“كورونا”.. هل يزيد الفقرَ العالمي؟

من المرجح بحسب توقع خبراء الاقتصاد أن يزداد معدل الفقر في الصين، كما يتوقع الخبراء تراجع النمو الاقتصادي في البلد الذي نشأ فيه فيروس كورونا المستجد، والذي تتهمه الولايات المتحدة الأمريكية بإخفاء معلومات عن الفيروس القاتل سريع الانتشار، واستخدام أخرى مضللة.

رجح البنك الدولي أن يهبط معدل النمو الاقتصادي في الصين بشدة، بسبب وباء كوفيد-19، معتبرا أن الأسوأ هو تراجع نسبة النمو بثاني اقتصاد في العالم من 6,1% في 2019 إلى 0,1% هذا العام، وقال البنك الذي يتخذ من واشنطن مقرا له، في تقرير أصدره مساء الاثنين، إن أكثر السيناريوهات إيجابية هو أن ينمو الاقتصاد الصيني هذا العام بنسبة 2,3%، محذرا في الوقت نفسه من أنه في حال استمرت تداعيات الوباء لفترة أطول فمن المتوقع أن يكون السيناريو الأسوأ هو المرجح.

ومع أن فيروس كورونا بدأ بالتفشي في الصين في كانون الأول، إلا أن هذا البنك ظل حتى يناير الماضي يعول على معدل نمو اقتصادي بنسبة 5,9% في الصين، غير أن استفحال تفشي فيروس كورونا المستجد في أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان وكذلك خارجها استدعى إجراءات استثنائية من جانب بكين التي فرضت بصورة مفاجئة وحازمة حجرا صحيا على مدن بأسرها وعطلت الدورة الاقتصادية في البلاد للتمكن من السيطرة على الوباء.

وفي شهر شباط الماضي سجل الإنتاج الصناعي الصيني انكماشا لأول مرة منذ أكثر من 30 عاما، وقال معدو التقرير إنه استنادا إلى البيانات التي جمعوها لغاية 27 مارس فإن المحك الآن هو “ما إذا كان بإمكان الحكومة أن تنعش النشاط الاقتصادي فجأة كما أوقفته فجأة”.

وخلال مؤتمر عبر الهاتف قال آديتيا ماتو، كبير اقتصاديي البنك في منطقة جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، إنه “من الصعب وضع توقعات دقيقة في بيئة متغيرة باستمرار”، ما بالنسبة لعموم منطقة جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ فتوقع البنك أن ينخفض معدل النمو الاقتصادي من 5,8% في 2019 إلى 2,1% في أحسن الأحوال وإلى 0,5% في أسوئها.

من جهة ثانية توقع البنك أن يلحق الوباء أضرارا فادحة بجهود مكافحة الفقر في العالم وفي جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ خاصة، محذرا من أن السيناريو الأكثر تشاؤما يتوقع تزايد أعداد الفقراء في هذه المنطقة بدلا من انخفاضها.

واعتبر أنه إذا ما تحقق السيناريو الأكثر سوداوية، فإن أعداد الفقراء في هذه المنطقة ستزداد بمقدار 11 مليون شخص بسبب فيروس كورونا المستجد، بدلا من أن تنخفض، وقبل ظهور فيروس كورونا المستجد كان البنك يتوقع خروج 35 مليون شخص في هذه المنطقة من دائرة الفقر هذا العام.

لكن ماذا عن اقتصاد العالم زمن كورونا؟

هناك عدة قنوات يؤثر من خلالها فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي، وهي:

  1. التبادل التجاري، إذ يؤدي إلى إعاقة الإنتاج وعرقلة الإمداد وإضعاف الطلب العالمي، ومنه الطلب على الطاقة.
  2. الترابط المالي، وقد طال تأثيره المادي والمعنوي أسواق المال العالمية التي شهدت انهيارات وأسوأ أداء منذ اندلاع الأزمة المالية العالية عام 2008، وبهذا تعطي أسواق المال مؤشرا سلبيا على شعور المستثمرين بتوجهات تأثير الفيروس على الاقتصاد العالمي.
  3. السياحة والنقل، إذ خفض معدل الرحلات وأغلق العديد من المطارات حول العالم، فهو يؤثر على العرض والطلب العالميين.

أما على مستوى الاقتصاد المحلي للدول فيؤثر الفيروس من خلال ثلاث قنوات:

  1. إعاقة النشاط الاقتصادي، وذلك عبر إعاقة الإنتاج والخدمات والمواصلات والنقل والسياحة والتسوق، وإضعاف العرض والطلب، وهناك مدن وضعت تحت حظر التجول وتحولت إلى مدن أشباح كما شهدنا في الصين وإيطاليا، والعدد آخذ في الازدياد حول العالم .
  2. تكاليف التصدي والاحتواء، من إنقاذ ودعم وإجراءات احترازية لقطاع الصحة والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية بتكاليف باهظة وآخذة في الارتفاع.
  3. الثقة واليقين، فالارتباك وعدم اليقين يضعفان الثقة، ويؤدي ذلك إلى الإحجام عن الاستثمار والإنفاق والسياحة.

وبالمحصلة، سيصيب الفيروس الاقتصاد العالمي بالشلل، إذًا هناك توقعات بتراجع النمو في الصين وحدوث انكماش في اليابان وركود في فرنسا، كما أن هناك دعما ماليا ضخما في ألمانيا، وإغلاقا للمناطق الصناعية في شمال إيطاليا، وخفضا طارئا لأسعار الفائدة إلى حدود الصفر في بريطانيا وأميركا، مع ضخ سيولة هائلة لإنقاذ القطاعي المالي ودعم الاقتصاد في أميركا، وفي منطقة اليورو (750 مليار يورو).

بعد كورونا ينتظرنا ركود اقتصادي شديد

قالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أمس الاثنين، إن النمو الاقتصادي قد ينخفض إلى النصف في حال استمرار انتشار فيروس كورونا، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى أسوأ حالاته منذ الأزمة المالية العالمية.

وأكدت المنظمة أنّ إجمالي الناتج المحلي العالمي سينمو بنسبة 1.5% فقط في العام 2020، إذا انتشر فيروس كورونا على نطاق أوسع في جميع أنحاء آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، أي ما يقرب حوالي نصف معدل النمو البالغ 2.9% الذي كانت قد توقعته المجموعة لعام 2020 قبل اندلاع الفيروس، الأمر الذي قد يدفع باليابان وأوروبا إلى ركود اقتصادي.

وتتوقع المنظمة أنه حتى في أفضل الأحوال، حيث يصل الوباء إلى ذروته في الصين خلال الربع الأول ولا يتفشى سوى بحالات خفيفة في بلدان أخرى، سينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.4% فقط، أي في أضعف مستويات نموه منذ الأزمة المالية العالمية في العام 2009، بعد أن بلغ النمو العالمي حوالي 3% في العام الماضي.

ويقول لورنس بون، كبير الاقتصاديين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إن الفيروس “يشكل خطراً على الاقتصاد العالمي الذي أضعفته التوترات التجارية والسياسية. ويتعين على الحكومات أن تعمل فوراً لاحتواء الوباء، ودعم نظام الرعاية الصحية، وحماية الناس، ودعم الطلب وتوفير حبل إنقاذ مالي للأسر والشركات الأكثر تضرراً”.

تقرير الأمم المتحدة

نشرت الأمم المتحدة عبر موقعها الرسمي في الإنترنت، تقريراً اقتصادياً في بداية آذار الماضي قالت فيه، ويورد التقرير أرقاما توضح “انخفاضا كبيرا” خلال الشهر الماضي “في مؤشر المشتريات التصنيعية في الصين – بحوالي 20 درجة، وهو ما يمثل أدنى حد انخفاض تم تسجيله منذ عام 2004. ويقول التقرير إن هذا الانخفاض يعني انخفاضا في الإنتاج بنسبة 2% سنويا، وهو قد جاء “كنتيجة مباشرة لانتشار فيروس كورونا.”

ويقول التقرير التقني للمنظمة التابعة للأمم المتحدة إن انكماشا بنسبة 2% في إنتاج الصين له آثار مضاعفة تظهر على مجمل انسياب الاقتصاد العالمي، وهو ما “تسبب حتى الآن في انخفاض يقدر بنحو 50 مليار دولار أمريكي” في التجارة بين الدول. ويورد التقرير أن القطاعات الأكثر تضررا من هذا الانخفاض تشمل “صناعة الأدوات الدقيقة والآلات ومعدات السيارات وأجهزة الاتصالات”.

وقالت رئيسة قسم التجارة الدولية والسلع التابعة للأونكتاد، “باميلا كوك-هاميلتون”، إن من بين الاقتصادات الأكثر تضررا مناطق مثل الاتحاد الأوروبي (15.5 مليار دولار) والولايات المتحدة (5.8 مليار دولار) واليابان (5.2 مليار دولار).

وأضافت المسؤولة الاقتصادية الأممية أنه بالنسبة لاقتصادات “الدول النامية التي تعتمد على بيع المواد الخام” فإن الشعور بهذه الأضرار “مكثف جدا”، وقد ظل فيروس كورونا حتى الآن محصورا، في أغلبه، داخل جمهورية الصين. لكنَّ “الدور المهم الذي يلعبه الموردون الصينيون” في إنتاج الشركات في جميع أنحاء العالم يعني أن “أي خلل في الصين سيُشعر به أيضا خارج حدود البلاد”، ويوضح التقرير تبعا لذلك أن التأثير يطال سلاسل القيمة الإقليمية لأوروبا وأمريكا وشرق آسيا.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©