لا تستثني سوى السياسيين.. لبنان يشهد مقتلة جماعية

مع ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة اللبنانية إلى 15 ألف ليرة، تزامناً مع أزمات الفقر والغلاء والبطالة، تعود مجدداً التحذيرات من سيناريوهات كارثية تهدد لبنان، خاصة مع غموض مستقبل تشكيل الحكومة الجديدة ومراوحة الأزمة السياسية في مكانها.

في ذات السياق، يشير تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي إلى أن سير الأوضاع في لبنان يدفع باتجاه المزيد من التشاؤم، لافتاً إلى مخاطر وتبعات الأوضاع الراهنة في البلاد لا يمكن وضع حدود لها، وأن الشعب اللبناني سيكون أمام ظروف صعبة جداً على المستوى المعيشي.

كما يحمل التقرير ما وصفه بـ “كذب المسؤولين اللبنانيين” مسؤولية انقطاع الدعم المالي الدولي عن لبنان، مبيناً أنهم يطرحون الكثير من الوعود على الجهات المانحة وهو ما يتبين لاحقاً أنه مجرد أكاذيب، على حد وصف التقرير.

إلى جانب ذلك، يشدد التقرير في النقاط التي خلص إليها، على ان السياسيين والقادة اللبنانيين لم تظهر عنهم أي إشارات إيجابية تعكس رغبة لديهم بحل الأزمة الحاصلة وإنما عرقلة مستمرة لملف تشكيل الحكومة الجديدة وإعادة التوازن إلى البلاد، مشيراً إلى أن تشكيل الحكومة سيمثل أول خطوات حل أزمة ومأساة اللبنانيين.

يذكر أن الأيام القليلة الماضية، شهدت تفاقماً لأزمة الوقود في لبنان ما أثر على أزمة الكهرباء وانقطاع الاتصالات وخدمات الإنترنت في عدة مناطق لبنانية.

مقتلة وليست أزمة

تعليقاً على الحالة اللبنانية، يعتبر المحلل السياسي، “ميشال بوصعب” أن ما تشهده البلاد لا يمكن وصفه بانه أزمة وإنما مقتلة ومجزرة جماعية ترتكبها الطبقة السياسية بحق الشعب اللبناني بشكل عام، لافتاً إلى ان تلك المقتلة لن تستنثي أحد سوى السياسيين الذين أحدثوها، على حد قوله.

في السياق ذاته، يؤكد “بوصعب” أن الأزمات تكون نتيجة ظروف معينة، كانتشار أوبئة أو توترات دولية أو حالة استثنائية، في حين ما يحصل في لبنان هو ممارسات مسؤولين وفساد وسرقات وسيطرة طيف سياسي مسلح على الدولة اللبنانية وإقحامها بمعسكرات وتحالفات وأزمات أكبر من حجمها الطبيعي.

ويضيف “بوصعب”: “حتى وإن شكلت الحكومة الجديدة فلا شيء سيتغير في لبنان، ستبقى الكلمة لسلاح حزب الله، وسيبقى السياسيون ذاتهم في مناصبهم دون أي تغيير في نفوذهم، وسيجنوا المزيد من الأموال والسلطة، المشكلة ليست بشخص رئيس الحكومة ولا حتى بالوزراءت بقدر ما هي بنظام سياسي كامل قائم على الطائفية والفساد وتوريث المناصب والاتجار بالقضايا الوطنية”، معتبراً أن لبنان بحاجة لانقلاب كامل يطيح بكل ما قامت عليه الدولة اللبنانية، بدءاً من الدستور الذي أقر المحاصصة الطائفية وصولاً إلى طبقة القادة السياسيين.

يشار إلى أن الأمم المتحدة كانت قد حذرت نهاية العام الماضي، من اتجاه لبنان نحو الجوع والمجاعة، كاشفةً ان 55 بالمئة من اللبنانيين باتو تحت خط الفقر، وان أكثر من نصف تلك النسبة وصلوا إلى مرحلة الفقر المدقع.

وكان العام 2020 قد شهد تصاعداً في معدلات الانتحار في لبنان بسبب الأزمة المعيشية، حيث أقدم عدد من المواطنين اللبنانيين بينهم شبان وكبار سن على الإنتحار شنقاً أو بإطلاق النار، تاركين خلفهم رسائل تؤكد أنهم قرروا إنهاء حياتهم بسبب عجزهم عن تأمين تكاليفها.

ضمن الحديث عن توصيفات الحالة اللبنانية، يقول المحلل الاقتصادي، “سامر إبراهيم”: “أؤيد فكرة أن لبنان يتجه إلى مقتلة حقيقية، فالقتل ليس حكر على السلاح أو المفهوم التقليدي للكلمة، بل هناك أنواع قتل أكثر بشاعة تتمثل بالتجويع والإفقار والتجهيل، التي تعتبر إحدى أشكال القتل البطيء، وهو أسوء ما يشهده لبنان حالياً”، لافتاً إلى أن استخدامه لمصطلح “مقتلة” مبني على ان الطبقة السياسية قادرة على حل المشكلة إلا انها لا تمتلك الرغبة سواء لاعتبارات سياسية وصراعات نفوذ أو لاعتبارات الفساد وإيجاد هامش أكبر للسرقات.

كما يوضح “إبراهيم” أن لبنان حتى الآن لا يزال في مرحلة الفقر المدقع ولم يدخل بعد بشكل كامل إلى مرحلة المجاعة، لافتاً إلى أنه في حال استمرار الوضع على ما هو عليه الآن، فإن لبنان سيعيش حالة مزرية يموت فيها الناس وهم في الشوارع من شدة الجوع والهموم والفقر.

أساس المشكلة لا يحلها

الظهور الأخير للأمين العام لحزب الله، “حسن نصر الله”، الذي تحدث فيه عن تحركات مطلوبة من لبنان لحل أزمة الوقود عبر التوجه نحو إيران وتهديده بتحرك حزب الله بشكل منفرد لمواجهة تلك الأزمة، تحول بدوره إلى حالة مثيرة للجدل، حيث يرى الباحث في الشؤون اللبنانية، “محمد عيتاني” أن حزب الله وسياساته هم المشكلة وبالتالي لا يمكن له أن يكون جزءاً من الحل.

ويرجع “عيتاني” تصريحات “نصر الله” إلى رغبة الحزب بتحقيق عدة أهداف بعيدة تماماً عن ما هو معلن، موضحاً: “أول تلك الأهداف تحويل السوق اللبنانية إلى مكان تصريف للنفط الإيراني المكدس بفعل العقوبات الأمريكيةن وبالتالي خلق مورد مالي جديد للداعم الإيراني الذي يعاني من أزمة مالية ضخمة، وثاني تلك الأهداف هو إحراج الحكومة اللبنانية وتعليق الأزمة الحاصلة على شماعتها وبالتالي خروج الحزب من دائرة الاتهام بأنها أساس المشكلة”.

كما يبين “عيتاني” وجود أهداف أخرى لتصريحات “نصر الله” وهو محاولة رسم صورة المخلص للشعب اللبناني وتحقيق نقاط على حساب الدولة اللبنانية والأطياف السياسية الأخرى، لافتاً إلى أن استخدام “نصر الله” للخطاب العاطفي خلال كلمته، كان مؤشراً على رغبة الحزب بالتقرب أكثر من الشعب اللبناني.

في ذات السياق، يضيف “عيتاني”: “نصر الله في خطابه أراد من الشعب اللبناني أن ينسى المعابر غير الشرعية وتهريب القطع الأجنبي والوقود والأدوية من لبنان إلى سوريا وأن ينسوا كوارث حكومة حسان دياب وانفجار المرفأ والعقوبات المفروضة على لبنان بسبب سياسات حزب الله، وخطفه للدولة اللبنانية، وأن يتذكروا فقط أنه يملك مفاتيح حل الأزمة التي خلقت أساساً من ممارسات حزب”، معتبراً ان مبدأ حزب الله لاستعادة شعبيته في لبنان قائمة على أساس خلق المشكلة ومن ثم حلها.

يشار إلى أن اشتداد الأزمة المعيشية في لبنان وصل إلى قطاع الأدوية، حيث أعلن صيادلة لبنان إضراباً عاماً اعتبراً من الجمعة، احتجاجاً على انقطاع مجموعة واسعة من الأدوية بالإضافة إلى فقدان حليب الأطفال، ما يهدد بكارثة حقيقية بالنسبة للمرضى والأطفال اللبنانيين.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.