لبنان.. إلى أين؟

بعد اندلاع الاحتجاجات اللبنانية بنحو أسبوعين استقال رئيس الحكومة “سعد الحريري”، وهذه الاستقالة فتحت باب التفسيرات على مصراعيه، فالعديد من التفاسير والتأويلات التي رافقت هذا الحدث الهام، فعائلة الحريري مرتبطة بكرسي رئاسة الحكومة منذ أيام “رفيق الحريري” والد سعد الذي اغتيل في شباط 2004م.

لكن “سعد الحريري” عندما طُلب منه تشكيل حكومة جديدة فإن الأمر قد تجمد هنا، ولم يتمكن من التقدم خطوة واحدة، فهو يريد أن يلبي مطالب الشعب اللبناني بتشكيل حكومة كفاءات، لكنه لن يستطيع أن يجمع الشخصيات الكفء والرضى الدولي المرتبط بالدعم المادي الممنوح للبنان وفق توزيع الحقائب على العائلات والجماعات السياسية في لبنان.

فما هو الحل؟​

حزب الله ذو التأثير القوي على مصنع صنع القرار اللبناني، رشح “محمد الصفدي” وهو وزير سابق في حكومة الحريري، لكن الأخير وبناء على معطيات الواقع وضغط الشارع رفض تولي المهمة، ومن غير الواضح حتى اليوم من هي الشخصية القادرة على تشكيل حكومة في لبنان، إلا أن نفوذ حزب الله ما زال قوياً في كل من القصر الرئاسي، وتحت قبة البرلمان، الأمر الذي أدركه الشارع اللبناني سريعاً، ما وضعه بمواجهة مع الحزب الذي يمثل تطلعات إيران في المنطقة.

فالرئيس “ميشال عون” هو حليف لمليشيا “حزب الله”، وفي الانتخابات النيابية التي أجريت عام 2018 ،فاز حزب الله وحلفاؤه بأكثر من 70 مقعد من أصل 180 مقعد في البرلمان، فالبرلمان الذي يرأسه “نبيه بري” حليف مليشيا حزب الله أيضاً، لن يخذل صديقه ويقدم موافقة على تقليص نفوذ حزب الله ومؤسساته في لبنان.

وأي حكومة موالية لحزب الله الذي يمسك برهائن سياسية كبيرة في لبنان، لن تكون قادرة على تحصيل قبول شعبي، ولن تتمكن أيضاً من تفادي أي كارثة اقتصادية قد تلم بالبلد الذي لم يتعافَ اقتصاده بعد، وبذلك قد يجد لبنان نفسه بمفرده، وكأنه فنزويلا الشرق الأوسط، كما يرى خبراء.

لكن إسرائيل تريد القضاء على قوة حزب الله في لبنان بداية وفي المنطقة، شأنه شأن كل المليشيات الإيرانية التي عملت وتعمل إسرائيل منذ أشهر على ضربها وشل حركتها، وهذا ما يفاقم الوضع اللبناني، ويجعله عالقاً في عنق الزجاجة، حيث تضغط إسرائيل على المجتمع الدولي لقصم المليشيا المنفذة لمخططات إيران، بينما تجد الأوساط السياسية اللبنانية نفسها رهينة لمليشيا حزب الله.

وبالرغم من من أن جوهر هذه الاحتجاجات هو اقتصادي، حيث بدأ الضغط المالي قبل ثورة 17 تشرين الأول، مما دفع “المصرف المركزي” -مصرف لبنان- إلى تقنين الدولارات في أيلول، ثم اشتد الضغط حين اتضح أن استراتيجية خفض الاختلالات المالية عبر زيادة الضرائب غير المباشرة وتخفيض الخدمات، أدت إلى تردي الأوضاع الاجتماعية، وتناهز نسبة الفقر بين الشعب الـ ً العامة لم يعد مقبولا ً لتقدير -البنك الدولي-، كما أن معدلات البطالة مرتفعة، بينما بلغت هجرة أصحاب المهارة 30 ٪وفقا من الشباب مستويات قياسية.

وعلى الرغم من أن حزب الله يعاني من أزمة مالية خانقة اليوم، بسبب العقوبات الأمريكية على جميع أذرع تمويله، إلا أنه ما زال يملك أوراق ضغط داخل لبنان، وأداة ضاغطة خارج لبنان المتثملة بالسياسة الإيرانية.

إلاّ أنه لا يمكن فصل السياسية عن الاقتصاد، فالأزمة التي فجرها تردي الأوضاع الاقتصادية في لبنان، من المفترض أن تحلها السياسة، إلاّ أن الأخيرة وجدت نفسها عالقة بين مطالب الشعب والمجتمع الدولي، وبين الرهانات الداخلية، ومستمسكات الضغط من جهة ثانية.

ومع تمسك هذه الطبقة السياسية بالسلطة، سوف تتفاقم الأزمة الاقتصادية لا محالة، وسنشهد انخفاض سريع في قيمة الليرة اللبنانية في السوق غير الرسمية، وفي غياب التدابير التصحيحية، ستواصل الليرة اللبنانية خسارة قيمتها في المرحلة المقبلة مع إمكانية خروج الأمور عن السيطرة إذا استمر استنزاف الاحتياطي، من القيادات ومن أجل إدارة البلاد.

ويرى خبراء السياسة أنه، يجب تشكيل حكومة انتقالية من اختصاصيين معروفين بحيادهم بدلا من الحالية، ومن شأن هذه الهيئة أن تكون مقسمة إلى ثلاثة أجزاء: اقتصادية ودستورية وقضائية. وقد تركز اللجنة الاقتصادية على إخراج الاقتصاد اللبناني من الهاوية، بينما تقوم اللجنة الدستورية بوضع قانون انتخابي جديد يضمن التمثيل الصحيح ولا يقوم على أساس طائفي، في حين تسن اللجنة القضائية القوانين المناسبة للتحقيق في قضايا الفساد الراهنة التي تسببت في أزمة لبنان الاقتصادية الحالية، وكذلك لمنع الفساد والتهرب الضريبي.

وبالرغم من أن السبب الجذري للصعوبات الاقتصادية في لبنان يكمن في فقدان البلاد سيادتها، فالأمين العام لحزب الله –حسن نصر الله- أكد أن عقيدة الحزب ووجوده السياسي والعسكري يتبعان المرشد الأعلى للجمهورية حيث أقر ذلك بشكل علني.

ولا يمكن لأي دولة أن تستقر أو تزدهر إذا كانت قراراتها السياسية والعسكرية المهمة خاضعة لقوة خارجية أو غير شرعية.

وعندما يصبح تنفيذ الأجندة الإيرانية أكثر أهمية لهذه الطبقة السياسية من معالجة الاقتصاد المحلي وتلبية احتياجات الشعب، لا يمكن للبلاد أن تزدهر، وعلى الرغم من كون جوهر الاحتجاجات اقتصادي، إلا أن خطاب الشارع قد تطور خلال الأسابيع الماضية ليتطرق إلى الجذور الأعمق للمشكلة.

وليس من قبيل الصدفة أن يكون اثنان من بين أكثر السياسيين الفاسدين الذين ينتقدهم المتظاهرون – رئيس مجلس النواب نبيه بري ووزير الخارجية جبران باسيل – هما حليفان على نظام رئيسيين لـ “حزب الله”، بحسب ما يرى خبراء.

فكما تجاوزت مطالب الاحتجاجات المشكلات الاقتصادية، حيث بدأت التركيز على مبدأ الكفاءات وليس المحاصصة السياسية المبنية على الانتماء الطائفي والموازيين للتركيبة المجتمعية، والتي قادت البلاد في العقود الماضية إلى النتيجة الحالية.

إذ يجب البحث والتركيز على قانون انتخابي غير طائفي من شأنها أن تؤدي إلى انتخاب برلمانية جديدة، ورئيس جمهورية جديد، وحكومة جديدة، وهناك وعي واضح في الشوارع بأنه لا يمكن إحياء الاقتصاد مع النظام السياسي الطائفي نفسه.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.