كيف يمكن إخراج إيران من المنطقة العربية؟

ورقة عمل

قسم الدراسات الاستراتيجية في المرصد

لم يشهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية كارثة إنسانية أودت بخسائر بشرية فادحة بحجم الكوارث التي ارتبطت بمجيء الثورة الإيرانية، التي منذ تسلُّمها السلطة في طهران، تسببت بموجة كبيرة من الإعدامات الشهيرة داخل إيران أولاً، ناهيك بهروب قرابة خمسة ملايين إيراني، عقب الثورة مباشرة، وفق إحصائية نشرتها يورو نيوز حتى عام 2013(1) ولا يزال هروب الإيرانيين مستمراً لأسباب عديدة، من أبرزها الاضطهاد الديني للمسلمين السنة وللطائفة البهائية وغيرها من الأقليات.

 ثم أدخلت إيران المنطقة العربية في مسلسل من الحروب، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية التي خلفت مليون ضحية، وملايين المنكوبين والمشردين، وصولاً إلى الحرب الأهلية في العراق، بعد سياسة العبث الإيرانية وتشكيل عشرات الفصائل التي تعمل على شكل ميليشيات مسلحة ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، وهي الحرب التي خلفت قرابة 650 ألف قتيل بحسب إحصائيات غير رسمية لوزارة الصحة، إضافة إلى 60 ألفاً من المفقودين، كما رصدت المنظمة العالمية للهجرة نزوح 1,6 مليون عراقي(2) ما بين عامي 2006-2010.  وحدثت هذه الحرب بتوافق للمصالح بين إيران وتنظيم القاعدة، الذي كان قادته ضيوفاً على إيران بعد فرارهم من أفغانستان، وصولاً إلى الحرب في سورية واليمن التي تتجاوز الأرقام فيهما مليون قتيل على وجه التقريب، ونزوح الملايين، من بينهم حوالي 11 مليون سوري، بين نزوح داخلي وخارجي، ولا تزال هذه الكوارث التي نتجت عن الثورة الإيرانية مستمرة، ليس في سورية واليمن وبقية البلدان العربية فحسب، بل تجاوزتها إلى أماكن عديدة من العالم، فمن القارة الهندية إلى نيجيريا، ناهيك ببرامج الاغتيالات الإيرانية في أوروبا وغيرها، والعمل على نشر المدارس الدينية الجديدة، التي تتجاوز بوظيفتها ودورها الجوانب الدينية مثل الطقوس والعبادات، نحو مدارس تضفي الشرعية على العمل المسلح بشكل منتظم، سواء من خلال الجلسات الدينية(3) أو عبر نصوص توضع تحت تصرف رواد هذه المدارس. وهي المدارس التي أوقف بعضها في دول أوربية، ما يعني أننا أمام ثقافة خطيرة، قادرة على التخريب حيث حلت، فهي ثقافة خطيرة ومدمرة، وظيفتها العبث في العقول.

أين أخطأنا:

ليس المطلوب الآن إعادة توصيف المشهد الإيراني فحسب، لأن المطلوب هو وضع الحلول المناسبة، كي تتجاوز المنطقة العربية ما أحدثته إيران من كوارث.. لكن الخطأ في توصيف صورة إيران أمام المجتمع الدولي، أثر سلباً في كشف حقيقتها في الساحة الدولية، ولكن الآن، باتت الصورة الإيرانية واضحة تماماً، وسط حالة القلق من تصرفاتها الحالية لدى العديد من الدول التي جعلت الجميع يدركون، وإن متأخراً، طبيعة السياسة الإيرانية وتكوينها..! وكانت تبدو في نظر السياسيين مجرد خطاب شعبوي أخرق، يسعى لاستقطاب الجماهير أو لإسكاتها، شأنه شأن أي خطاب شعبوي في دولة من دول العالم الثالث، وهو أمر تسكت عنه الدول المتقدمة، لأنها في النهاية يهمها ما يصدر عبر القنوات الدبلوماسية، ولا تكترث للخطاب الشعبوي المنبعث من هذه الشخصية هنا أو هناك.

مع انطلاق الثورة السلمية في سورية، ثم الحالة العسكرية التي وجدت نفسها غارقة فيها، كان توصيف المعارضة السورية، والنخب الثقافية العربية في المنطقة خاطئاً لصورة إيران، وبالتالي كان هذا التوصيف الخاطئ، يصل بالأمور إلى نتائج غير صحيحة، فنحن عندما نتحدث عن خطوات تقوم بها إيران نحو نشر التشييع من خلال المدارس الدينية أو عندما نعطي أهمية للشعارات ذات الطابع الطائفي، فإن الصورة تبدو وكأننا نعرض في وجه الغرب صورة من صور صراع طائفي بين المذاهب الإسلامية، دون أن ندرك الصورة الواقعية، فما تريده إيران بالضبط، هو أن تخرج أصوات عربية، تؤكد وجود اختلاف يصل حد الصراع الطائفي بين السنة والشيعة، وغاية إيران من ذلك، أنها تريد تبرير تدخلاتها في المنطقة، بذريعة أنها حامية للمشروع الشيعي، وأن هدفها هو دفاعي فقط، وهو التوصيف الذي نجحت إيران في استغلاله جيداً، إذ أطلقت صيحتها بهذا المنهج، معلنة أن وجودها يأتي للحفاظ على الأقليات الموجودة في المنطقة، وبهذا التوصيف الإيراني تكون إيران قد استفادت من التجارب التاريخية أثناء وجود الدولة العثمانية والاتفاقات التي كانت تتنافس الدول العظمى على توقيعها لرعاية الشؤون الكنسية في الشرق (4) .

توصيف المعارضة السورية وبعض النخب العربية للتدخل الإيراني أنه جاء لغايات طائفية، إنما كان ذلك بمثابة فتح بوابات الجدل هذا الباب في وسائل الإعلام، وهذه كانت نقطة خاطئة ارتكبتها المعارضة السورية، لأن التركيز على الخطاب المذهبي لإيران وحزب الله، هو ما فتح الباب على مصراعيه لنمو التيار الجهادي في سوريا، وهو تيار كان الأسد يريد له التنامي لكي يبرر حربه على الشعب من أنها جاءت بغاية مكافحة التطرف.

فمسألة (تداول) فكرة الاختلاف المذهبي كانت تنقل الثورة السورية من دائرة المطالبة بالتحرر من نظام مستبد، إلى دائرة الإقرار بوجود اختلاف مذهبي وصراعات كامنة، وهذا كان يعزز ورقة نظام الأسد ويعزز فكرة استعانته بإيران وحزب الله، بذريعة أنه يقوم بحرب ذات طابع وجودي لإعادة الأمور إلى نصابها كما كانت من قبل، وقد عززت صورة هذا الخطاب فيما بعد التيارات الجهادية، التي بدأت بممارسة المحاكم الشرعية في مناطق سيطرتها، بدلاً من استخدامها مصطلح المحاكم الثورية أو الوطنية، وبهذا كانت القوى المتطرفة في سورية ترسم وجهاً مختلفاً للواقع، بما كان يتيح لإيران استمرار التمدد على الأرض، مستفيدة من تسهيلات النظام لها، ما جعل التعامل الدولي مع المشهد السوري يزداد تعقيداً. فبينما كانت إيران تتمدد، كانت الضبابية تغطي كامل المشهد، وباتت صورة سورية في الإعلام مجرد بلد يخوض حرباً طائفية بامتياز، وإذا كان ذلك لم يكن دقيقاً، وبعدما وصلنا إلى هذا الطريق المسدود، يبقى المهم أن نحاول البحث عن طرق للخلاص من الوجود الإيراني في المنطقة وإعادة الأمور إلى نصابها كالسابق.

ويبقى السؤال الأهم، هو كيف نخرج إيران من المنطقة؟

أولاً: مسألة المرجعية الدينية:

حقبة انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور الإسلام السياسي وظهور الثورة الإيرانية، وتوالي الأسئلة في الشرق الأوسط حول شكل العالم ما بعد نهاية الشيوعية، وفكرة (التطبيل) التي خرج بها دعاة الإسلام السياسي الذين أعادوا طرح فكرة البديل الإسلامي، التي طرحت سابقاً، ومن خلاله افترضوا إعادة تشكيل الجغرافيا العربية، وإعادة هدم نظام الدولة القائمة، بمعنى دعوة الإسلام السياسي إلى قيام مرجعية دينية جديدة تكون بديلاً عن النظام السياسي القائم عربياً. وهنا كان لهذه الفكرة بالذات الخطر الأبرز على عموم المنطقة، ففي الجانب العربي كان الاستقرار السياسي في النظم الوراثية موجوداً وواضحاً، ولم تكن ثمة إشكالية في مسائل نقل السلطة، بالتالي كانت الدولة العربية بنظامها الوراثي لا تواجه خطراً وجودياً أثناء انتقال السلطة، وكانت المرجعية هي النظام السياسي القائم على التوريث، بما لا يتيح مزاحمة على منصة السلطة.

بينما في الجمهوريات العربية المحكومة عسكرياً لم تكن هناك مرجعية تعمل على نقل السلطة بشكل سلس، فالانقلابات أو مؤامرات العسكر بعضهم على بعض، كانت سيدة الموقف، وهذا ما جعل تلك الجمهوريات مثل سورية والعراق واليمن تعيش واقعاً داخلياً غير مستقر، وهي الأماكن التي تسللت إليها إيران من خلال فكرة (المرجعية الدينية).

هناك حالة طبيعية تجري بشكل تلقائي، وهي إن أي مجموعة بشرية تشعر بالخطر، فمن الطبيعي جداً أن تبحث عن مصدر للقوة لكي تحتمي به، وعندما تفقد المجموعات البشرية الثقة والأمان بالداخل، فمن الطبيعي أن تلجأ للاستقواء بالخارج، وبهذا التوصيف، دعونا منذ البدء نعمل على إخراج فكرة التخوين من عقولنا، والتفكير بشكل منطقي وحضاري، وما أعنيه، أنه لا يمكن لنا أن نتعامل مع الطوائف التي وجدت نفسها بالحضن الإيراني بمنطق التخوين، بل علينا رؤية الصورة بشكل مختلف، وهي أن الظروف الموضوعية التي كانت سائدة بعد الثورة الإيرانية، كانت كلها توحي بالقلق، ليس لطائفة بعينها، بل لعموم المنطقة العربية، خصوصاً وأن أكثر من دولة عربية كانت تعيش ظروفاً صعبة، فالعراق في حرب مفتوحة مع إيران، ثم العراق والكويت، ثم الحرب الأهلية في الجزائر، والحرب اللبنانية الداخلية طويلة الأمد، والحرب في الصحراء المغربية مع البوليساريو، كل تلك الأيام كانت تبعث عامل القلق في المحيط العربي السياسي والاجتماعي.

هذا التوصيف للواقع العربي، وحالة القلق، وظهور إيران كقوة حاضنة، ثم تسابق الإسلاميين السنة إلى الحضن الإيراني، كل هذا جاء تماماً في توقيت مشترك، مع تشكيل المليشيا التابعة لإيران في لبنان، وبالتحديد حزب الله الذي أرادت إيران من خلاله أن يكون حزباً خاصاً لها بعيداً عن حركة أمل الشيعية التي كانت تكن الولاء للإمام الصدر قبل اختفائه وتصفيته، بالإضافة الى المليشيا التي عملت سراً في العراق وارتبطت بإيران وكان لها أنشطة عسكرية داخل العراق قبل الحرب الإيرانية العراقية، وصولاً إلى مليشيا الحوثي في اليمن(5).

كيف تنتهي المرجعية الدينية:

إفراغ المشروع الإيراني من محتواه الديني يبدأ من خلال نافذتين أساسيتين:

الأولى: وتكون من خلال إسقاط الفكرة المذهبية في الصراع، وبالتحديد نحن بحاجة إلى إسقاط هذه الفكرة أولاً في سورية، لأن النظام هو من يستغلها وهو من يبرر وجودها، ناهيك بالشريك الآخر، وهو مجمل المنظمات المتطرفة التي ترفع شعارات المذهبية، وتمارس سلوكاً على الأرض يتوافق تماماً مع المصالح الإيرانية ومصالح النظام، وهذه مسألة ممكنة، من خلال عزل هذه الفكرة على الأرض، وإعادة تقديم خطاب إعلامي موحد للمعارضة السورية يعمل على إعادة تشكيل الخطاب الميداني في سورية ليرتكز على أساس سياسي فحسب.

الثانية: تقوم على أساس إسقاط فكرة المرجعية الدينية الإيرانية، وإعادة تشكيل مرجعيات عربية على شاكلة الإمام الراحل موسى الصدر، الذي تشير الأصابع إلى دور إيراني في اختفائه، وفق ما صرح به رجل الدين الإيراني محمد موسوي خوئينيها لوكالة فارس الإيرانية حين وصف الصدر بأنه لم يكن مؤيداً للثورة الإيرانية بأي شكل من الأشكال(6) وفي شباط/فبراير 2018 تحدث جلال الدين الفارسي في مقابلة مماثلة لوكالة فارس بقوله: إن الصدر كان يجب أن يُقتل لأنه كان قريباً من الشاه وبعيداً عن الثورة(7).

ملاحظات:

عندما نتحدث عن مرجعيات دينية، يتبادر إلى الأذهان حجم الضحايا الذين فتكت بهم الحروب الدينية، سواء في المنطقة العربية والإسلامية، أو في أوروبا سابقاً.

فمسألة الذهاب إلى مرجعيات دينية تعني بالضبط الذهاب إلى التفسيرات الدينية للنصوص، وهذه التفسيرات تتداخل فيها التعقيدات الدينية مع السياسة مع المصالح، وهي تفسيرات وتأويلات تتبدل من عصر إلى آخر بحسب الظروف والمصالح السياسية.

ففي مرحلة الحرب العراقية الإيرانية كان الخميني رافضاً لفكرة التسوية السياسية التي تنهي الحرب، ولكنه مع ازدياد فاتورة الحرب الباهظة ذهب إلى التسوية السياسية وإنهاء الحرب.

نشاهد في الإطار السني اليوم، هناك ظاهرة (الشرعي) لدى الفصائل الإسلامية، إذ تجده عند أول اختلاف مع الفصائل المنافسة يفتي أولاً بالذهاب إلى الحرب، ثم بعد الاستنزاف والقتل والضحايا يعود إلى فتوى جديدة قوامها الذهاب إلى الصلح، ولكنه لا يسأل نفسه لماذا لم يذهب للحلول السياسية قبل ذلك.

هذه الصورة تكررت مئات المرات في المشهد السوري على الأرض، وتكررت قبل ذلك في أفغانستان، وهي مثلاً في الجانب الآخر عند النظام تحمل صورة مشابهة، فهناك في دمشق عشرات الآلاف من اتباع الطرق الصوفية، غالبيتهم يدرسون في معاهد شرعية ولديهم معرفة واسعة في الدين، غير أنهم ارتضوا الوقوف خلف نظام الأسد منذ البداية، مع أن الثورة كانت سلمية، وهناك نبشوا في النصوص وأخذوا قراراً بعدم الخروج على الحاكم والتزام الصمت، وعندما أقدم النظام على ارتكاب آلاف المجازر، ولم يكن أمامهم ما يبرر صمتهم، لجؤوا إلى فتوى جديدة قوامها أن النظام يحارب التيار السلفي التكفيري. وبهذه المعادلة أغمضوا أعينهم عن ملايين المدنيين الذين ذهبوا ضحايا الصراع.

المشهد في بقية الطوائف في سورية ليس بعيداً عن هذا التوصيف، فالمصالح السياسية هي التي تشكل المشهد الديني وليس صحيحاً أن الدين هو من يشكل السياسة، وبهذه يمكن أن ندرك أن لعبة الدين يمكن استغلالها، في سبيل العبث ميدانياً على الأرض.

إيران المرجعية السياسية:

في الجانب السياسي، ومع نهاية الحقبة السوفييتية كان الإيرانيون يفكرون أن يكونوا البديل الذي يهيمن على الشرق الأوسط، وكانت فكرة عدائهم لأمريكا مدخلاً مهماً، إذ من خلالها التقطت إيران الإسلام السياسي العربي، الذي وجد تشابهاً كبيراً بينه وبين السياسة الإيرانية، وبالتالي كان ثمة توافق مصالح مشتركة، لذلك ليس غريباً وقوف الإخوان المسلمين في الصف الإيراني آنذاك، وليس غريباً فيما بعد أن تجد القاعدة حضناً دافئاً في إيران، لأن هذه الأطراف تجمعها مصالح وخدمات مشتركة.

وهنا بالضبط كانت إيران تدرك أنها بحاجة إلى مشروع سياسي تدخل من خلاله إلى المنطقة العربية، وكانت القضية الفلسطينية ورقة ناجحة، خصوصاً مع ظهور الإسلام السياسي في فلسطين، بات الطريق معبداً لإيران لركوب هذه الموجة، خصوصاً مع موجة التعاطف العربية مع الانتفاضة الفلسطينية، وعلى الرغم من أن الدعم الحقيقي للفلسطينيين كان عربياً بامتياز، ولا يزال كذلك، لكن إيران نجحت في الفصل بين مصالح الفصائل الفلسطينية وبين المصلحة الوطنية لعموم الفلسطينيين، وكان ذلك عندما قامت بتحويل الفصائل الإسلامية الفلسطينية إلى مليشيا على شاكلة حزب الله وعلى شاكلة الحوثي والمليشيا العراقية، ومع انقلاب حزب الله في لبنان وحماس في غزة والحوثي في اليمن، والظهور الواسع للمليشيات العراقية، ثم مشاركة فصائل يسارية فلسطينية وأحزاب قومية عربية في تمجيد إيران، وظهور قوى لبنانية مسيحية وسنية وغيرها، واجتماع كل هؤلاء على دعم نظام الأسد وعلى دعم الفكرة الإيرانية، هنا أصبحت إيران مرجعية سياسية لكل هؤلاء، وهنا اختلطت الأوراق، واختلط الدين بالسياسة، وزادت حدة الأزمة السورية.

القصة إذاً لم تعد مجرد فصائل ذات طابع مذهبي وإنما هناك تيار سياسي يبدأ من القوميين وينتهي باليساريين وما بينهما تيارات سنية وطوائف وغير ذلك، بينما في الطرف الآخر، أي في مشهد المعارضة السورية، كانت لا تزال ورقة جبهة النصرة، والمنظمات الجهادية غير قابلة لإحداث أي تحول في بنيتها بما يخدم مصالح الشعب السوري، ولا يزال الخطاب الديني هناك يحمل صبغة هستيرية، لا يختلف عن خطاب طالبان وداعش وغيرها.

كيف تسقط المرجعية السياسية الإيرانية:

مفتاح المرجعية الإيرانية السياسية في المنطقة العربية واحد لا غير، وهو القضية الفلسطينية، ولا يمكننا الفصل بين التدخل الإيراني في سورية وبين الملف الفلسطيني، الذي كان عنواناً مهماً للتسلل الإيراني إلى المنطقة منذ إعلان الخميني يوم القدس العالمي الذي بات نقطة تجمّع للقوى السياسية العربية، مستغلاً بذلك اسم القدس ودلالاته في الوجدان العربي، لذلك وقفت قوى اليسار والقوميين إلى جانب الإسلاميين في مسيرات يوم القدس الإيراني منذ البداية، وفي ذلك المكان بالضبط كانت تتشكل فكرة المرجعية السياسية الإيرانية لهذه القوى في الساحة العربية.

كان الدعم الإيراني مركزاً ومحدوداً للمليشيا التي أنشأها من العراق إلى لبنان وفلسطين واليمن، ويتمثل بالدعم العسكري فقط، وهنا عملياً ظهرت قوة هذه القوى المسلحة في لبنان وغزة واليمن وغيرها، وهو ما جعل أحزاباً يسارية وقومية تلجأ للاحتماء بعباءة إيران مقابل الحفاظ على وجودها، تماماً مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي قادها (جورج حبش) ومارست عناصر حماس الإذلال على أعتى قياداتها باتت اليوم في الصف الأول المؤيد لإيران ونظام الأسد بغية كسب الرضا الإيراني للبقاء فقط.

إسقاط المرجعية الإيرانية السياسية في المنطقة يبدأ حيث دخلت، وهو تماماً ملف قطاع غزة، وهذا يعني أنَّ الدول العربية معنية بخطاب إعلامي أكثر صراحة تجاه غزة، فما هو معلوم للجميع، أن الدعم الإغاثي والمادي وإعادة الإعمار في غزة كان من الدول العربية، كما أقامت العديد من الدول الأوربية والإسلامية مشاريع تنموية عديدة في غزة، بينما كان الدعم الإيراني يذهب إلى القطاع العسكري في حماس والجهاد الإسلامي، ولم يذهب حتى إلى الجناح السياسي ذاته بذات القوة طوال السنوات الماضية.

إخراج إيران من غزة يعني إسقاط فكرة محور المقاومة، ويعني انهيار الفكرة السياسية التي يرتكز عليها حزب الله، ويعني عملياً إحداث تحولات داخل لبنان في وجه إيران، ويعني إحداث تحولات تؤدي إلى تراجع القوى السياسية الداعمة لحزب الله حتى من داخل طائفته، وهذا يتطلب بالدرجة الأساسية التوجه نحو عملية سياسية عربية فلسطينية تستثني حماس، وتتوجه نحو مشروع سياسي في المنطقة العربية، مستفيدين من المبادرة العربية للسلام، التي من الممكن أن تكون مدخلاً مهماً لإسقاط فكرة محور المقاومة.

المطلوب قيام خطوة سياسية عربية تعمل على فرض الاستجابة للمصلحة الفلسطينية والعربية في غزة، من خلال إيجاد الآليات العربية للتعامل مع ذلك، وما لم تتم الاستجابة لذلك فالمطلوب إسقاط مشروعية العمل السياسي للفصائل الإسلامية الفلسطينية أولاً، لأن استمرار منح هذه الفصائل الإسلامية الفلسطينية المشروعية السياسية يعني بقاء إيران تعبث بالحالة الفلسطينية المعقدة أصلاً، واستمرار انتقالها منها نحو الشارع العربي.

الغزو الإيراني لأوروبا:

الأنشطة الإيرانية من خلال المراكز الثقافية الإيرانية في أوروبا، التي تتجاوز دورها الثقافي إلى دور مختلف تماماً، وهو العمل على التأثير في الأجيال الإيرانية التي ولدت في الغرب وأصبحت جزءاً من مكونه الثقافي، ومحاولة استقطابها ثقافياً نحو إيران، بحيث تسعى إيران إلى جعل هذه الأجيال تتبنى ثقافة الملالي الإيرانية، منها ما أطلقته الداخلية الفرنسية بعزمها على حل كل الجمعيات التي تدعو للكراهية وتمجِّد العنف، وفقاً لتوجهات الرئاسة الفرنسية، في إشارة إلى ما تقوم به الجمعيات الإيرانية من أنشطة مشبوهة.(8).

لذلك، إن إيران سواء كانت داخل المنطقة العربية أو خارجها، فهي تعمل على تعويم الفكرة الدينية والمذهبية لكي تجعلها تسير فوق القومية وفوق الانتماء، وبالتالي عندما يكون الارتباط الديني فوق الانتماء القومي يصبح من السهل جداً التلاعب بالعنصر البشري من خلال ابتداع مسوغات دينية تجعله يخرج من غطاء الجغرافيا.

الحرب الإيرانية على أوروبا هي عملياً بدأت منذ استهداف ملايين المدنيين السوريين، وبالعودة إلى تصريح سابق لوزير الداخلية الإيراني عبد الرضا رحماني عندما قال: (إذا أغمضنا عيوننا 24 ساعة سيذهب مليون لاجئ إلى أوروبا)(9) وكان يقصد اللاجئين الأفغان لكنها إشارة ضمنية إلى اللاجئين السوريين أيضاً، بالتالي هو طريق الحرير الإيراني الجديد الذي، من خلاله، فتحت إيران أبواب اللاجئين من وسط وشرق القارة الآسيوية نحو أوروبا بقصد الضغط على أوروبا، بالتالي هناك معاناة أوروبية شاملة من السياسة الإيرانية، وهناك خطوات عربية لا بد منها في سبيل إنهاء هذا التمدد الكارثي على المنطقة.

خلاصة:

خلاصة السياسة الإيرانية في المنطقة والعالم هي نشر الفوضى، وصناعة المليشيا المحلية التي تعمل على تخريب البنية المجتمعية أولاً من خلال هدم أي إمكانية لقيام دولة القانون، فالإيرانيون لا يفكرون ببناء مدرسة لنشر العلم أو الثقافة المعرفية، ولا يفكرون ببناء مؤسسات صحية أو بنية تحتية مطلقاً، وإنما يتوجهون نحو السلاح، ونشره وتعميم لغة المليشيا على منطق القانون، فمن العراق إلى اليمن وسوريا ولبنان وفلسطين، لم نشاهد مؤسسة واحدة تهتم بالجانب الإنساني أو المعرفي بتاتاً.

العقوبات الدولية هي نقطة جوهرية ومهمة، وهذا ما يمكن أن تقوم به الدول الأوربية على المدى المنظور، ولكن مسألة إخراج إيران من الشارع العربي هي مسألة معقدة، لأن وكلاء إيران في المنطقة تأسسوا ليكونوا تابعين بالمطلق للسياسة الإيرانية وبالتالي فهم لن يراعوا مصالح شعوبهم.

النقطة الجوهرية والمهمة أن توقف الدعم الإيراني عن حزب الله والحوثيين وحتى المليشيا العراقية فهذا لا يعني نهاية هذه المنظمات، فالحوثي يمارس تجارة القات مع القرن الإفريقي وهي تجارة تدر عليه ملايين الدولارات، وأما حزب الله فهو يتاجر بالحشيش منذ عقود ولديه ارتباطاته بالمافيات الدولية، وأما المليشيا العراقية فهي قريبة من خطوط التجارة والتهريب من وإلى إيران للتقليل من خطر العقوبات عليها، بينما تبقى غزة خارج هذا الإطار، حيث يمكن أن يكون هناك موقف عربي يعيد فرض الأمر الواقع عليها، وهو ما سينتهي بسحب الملف السياسي لقطاع غزة من يد إيران التي لا تملك في غزة سوى المليشيا المسلحة.

لقد انتهت الحرب الكورية، وكذلك الحرب في رواندا والبوسنة والهرسك، لكن الحروب التي أنتجتها أو تسببت فيها الثورة الإيرانية لا تزال شرارتها متقدة، وهي قابلة للتمدد والانتقال من مكان إلى آخر، فعدد ضحايا الحروب التي تسببت فيها إيران يفوق بأضعاف كثيرة عدد قتلى القنابل الذرية التي ألقيت على اليابان في الحرب الكونية الثانية، في الوقت الذي تسعى فيه إيران كي تكون كوريا شمالية أخرى، يتوجب علينا إعادة حساباتنا السياسية، فالمطلوب في مناطق المعارضة التوقف عن استخدام مصطلح (الشرعي) وإيقاف العمل بكل أشكال المحاكم الشرعية والتوجه نحو بناء آلية وطنية كاملة لضمان حقوق السكان، والتوقف كلياً عن استخدام المصطلحات والتسميات ذات الطابع الطائفي أو المذهبي في وسائل الإعلام وتجريم من يقوم بذلك، واستخدام خطاب وطني بعيد عن المصطلحات الطائفية لعموم السوريين. وأما المطلوب عربياً فهو حظر الأنشطة السياسية لدى كامل المدارس الدينية على اختلاف مذاهبها، وإبقاء فكرة المرجعية الدينية في مجال الأحوال الشخصية فقط، بما لا يسمح بتشكيل بنية حزبية ذات طابع ديني، وإعادة إنتاج أحزاب الإسلام السياسي على قاعدة الدستور والقوانين الوطنية وتجريم ما هو خلاف ذلك.

مهم أن ندرك أن الخطر الإيراني على الأمة العربية هو خطر وجودي، وأن إعادة بناء شرق أوسط جديد يتطلب أمرين، الأول إسقاط فكرة المرجعيات الدينية لإيران، والثاني استعادة المرجعية السياسية للقضية الفلسطينية عربياً، والتوجه فوراً نحو عملية سياسية عربية إسرائيلية برعاية دولية، وهذا فقط يعني نهاية مشروع الثورة الإيرانية ونهاية فكرة تصديرها للخارج.


المراجع

  1. يورو نيوز، 9 حزيران/ يونيو 2013.
  2. بي بي سي عربي 15 كانون الأول/ديسمبر2011
  3. فرانس 24 20 آذار/ مارس 2019 تقرير حول اغلاق جمعيات إيرانية في فرنسا.
  4. مجموعة من الاتفاقات وقعتها دول أوربية عديدة إضافة الى روسيا القيصرية مع الدول العثمانية لرعاية المصالح الكنسية في الشرق.
  5. التي تأسست عام 1992 محمد بدر الدين الحوثي.
  6. بي بي سي عربية 23 كانون الأول/ يناير 2019
  7. هو مستشار الإمام الخميني/ قناة الحرة 7 شباط/فبراير 2018
  8. 20 آذار/مارس 2019 العربية نت.
  9. جريدة الحياة 3 تموز/يوليو 2018.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.