنويا من أراضيه بسبب التصحر، فيما أشار الرئيس العراقي “برهم صالح”، خلال كلمته بمناسبة يوم البيئة العالمي، والذي صادف يوم أمس السبت، إلى المخاطر الجسيمة التي تواجهها بلاده، بسبب النقص الكبير في منسوب المياه، مؤكدا أن ملف المياه يستوجب حوارا صريحا وبناء بين العراق وتركيا وإيران وسوريا، يستند على مبدأ عدم الإضرار بأي طرف، وتحمل المسؤولية المشتركة.

وقال صالح إن 7 ملايين عراقي تضرروا من الجفاف والنزوح الاضطراري، وأن العراق قد يواجه عجزا يصل إلى 10.8 مليار متر مكعب من المياه سنويا بحلول عام 2035، ومؤكدا أن 54 بالمئة من أرض العراق معرّضة لخطر فقدانها زراعيا بسبب التملح، بينما يؤثر التصحر على 39 بالمئة من مساحة البلاد.

الخبير الاستراتيجي “مهند الحمدان”، أكد أن استمرار إيران وتركيا ببناء السدود على نهري دجلة والفرات يهدد وجود العراق، مشددا على أن العدوان على العراق من خلال حرب المياه يحتاج إلى ردة فعل حكومية جادة تتناسب مع مستوى المخاطر خاصة أنها تتساوى مع العدوان العسكري على العراق.

ولا يستبعد “الحمدان” نشوب حرب عسكرية على إثر التجاوزات التركية الإيرانية، مشددا على ضرورة اتخاذ الحكومة العراقية ردة فعل ترتقي لمستوى الأزمة والمخاطر التي يمثلها الفقر المائي على البلاد، فمجلس الامن والمجتمع الدولي لن يتحركا مالم يبدأ التحرك العراقي عبر وزارة الخارجية.

يشار إلى أن الجهود الدبلوماسية التي بذلت من الحكومات المتعاقبة على العراق ما بعد أبريل/نيسان 2003، لم تفلح في التوصل إلى حلول ناجعة تضمن حصص البلاد المائية وتؤمن أنهاره من التراجع.

إفلاس مائي

يقول المتحدث باسم الموارد المائية “عوني ذياب” إن نسبة الضرر الاكبر تقع عند نهر الفرات بواقع يقترب من نصف المنسوب، مؤكدا أن الأزمة في نهر الفرات تأتي من عدم التزام الجانب التركي بالاتفاق الذي يقضي بموجبه ضخ 500 متر مكعب من المياه في الثانية الواحدة، عبر الأراضي السورية العراقية، فيما ما يتدفق الآن لا يتجاوز 200 متر مكعب”.

أما فيما يتعلق بالروافد التي تصب في العراق، يشير “ذياب” إلى أن نهر ديالى أكثر تضررا جراء حرف مسارات تلك المنابع التي تصب فيه من قبل إيران، وقطع امتداداتها في العراق، ما تسبب بانخفاض كبير، وهو ما ستنعكس تداعياته، بحسب “دياب” على تراجع الزراعة من المحاصيل الصيفية هذا الموسم، والاكتفاء بأنواع معينة وتأمين مياه الشرب.

بالإضافة إلى ذلك، يرى “ذياب” أن الحال في الجنوب لا يقل سوءاً عن شرق وشمال العراق، لافتا إلى أن نسب الأملاح في شط العرب ارتفعت نتيجة قطع مصب نهر الكارون، بالإضافة إلى نهر “الكرخا” الذي يغذي هور الهويزة”.

ويوضح أن مناطق الضرر تمتد عبر أكثر من جانب واتجاه، وتضرب بشدة بعضا منها، إذ يبين “ذياب” أن التعامل الإيراني مع الروافد التي تنبع من أراضيها باتجاه العراق تسبب في انخفاض كبير في الخزين المائي.

مطلع العام الجاري، أبدت وزارة الموارد المائية في العراق عن قلقها من تحرك تركي بصدد إنشاء المزيد من السدود على حوض ومصبات نهر دجلة للاستيلاء على مزيد من المياه.

ويقع السد الأول المزمع إنشاؤه عند منطقة شمال ديار بكر ويطلق “سيلبان”، وهو مصمم للاستخدام في المشاريع الأروائية، فيما يقع الآخر وهو سد الجزرة، في منطقة ماردين الواقعة على الحدود السورية العراقية التركية، والذي سيستغل لتنفيذ المشاريع.

وكانت أنقرة بدأت بتدشين أكبر السدود على نهر دجلة في 2018، ما يعرف بـ”إليسو”، بعد عمل استمر نحو 12 عاماً، والذي أثر بشكل كبير على تدفق المياه باتجاه الأراضي العراقية.

مدن خالية من السكان قريبا

تتفاقم مشكلة شح المياه في محافظتي السليمانية وديالى المحاذيتين لإيران، بعد قيام الأخيرة بتحويل مجاري الأنهار عن الأراضي العراقية على غرار ما حدث في نهر الكارون الذي يصب في شط العرب جنوب البلاد.

وزير الموارد المائية “مهدي رشيد”، قال في تصريحات سابقة، “إنها ليست المرة الأولى التي تقوم بها إيران بذلك، وسبق أن قامت بتحويل مجرى نهر الكارون عن شط العرب وتحويله إلى منطقة بهمنشير الإيرانية”.

وأضاف: “لدينا مؤشرات على ذلك، خصوصاً مع انحسار إمدادات سدي دوكان ودربنديخان، لكننا ننتظر إجابات الجانب الإيراني خلال مباحثتنا المقبلة معهم”.

في السياق، يقول خبراء المياه إن “نحو 40 نهراً ورافداً تنبع من الأراضي الإيرانية وتصب في الأراضي العراقية، قامت إيران بتحويل مجاري أكثر من 5 منها عن العراق الذي يواجه منذ سنوات تحديات كبيرة بسبب المياه، خصوصاً في مواسم شح الأمطار.

وحسبما تقول مصادر محلية، فإن محافظات عديدة على غرار ديالى تشهد نقصا حادا في مناسيب المياه، ما تسبب في تعرضها للجفاف ودمار المئات من الأراضي الزراعية، كما أن العديد من مناطقها تعاني من نقص حاد في مياه الشرب، وسط تحذيرات من بوادر هجرة الأهالي من المحافظة صوب محافظات أخرى جراء النقص الكبير في المياه.

وتكابد أغلب مدن ديالى معاناة من هذه الأزمة التي أثرت سلبا على شريان المحافظة المتمثل بالزراعة، خاصة وأن الكثيرين من سكانها يمتهنون العمل في القطاع الزراعي ويعتبرونه مورد رزق لهم.

يشار إلى أن تقريرا صادرا عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة العام الماضي، كان أكد أن مستويات المياه في نهري دجلة والفرات تتناقص “بمعدل غير مسبوق”، مما قد يؤدي إلى تهجير قسري لمجتمعات بأكملها.

كما حذرت مصادر محلية من أن ديالى مقبلة على كارثة مائية محققة، في ظل تلكؤ السلطات عن إيجاد حلول جذرية للتعامل مع الوضع الخطير الذي تمر به المحافظة، والاكتفاء باتخاذ حلول ترقيعية.

عوامل أخرى تسببت بالتصحر

رغم إقراره بالآثار السلبية للدورين التركي والإيراني، على تفاقم الأزمة المائية والتصحر في العراق، إلا أن الخبير الاستراتيجي العراقي، “خالد الجبوري” يرى أن هناك عوامل أخرى لعبت دورا في استفحال الكارثة البيئية المتمثلة بالتصحر، ويقول إن 90 في المئة من مساحة العراق تقع ضمن منطقة المناخ الجاف وشبه الجاف، حيث يقع المناخ الصحراوي الحار والجاف في حدود منطقة السهل الرسوبي والهضبة الصحراوية الغربية، ويمثل هذا المناخ نحو 70 في المئة، من مساحة العراق الكلية.

ويضيف أن ارتفاع درجات الحرارة في الصيف والتي تصل أحيانا إلى أكثر من 50 درجة مئوية، مع ارتفاع نسبة التبخر وكذلك ارتفاع عدد الأيام المشمسة، والتي يصل معدلها السنوي إلى 260 يوما، ضمن العوامل التي تساهم في التصحر، لافتا إلى أن هبوط نسبة تساقط الأمطار، وتفاوت كمياتها بين 5 – 15 سم، تتأثر بنسبة التبخر العالية إذ تقل في أغلب مناطق العراق، ولا يتجاوز معدل الأمطار في الجنوب 40 يوما، وفي الشمال 70 يوما، مع قلة الرطوبة التي تعتبر مهمة جدا في الدورة البيولوجية للتربة ونمو الأعشاب.

كما يرى “الجبوري” ان أحد العوامل أيضا يتمثل في الرياح السائدة في العراق، حيث أن الرياح الشمالية الغربية الجافة والحارة تعمل على نشر الغبار المحلي، ويرافقها صيف حار جاف وطويل، وأن هذا العامل له دور مهم في حدوث التصحر في العراق.

بالإضافة إلى ذلك، يشير “الجبوري”، إلى أن بعض العوامل الأخرى تتعلق بالإنسان والإدارة، ولها دورها في التصحر متمثلة بسوء استغلال الموارد الطبيعية والممارسات الخاطئة، كما في القطع الجائر للأشجار، والرعي الجائر، حيث قطعت أعداد كبيرة من الأشجار والشجيرات في مناطق العراق المختلفة، خلال فترة الحصار والنقص الحاد في الوقود” فترة التسعينات” من القرن الماضي.

كما تراجعت أعداد النخيل من حوالي 30 مليون نخلة إلى حوالي 12 مليون نخلة، بسبب الحرب مع إيران، وقلة المياه والآفات الزراعية والإهمال، بحسب “الجبوري” الذي يؤكد أن الزحف الصحراوي ساهم أيضا في نسبة التصحر، إذ تقدر مساحة الكثبان الرملية في العراق بأكثر من 6 مليون دونم، تتوزع على جهات العراق المختلفة والممتدة من جنوب البصرة وحتى النجف بمساحة تقدر بأكثر من 1.6 مليون دونم.

أما النطاق الثاني فيمتد من شمال غرب كربلاء وحتى الأنبار والذي تقدر مساحته بـ 38 ألف دونم، في حين أن النطاق الثالث من الزحف الصحراوي يقع شرق نهر دجلة ضمن منطقة علي الغربي في محافظة ميسان.

وأوضح أن نسبة الأراضي المعرضة للتصحر تتجاوز 92 في المئة من مجموع المساحة الإجمالية.

وكان وزير الموارد المائية العراقي مهدي الحمداني قد قال في وقت سابق من الشهر الماضي، إن ندرة هطول الأمطار أدت إلى انخفاض تدفق نهري دجلة والفرات إلى 50 في المئة مقارنة بالعام الماضي.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.