لا زيارات سرية بعد اليوم.. مقدمة جديدة لاستقلال العراق عن إيران

هيئة التحرير

إسماعيل قاني، يدخل العراق بصورة رسمية، عنوان يرى فيه مصدر خاص بمرصد مينا، منعطف جديد في شكل العلاقة بين بغداد وطهران، أكثر من كونه خبر اعتيادي أو خبر زيارة تقليدي، لا سيما وأنه يتعلق بخليفة “قاسم سليماني”، عراب الميليشيات والزيارات السرية إلى العراق، لافتاً إلى أن هذه الزيارة تؤسس عملياً لمرحلة ما بعد النفوذ الإيراني.

وكانت وسائل إعلام عراقية قد نشرت خبر وصول قائد فيلق القدس، “إسماعيل قاني” إلى مطار العاصمة بغداد، ضمن وفد رسمي وبعد الحصول على تأشيرات رسمية وفي زيارة معلنة.

زيارات الظلام واجتماعات الليل

خلافاً لكافة الزيارات، التي يجريها مسؤولو دول العالم للدول الأخرى، فإن زيارات المسؤولين الأمنيين الإيرانيين إلى العراق منذ عام 2003، خاصة لمن تولوا منصب قائد فيلق القدس، كانت تتم بسرية كاملة وفي الظلام، بحسب ما يرويه المصدر، مضيفاً: “منذ 2003 لم تسجل الحكومة العراقية أي زيارة رسمية لقاسم سليماني إلى العراق، كما أنه لم يلتق خلال زياراته التي كان معظمها يتم بأسماء وهمية، سوى بقادة الميليشيات، بعيداً عن عدسات الإعلام والوفود الرسمية، هم كانوا يتنقلون بين سوريا ولبنان والعراق وكأنها مدن إيرانية وليست دول ذات سيادة”.

وبحسب الأنباء المسربة، فإن آخر زيارة “لسليماني” إلى العراق، والتي قتل خلالها، تمت بإسم مستعار استخدمه الجنرال الإيراني في انتقاله من سوريا إلى العراق، لمنع أي جهات خارجية من تتبعه.

أهمية الإعلان عن زيارة “قاني” ورسميتها، يختصرها المصدر بأنها لن تسمح له بإجراء أي لقاءات أو محادثات خارج الإطار الرسمي المحدد في برنامج العمل، لافتاً إلى أن رسمية تلك الزيارة تحمل العديد من الرسائل؛ أولها أن العراق لم يعد كما كان مسرحاً لتحركات القادة الأمنيين الإيرانيين، إلى جانب أنها ستحد من قدرة الحرس الثوري على التواصل مع قادة الميليشيات على الأرض العراقية.

وكانت وسائل الإعلام العراقية قد أكدت في سياق تناولها للخبر، أن رئيس الوزراء العراقي الجديد، “كاظمي”، قد أصدر تعميماً بعدم السماح لأي سياسي أو عسكري أجنبي بالدخول إلى العراق إلا ضمن وفد رسمي حصراً وبالطرق المعلنة.

سلاح الغرب وعلاقات متشابكة

الحديث عن مهام حكومة “الكاظمي”، يعني النفوذ الإيراني بالدرجة الأولى، بحسب ما يشير إليه المصدر، خلال تناوله لطبيعة الأهداف، التي تضعها الحكومة العراقية أمامها، لافتاً إلى أن الحكومة الحالية تعتبر الحكومة الأكثر دعماً وتأييداً من الولايات المتحدة منذ تسليم الحاكم المدني للعراق، “بول بريمر” السلطة إلى العراقيين، وهو ما اعتبره نقطة قوة تساعده على مواجهة النفوذ الإيراني المتجدر في العراق منذ عقود، والذي مهدت له حكومة “إبراهيم الجعفري” ورسخته حكومة “نوري المالكي”.

كما أضاف المصدر: “قد يكون عادل عبد المهدي مرشحاً غير مرغوباً به من إيران، إلا أنه كان أضعف من أن يحد من نفوذها، على عكس الكاظمي، الذي ساعده منصبه كرئيس للمخابرات العراقية على تشكيل علاقات قوية مع الغرب، خلال عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش”، لافتاً إلى أن إيران باتت تدرك بأنها بحاجة إلى خطة “ب” للحفاظ على وجود لها في العراق.

وكانت ميليشيات حزب الله العراقي المدعومة من إيران، قد اتهمت “الكاظمي” صراحة بالضلوع في عملية استهداف “سليماني” في العراق، خاصةً مع ظهور معلومات تشير إلى وجود خرق أمني في عملية اغتياله.

تكتيكات جديدة ونفوذ مهدد

غالباً ما يستهدف الدعم الأمريكي لجهة أو شخصية في الشرق الأوسط، نفوذ إيران في المنطقة، يقول المحلل السياسي “حسام يوسف” لمرصد مينا، مشيراً إلى أن إيران باتت مطالبة اليوم بإدراك حقيقة أن دعم الميليشيات والعمل على إثارة التوتر في مناطق نفوذها بات تكتيكاً قديماً لا يلائم الظروف الدولية الراهنة، وأن علاقتها مع العراق بدأت تدخل منعطف كبير ومرحلة جديدة، قائمة على علاقات دولة مع دولة، بدلاً من دولة مع ميليشيات.

كما يرى”يوسف” أن الخيارات حالياً أمام إيران للاحتفاظ بشيء من نفوذها في العراق وحتى في بقية دول المنطقة، تتمثل بقبول حقيقة فشل التعاطي العسكري والخطط الميليشيوية والتوجه نحو النفوذ الاقتصادي أو المصالح السياسية، موضحاً: “حصار ميليشيات إيران لا يقتصر فقط على العراق وإنما أيضاً في سوريا ولبنان على أقل تقدير، ومن الممكن أن ينتقل لاحقاً إلى اليمن، وهو ما يعكس وجود رغبة حقيقية بالحد من القوة الإقليمية لإيران بشكل عام”.

وكانت الميليشيات الإيرانية في سوريا قد تعرض خلال الأسابيع الماضية، لسلسلة غارات جوية يعتقد أنها إسرائيلية، كما يعاني حزب الله اللبناني المدعوم من الحرس الثوري؛ من حصار كبير على الساحة لدولية بعد تصنيفه كمنظمة إرهابية محظورة في أوروبا والولايات المتحدة، إلى جانب تعالي الأصوات اللبنانية المطالبة بإسقاط سلاحه.

في السياق ذاته، يشكك “يوسف” بقدرة إيران على الاستمرار في سياسة المكابرة والمضي أكثر في التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، مرجحاً أن تتخذ إيران خطوة إلى الوراء في عمليات دعمها للميليشيات في العراق، لفتح باب تفاوضي مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن استمرارها بالنظرة التقليدية لسياسة تصدير الثورة بالسلاحوالفوضى الخلاقة، كفيلة بأن افقد إيران كل ما اكتسبته بعد عام 2003، والبداية ستكون من العراق، على حد قوله.

الليبرالية السياسية في مواجهة الطائفية

أول معالم تراجع النفوذ الإيراني في القرار العراقي، يجملها النائب الكردي، “سركوت شمس الدين”، بأن “الكاظمي” شخص ليبرالي بعيد عن الطائفية، التي اتخذتها إيران عنواناً رئيسياً في تشكيل نفوذها في العراق، مضيفاً: “لا يريد رئيس الوزراء أن يتسبب في مشاكل مع إيران، لكنه فقط مؤيد للعراق، ويدرك أيضًا أنه لا يمكننا البقاء على قيد الحياة الآن بدون دعم أميركي”.

وسبق “للكاظمي” أن زار قبل أسابيع قليلة مركز هيئة الحشد الشعبي، المدعوم من إيران، كما صرح في وفت سابق بأن برنامج عمل حكومته يقوم على التوازنات السياسية وعدم إقحام العراق بأي نزاع بين الولايات المتحدة وإيران.

من جهتها، نقلت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية عن مسؤول غربي تأكيده بأن تعيين “الكاظمي” في منصب رئيس الوزراء، يعكس حقيقة أن قائد فيلق القدس “إسماعيل قآني”، فشل في أن يحل محل “سليماني” في العراق، لافتاً إلى أن الأخير كان يمتلك تأثيراً كبيرا على القرار العراقي، وهو ما يفتقده خلفه.

في السياق ذاته، يجدد المحلل “يوسف” تأكيده لمرصد مينا، بأن قدوم “الكاظمي” إلى رئاسة الحكومة، يستهدف شل حركة الميليشيات الطائفية وضبط نفوذها، مشيراً إلى أن الأيام القادمة وبعد استقرار الأوضاع في العراق عموماً وحلحلة بعض القضايا الداخلية، فإن الحكومة ستتخذ المزيد من الإجراءات تجاه الميليشيات وقاداتها وسلاحها، خاصةً وأنها تتعامل مع هذه القضية وفق سياسة النفس الطويل.

وكانت الشرطة العراقية قد أعلنت منتصف الشهر الماضي، اعتقال مجموعات ميليشوية في محافظة البصرة جنوب العراق، بعد إطلاقها النار ضد المتظاهرين وتسببها في مقتل متظاهر، وهو ما يعتبر سابقة في تاريخ العراق الحديث.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©