كيف يمكن لأوروبا أن تُوجِّه ضربة اقتصادية إلى طهران

تتوقّع ألمانيا وفرنسا وبريطانيا أن تحاول موسكو عرقلة المفاوضات الأخيرة مع إيران في اللحظات الحاسمة. وقد بدأت بالفعل ملامح ذلك تظهر، إذ أفادت تقارير بأنّ روسيا قدّمت إلى مجلس الأمن مشروع قرار يقضي بتمديد العمل بالقرار 2231، وهو القرار الذي أضفى الشرعية عام 2015 على الاتفاق النووي بين القوى الكبرى وإيران، والذي من المقرّر أن ينتهي سريانه في 18 أكتوبر.

بالنسبة إلى الدول الأوروبية الثلاث، لا يُمثِّل القرار مجرّد بقايا رمزية من عام 2015، بل يتضمّن ما يُعرف بآلية “سناب باك” (العودة التلقائية للعقوبات). من خلال هذه الآلية يمكن إعادة فرض العقوبات الأممية التي فُرضت على إيران منذ عام 2006، وهو ما يمنح الأوروبيين حتى أكتوبر أداة ضغط مهمة. غير أنّ موافقتهم مشروطة بأن تسمح طهران مجددًا بتفتيش شامل من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن تقدّم معلومات حول مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وأن تستأنف المحادثات مع واشنطن.

وقد حدّد الأوروبيون مهلة لطهران. وعُقدت عدّة جولات من المفاوضات، كان آخرها لقاء في جنيف مع نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي، لكنّها انتهت – بحسب دبلوماسيين – “من دون نتائج حاسمة”. رسميًا، يؤكّد الأوروبيون أنّهم ما زالوا منفتحين على الحوار، غير أنّ السلطات الإيرانية ترى في هذا المسار محاولة غربية لنزع الشرعية عن طهران عبر روسيا والصين. وفي الوقت نفسه، أبدت إيران اهتمامًا بتأجيل تفعيل آلية “السناب باك”، لكن بشرط أن يتمّ ذلك في مجلس الأمن من دون أيّ شروط مسبقة.

من وجهة النظر الإيرانية، تبدو المطالب الأوروبية صعبة التحقيق. فالكشف عن مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب يُخشى أن يتحوّل إلى ذريعة لشنّ هجمات عسكرية جديدة من الولايات المتحدة أو إسرائيل. أما السماح مجددًا بتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فتعتبره طهران ورقة تفاوضية ثمينة. وبالنسبة إلى مطلب إجراء محادثات مع واشنطن، تردّ القيادة الإيرانية بالقول إنّ الولايات المتحدة نفسها لا تُبدي أيّ استعداد جاد للتفاوض. وعلى الصعيد الداخلي، يحذّر الإصلاحيون من دوّامة تصعيد جديدة، في حين رفض المرشد الأعلى علي خامنئي مؤخرًا أيّ مفاوضات مباشرة مع الأمريكيين.

وإذا ما أُعيد تفعيل العقوبات الأممية بالفعل، فإنّ تأثيرها سيعتمد بدرجة كبيرة على كيفية تفاعل الصين. فبكين تشتري نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية، ويجري جزء كبير من هذا التبادل التجاري عبر قنوات غير رسمية لتفادي العقوبات الأمريكية الثانوية. وإذا جرى تعزيز هذه الإجراءات بعقوبات من الأمم المتحدة، فقد يزداد الضغط على الصين، غير أنّ مصالحها الاقتصادية مع طهران ضخمة: إذ تلبّي إيران أكثر من عشرة في المئة من احتياجات الصين من النفط الخام، وغالبًا بأسعار منخفضة جدًا، وهو ما يصعب تعويضه بسهولة.

ومن بين الإجراءات المحتملة أيضًا حظر تصدير الأسلحة. لكنّ روسيا، المورّد العسكري الأهم لإيران، يُرجَّح ألا تبالي كثيرًا بذلك. في المقابل، تتزايد في طهران الشكوك حول مدى موثوقية موسكو؛ فقد زعم أحد أعضاء مجلس تشخيص مصلحة النظام مؤخرًا أنّ روسيا سلّمت إسرائيل معلومات عن مواقع الدفاع الجوي الإيراني. في هذا السياق، تُكثّف طهران تعاونها العسكري مع الصين، مع أنّه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت العقوبات الأممية ستؤثر فعليًا في موقف بكين.

كما قد تُطرح مسألة وقفٍ كامل لتخصيب اليورانيوم، وهو مطلب من شأنه أن يعزّز الموقف الأمريكي الرافض لأيّ تخصيب على الإطلاق. لكنّ طهران تتمسّك بحقها في التخصيب لأغراض مدنية، وتؤكد أنّ الهجمات الأمريكية على منشآتها ربما قلّصت قدراتها، غير أنّ غياب عمليات التفتيش المنتظمة يزيد من خطر إساءة الاستخدام.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، سيؤدّي تفعيل “السناب باك” سريعًا إلى إجراءات إضافية، مثل تجميد الحسابات البنكية، وحظر السفر، وفرض قيود اقتصادية محددة. ومع ذلك، فإنّ كثيرًا من هذه الآثار ملموس بالفعل، إذ إنّ العقوبات الأمريكية الثانوية دفعت البنوك والشركات الأوروبية إلى الانسحاب من التعامل مع إيران. وقد تراجعت الصادرات الألمانية إلى إيران مؤخرًا إلى نحو 1.5 مليار يورو، لتحتلّ المرتبة 79 بين شركاء ألمانيا التجاريين. وتُظهر بعض الحالات الأثر الجانبي لهذه العقوبات: إذ تمّ تجميد حساب طالبة إيرانية في إيطاليا مؤخرًا لأنّ كلمة “إيران” وردت في خانة الغرض من التحويل.

ويتوقّع محلّلون أن تكون التأثيرات في المقام الأول نفسية: انهيارات في أسعار الأسهم، تقلّبات في سعر العملة، تراجع في القدرة الشرائية، تسريح عمال، وتنامٍ في السخط الشعبي، بحسب تقرير لوزارة الاستخبارات الإيرانية نقلته قناة “إيران إنترناشونال”. في المقابل، هدّدت أطراف مقرّبة من الحكومة بإجراءات مضادّة في مضيق هرمز، من بينها تفتيش السفن التي تحمل بضائع أوروبية بهدف إرباك إمدادات الطاقة.

اقتصاديًا، من المرجّح أن تصيب تداعيات “السناب باك” الطبقات الفقيرة والمتوسطة على وجه الخصوص، وفقًا للخبير الاقتصادي حسين راغفر من جامعة الزهراء. أمّا الفئات الثرية والجهات الاقتصادية المقرّبة من النظام – مثل شركات الحرس الثوري والمؤسسات الدينية – فقد تخرج من الأزمة أكثر قوة، إذ تمتلك الشبكات اللازمة للالتفاف على العقوبات والحفاظ على حصصها في السوق.

وهكذا، يبقى غير واضح ما إذا كانت أوروبا قادرة حقًا على ممارسة ضغط فعّال على طهران من خلال آلية “السناب باك”. فالأداة موجودة، لكنّ فعاليتها تعتمد على التحالفات الجيوسياسية، والروابط الاقتصادية، وردود الفعل الداخلية في إيران. ما هو واضح فقط أنّ الإشارات السياسية ووسائل الضغط الاقتصادية باتت اليوم متشابكة على نحوٍ لا فكاك منه في لعبة الملف النووي الإيراني – وأنّ مرحلة التصعيد المقبلة أقرب مما يتمنّاه كثير من الأوروبيين.

زر الذهاب إلى الأعلى