
فيما كانت النقاشات لا تزال جارية في القصر الرئاسي في بيروت حول ما إذا كان ينبغي إدراج مسألة نزع سلاح «حزب الله» أصلًا على جدول الأعمال، ظهر المتحدث باسم الميليشيا المدعومة من إيران، نعيم قاسم، على شاشة التلفزيون ليعلن: «لا يمكننا أن نقبل بأن يتخلى لبنان تدريجيًّا عن عناصر قوّته بينما تبقى كل الأوراق في يد العدوّ الإسرائيلي».
ورغم مقاومة «حزب الله»، تبنّت الحكومة خارطة طريق: بحلول نهاية شهر آب، يجب على الجيش أن يقدّم خطة توضّح أي الأسلحة سيُصار إلى جمعها ومتى. وبحلول نهاية العام، ينبغي ألّا يمتلك «حزب الله» أي صواريخ أو قذائف هاون، وفق ما أعلن رئيس الوزراء نواف سلام. وقد انسحب وزراء الحزب احتجاجًا من الجلسة بشكل استعراضي.
بالنسبة للبنان، فإنّ مثل هذا النزع للسلاح سيكون خطوة تاريخية — إذ يمكن للدولة، ولأول مرة منذ أربعة عقود، أن تستعيد احتكارها لاستخدام القوة. كثير من المواطنين يدعمون الخطة، خصوصًا وأن «حزب الله» كان يمتلك في وقت من الأوقات ما يصل إلى 150 ألف صاروخ. لكن حتى الآن، تبقى هذه مجرّد كلمات. وما إذا كانت الميليشيا ستتخلى حقًّا عن ترسانتها لا يزال أمرًا مجهولًا.
يتخيّل المراقبون في بيروت عدّة سيناريوهات: ضربات إسرائيلية جديدة تليها ردود من «حزب الله»، أو اندلاع حرب أهلية جديدة، أو ربما لا شيء على الإطلاق — وهو ما سيكون على الأرجح السيناريو المفضّل للحزب.
تأسس «حزب الله» في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي (1982–2000)، ورفض دائمًا التخلّي عن سلاحه، بل وجّه هذا السلاح في ما بعد ضد خصومه في الداخل. ولطالما اعتبرته طهران حجر الزاوية في ما يُسمّى بـ«محور المقاومة». لكن منذ مقتل أمينه العام حسن نصرالله في خريف عام 2024، بات التنظيم ظلًّا لما كان عليه سابقًا.
بعد أن تكبّد خسائر فادحة، وافق الحزب مؤخرًا على هدنة هشّة مع إسرائيل — صفقة يراها أقرب إلى الاستسلام منها إلى التفاهم. وفي أجزاء من جنوب لبنان، سلّم بالفعل بعض الأسلحة إلى الجيش. غير أنّ قاسم يؤكد أنّ نزع السلاح لا يمكن أن يبدأ إلا بعد انسحاب إسرائيل من مواقعها الحدودية.
الرئيس المنتخب حديثًا، جوزف عون، تعهّد في كانون الثاني باستعادة احتكار الدولة للقوة — ولكن فقط عبر الحوار مع «حزب الله». غير أنّ المحادثات خلال الأشهر الماضية لم تُحرز أيّ تقدّم. كثير من اللبنانيين، خصوصًا من المسيحيين والسنّة، نفد صبرهم منذ زمن تجاه الميليشيا. بل إنّ عددًا من الشيعة أنفسهم يتهمون الحزب بجرّهم إلى حرب لم تجلب سوى الدمار، بعدما توقفت طهران عن دفع التعويضات وباتت قرى بأكملها مدمّرة.
ربطت الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج تقديم المساعدات المالية للبنان بنزع سلاح «حزب الله». لكن لا توجد ضمانات بأن إسرائيل ستوقف ضرباتها في المقابل.
في هذه العملية، وضعت الاتحاد الأوروبي نفسه قبل كل شيء في موقع الوسيط. وتشير بروكسل إلى القرار الأممي 1701، مؤكدةً أنّ نزع السلاح التدريجي القائم على التوافق هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار الدائم. ويحذّر الدبلوماسيون الأوروبيون من أنّ أي خطوة قسرية قد تهدّد توازن لبنان الهشّ بدلًا من أن تحميه. وبدلًا من ممارسة الضغط، يدعو الاتحاد إلى حوار شامل بين جميع الأطراف اللبنانية، متعهّدًا بتقديم المساعدة في إعادة الإعمار والإصلاح — ولكن فقط بعد تحقيق تقدّم ملموس. وهكذا يقدّم الأوروبيون أنفسهم لا كقوة ضاغطة، بل كضامن محتمل لحلّ سياسي.
يواجه «حزب الله» الآن معضلة حادّة: فرفض نزع السلاح يهدّد بحرب أهلية وعزلة، بينما القبول به قد يؤدي إلى انقسامات داخلية، إذ يتعهّد المتشدّدون بعدم التنازل مطلقًا. ولا يزال كثير من الشيعة يعتبرون السلاح ضمانةً لمكانة طائفتهم في التوازن الطائفي الهش للبنان.
أما ردّ الميليشيا على قرار الحكومة فجاء على طريقتها المعتادة: التعامل مع الإجراء كما لو أنه غير موجود. إنها الاستراتيجية المألوفة — كسب الوقت على أمل أن تمرّ العاصفة.
يبقى غير واضح ما إذا كانت الأمور ستختلف هذه المرة. لكن وزير الخارجية اللبناني بدا حازمًا بقوله: «هذا القرار نهائي ولا رجعة فيه». وكل ما يمكن أن يفعله كثير من اللبنانيين هو أن يأملوا أن يكون على حق.







