كيف ستنقذ أوروبا اقتصادها؟

بعد أن اعتبرت وزيرة الشؤون الأوروبية “إميلي دو مونشالان”، أن كيفية تعامل الاتحاد الأوروبي مع تفشي فيروس كورونا ستحدد مصداقيته وجدواه وذلك بعدما أخفق التكتل الأوروبي الأسبوع الماضي في الاتفاق على إجراءات لتخفيف تداعيات الوباء على الاقتصاد.

واليوم توصل البنك المركزي الأوروبي لتقنية طرح “سندات كورونا” الأوروبية، والتي تهدف لمواجهة التداعيات الاقتصادية لانتشار الفيروس على الدول الأوروبية.

وأشار المسؤول، في تصريحات لإذاعة إسبانية إلى أن كورونا “جائحة ستكون لها تداعيات على الجميع”، موضحا أن الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة “مختلفة تماما عما حدث في 2008 – 2009”.

بدوره أكد مفوض الشؤون الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، باولو جينتيلوني إمكانية توصل دول الاتحاد الأوروبي لاتفاق على طرح سندات أوروبية، ولكن من أجل “مهام محددة” لتمويل أهداف مشتركة مثل “معالجة حالة الطوارئ الصحية”، وإنشاء “آلية ضمان البطالة وخطة لدعم الشركات” الأوروبية.

وأشار جينتيلوني، إلى أن “النقاش بين دول الاتحاد الأوروبي مشروع، لكنه غير كاف للمرحلة التي نمر بها لأنه لا يعطي حلولا. أعتقد أنه يجب بذل كل الجهود لضمان التغلب على الوضع الحالي، مع عدم الاستخفاف بالقرارات التي اتخذها البنك المركزي الأوروبي”.

ودعا قادة تسع دول أوروبية الأسبوع الماضي إلى إصدار سندات لمواجهة أزمة كورونا، ويطلق على هذه الأوراق المالية اسم “سندات كورونا”، وتطالب دول جنوب أوروبا، التي تعاني من مديونية مرتفعة مثل البرتغال بتشارك الديون بين دول الاتحاد، لكن هذا الطرح يواجه رفضا من دول أخرى مثل ألمانيا وهولندا.

وكان خبراء اقتصاد أمريكيون قد طرحوا آلية “طائرة الهوليكوبتر”، للتجاوز الأزمة الاقتصادية في البلاد التي تأثرت بأزمة كورونا، وهي ببساطة، آلية قائمة على تعويض الأسر المتضررة من جراء الحجر والعزل الصحي، ما يدفع المواطنيين بشكل مستمر للتردد على المخازن، وبالتالي لن تتوقف عجلة الاقتصاد في البلاد.

لكن السؤال الذي يطرحه بعض الخبراء الأوروبيين حاليا، يدور حول إمكانية تعرض القارة الأوروبية لخطر الإفلاس مستقبلا نتيجة الخسائر الضخمة التي تعرضت لها في معركتها مع فيروس كورونا، والانخفاض المريع في الإيرادات، في الوقت الذي تواصل فيه ضخ مزيد من الحزم المالية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

يرى البروفيسور مارك راسل الاستشاري السابق لبنك إنجلترا وأستاذ المالية العامة في جامعة شيفيلد، أنه لا توجد إجابة قاطعة عن هذا السؤال، إنما يجب أخذه في سياق مجموعة من المعطيات.

حيث صرح لجريدة ـ”الاقتصادية”، “إن إفلاس القارة الأوروبية أو دول الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو كلها أمر مستبعد، لكن إفلاس عدد من دولها أو تعرضها لهزة اقتصادية تجعلها تقترب من حد الانهيار، أمر يجب أخذه في الحسبان”.

ويعتقد البروفيسور مارك أن إفلاس جزء من أوروبا يعتمد على الوقت الذي ستستمر فيه أزمة “كورونا”، فكلما زاد عمر الأزمة زاد معه حجم الخسائر المالية وزاد الإنفاق الحكومي، وهذا يضعف قدرة أوروبا المالية، وإذا تعرضت أوروبا لأزمة اقتصادية أخرى بعد فترة وجيزة من أزمة “كورونا”، دون أن تتمتع بالوقت الكافي لاستعادة أنفاسها اللاهثة من تبعات جائحة فيروس كورونا، ولم يكن هناك وقت كاف قد مر عليها لإعادة ملء خزائنها الخاوية نتيجة ما أنفقته للتصدي للفيروس، فلا شك أنها ستواجه أوقاتا عصيبة للغاية.

في الحقيقية أطاح فيروس كورونا بعديد من التوقعات الإيجابية بالنسبة إلى الأوروبيين، فعام 2020 كان يتوقع أن يكون إيجابيا للاقتصاد الأوروبي، إذ إنه في يناير الماضي وقبل أن يضرب “كورونا” قلب أوروبا، ارتفع إنتاج المصانع في منطقة اليورو، نتيجة الهدنة التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وكانت ثقة المستهلكين في تزايد وتحسنت بشكل ملحوظ مبيعات المنازل.

التقارير الرسمية للمفوضية الأوروبية وصفت المسرح الاقتصادي الأوروبي في عام 2020 بأنه سيشهد نموا مطردا ومعتدلا، لكن تلك التقارير ورغم إدراكها بالخطورة الناجمة عن فيروس كورونا، لم تعط الفيروس حقه بالتأثير السلبي في الاقتصاد العالمي عامة والأوروبي خاصة، حيث أعلنت المفوضية الأوروبية أن الفيروس سيترك “تداعيات عالمية محدودة نسبيا”.

من جانبه يعتقد الدكتور جون فيليب أستاذ المالية العامة في جامعة بروملي، أن نقطة الضعف الرئيسة التي ستواجه الاقتصاد الأوروبي بعد الخلاص من جائحة كورونا هي الخلل الذي ستصاب به معظم الميزانيات الأوروبية.

ويضيف: “إن جميع الدول الأوروبية تكتب حاليا شيكات مفتوحة لمجتمعاتها لتهدئة مخاوف الجميع، وللحد من الفزع الناجم عن تفشي فيروس كورونا، تلك الشيكات يمكن أن تؤدي إلى هبوط في الناتج الاقتصادي الأوروبي بين 3.1 في المائة في أفضل سيناريو إلى 6.5 في المائة في أسوأ السيناريوهات، ونظرا إلى تطور الموقف فإن السيناريو الأسوأ ربما يكون السيناريو الأكثر واقعية”.

ويتابع “خطورة تلك الأوضاع تكمن في أن موازين القوى في الاقتصاد العالمي ستختلف بعد جائحة “كورونا”، فبعد أن تضع تلك الجائحة العالمية أوزارها، فإن المشهد الاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي سيتم ترتيبه من جديد، وربما تبرز القوى التي لم تتأثر كثيرا بـ”كورونا” باعتبارها المراكز الاقتصادية الأكثر تألقا وبريقا في أوروبا، بينما سيخفت بريق اقتصادات مثل إيطاليا وإسبانيا، ودوليا، ربما نشهد ترسيخا لواقع أن الصين ستقود الاقتصاد العالمي عمليا، وليس الولايات المتحدة، لكن هذا يتطلب بعض: الوقت حتى تتضح الصورة النهائية لوضع الاقتصاد الأوروبي على مسرح الاقتصاد العالمي الجديد”.​

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©