لتجنب خسارة مدوية.. سيناريو انقلاب أبيض يلوح في أفق تركيا

مع الإطاحة بالذراع الإعلامية للحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية الحاكم، الصحافي “إبراهيم قرغول”، من رئاسة تحرير صحيفة يني شفق، الموالية للحكومة، يتزايد الحديث عن حالة انقلاب أبيض عام داخل مؤسسات الدولة التركية والأذرع الموالية لها، فيما يشبه حالة إعادة انتاج النظام بكامل هياكله، قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، بحسب ما يراه المحلل السياسي، “مراد يلدرم”.

ويضيف “يلدرم” نقلاً عن مصادر من الرئاسة التركية: “الأشهر المقبلة ستشهد المزيد من الإقصاءات داخل الحكومة ومفاصل اتخاذ القرار خاصة على المستويين الاقتصادي والإعلامي”، مرجحاً أن يتجه الرئيس التركي نحو تعديلات وزارية تطال الفريق الاقتصادي والإعلامي للحكومة، خلال العام المقبل.

يشار إلى أن تركيا شهدت خلال الشهرين الماضيين، عدة إقصاءات لمسؤولين أتراك بارزين جداً، أهمهم وزير المالية السابق وصهر الرئيس، “بيرات آلبيرق”، وحاكم المصرف المركزي “مراد أويسال”، بالإضافة إلى مستشار الرئيس ومسؤوله المقرب، “بولنت آرينج”.

بين انقلابين.. اختلافات الأمس واليوم

أهم ما يجب تمييزه في حالة الانقلاب الحالية، داخل الحكومة التركية، كما يسميها “يلدرم”، هو حالة الاختلاف بينها وبين الانقلاب الأبيض، الذي وقع عام 2014، تزامناً مع تولي “أردوغان” منصب الرئاسة، موضحاً: “في 2014، ارتبطت حملة الإقصاءات ضد الحلفاء؛ بالصراع على السلطة وتبدلات شكل الحكم، بين أردوغان وحلفائه أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان وعبد الله جول، أما اليوم الحملة مرتبطة بالخطورة المحيطة بمستقبل الحزب والحكم ككل خلال الانتخابات القادمة”.

كما يعتبر “يلدرم” أن حملة الإقصاءات خاصة للفريق الاقتصادي تهدف إلى تحسين وضع الحزب وتقويته شعبياً في مواجهة المعارضة الآخذة بالتصاعد، خاصةً مع تراجع المؤشرات الاقتصادية والمالية والتنموية في البلاد ككل.

يشار إلى أن العام 2014، شهد استقالة كل من رئيس الحكومة، “أحمد داوود أوغلو” ووزير الاقتصاد، “علي بابا جان”، احتجاجاً على التعديلات الدستورية، التي نقلت الصلاحيات التنفيذية من رئيس الحكومة إلى مؤسسة الرئاسة، ما اعتبر حينها انقلاب على الدستور التركي، ومؤشر على صراع صلاحيات داخل الحزب الحاكم، يقوده الرئيس “أردوغان”.

في السياق ذاته، يشير الباحث في الشؤون التركية، “عمر أميرلاي” لمرصد مينا، أن الرئيس التركي عام 2014، كان يخوض حرباً داخلية ضمن كوادر الدولة، أما اليوم فالمعركة أكثر خطورة خاصة وأن الشعب التركي قد يكون طرفاً فيها، مستبعداً أن تكون حملات الإقصاء الحالية بسبب خلافات داخل الحكم ونزاعات شخصية، بقدر ما هي محاولة لتحسين شعبية الحكومة قبيل الانتخابات الرئاسية، والتي استوجبت القيام ببعض التعديلات في المشهد الحكومي والاقتصادي، على حد قوله.

ضرورات التغيير وأجراس الخطر

ضرورة التعديلات في شكل الحكم ووجوهه البارزة، بدأت تفرضها الهزيمة، التي مني بها الحزب الحاكم خلال الانتخابات البلدية الأخيرة، والتي أفقدته حكم ولاية اسطنبول، لصالح المعارض “أكرم إمام أوغلو”، وفقاً لما يقوله “أميرلاي”، لافتاً إلى أن تلك الهزيمة أحدثت صدمة بينت أن الحزب الحاكم يمر بأزمة مع الناخب التركي، لا سيما مع إعادة الانتخابات وتأكيد فوز “أوغلو” بالمنصب.

وكان الحزب الحاكم قد خسر أيضاً خلال الانتخابات البلدية عام 2019، حكم عدة ولايات، بينها العاصمة أنقرة، والتي كان يحكمها منذ تأسيسه عام 2001.

يضيف “أميرلاي”: “خسارة الانتخابات البلدية كانت الشرارة، التي نبهت الرئيس التركي إلى خطورة الموقف، إلا أنها لم تكن كافية لإحداث تغييرات جذرية، ليقتصر التعديل حينها على بعض المناصب بينها حاكم المصرف المركزي وعدد من الوظائف”، مشيراً إلى أن العام 2020 وقدوم جائحة كورونا والانهيار المتواصل للاقتصاد، الذي أثر على الحزب وزاد من قوة المعارضة زاد من قناعة الرئيس بضرورة خلط الأوراق وإحداث تغييرات أشبه بالانقلاب الأبيض.

يذكر أن استطلاع للرأي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، أظهر أن تركيا على حافة الانفجار وثورة جياع تلوح في الأفق، لا سيما وأن ربع المستطلعة آراءهم أكدوا عجزهم عن تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وجوه المعارضة الجديد.. وبيانات صادمة

انضمام حلفاء سابقين للرئيس التركي إلى معسكر المعارضة بشكل علني، وفي مقدمتهم “داوود أوغلو”، زاد من إدراك “أردوغان” لصعوبة الموقف، خاصةً مع تركيزه على الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وفقاً لما يقوله المختص بالشؤون التركية، “حسن السيد علي”، مضيفاً: “أردوغان يعلم أن انتقال حلفائه السابقين إلى الضفة المقابلة، يعني أن الانتخابات القادمة لن تكون كسابقتها، خاصةً وأن أوغلو وباباجان كانا من أركان النظام، وقادرين على تفجير فضائح وتجاوزات كفيلة بتغيير الكثير من الأمور قبيل الانتخابات”.

وكان “أوغلو” قد تحدث مؤخراً عن قصة صعود “ألبيرق” داخل الحكومة، كاشفاً ان وجوده في البرلمان التركي ومن ثم توليه مناصب قيادية في الدولة كان بأوامر مباشرة من الرئيس “أردوغان”، كما تحدث أيضاً عن خسائر الليرة التركية في ظل وجود “آلبيرق” في وزارة المالية، والتي قال إنها خسرت 160 بالمئة من قيمتها المسجلة عام 2014.

إلى جانب ذلك، يؤكد “السيد علي” أن سياسة “أردوغان” في مواجهة المعارضة قائمة على أمرين، الأول تحسين الظرف الاقتصادي والمعيشي عبر فريق عمل جديد، والثاني على التخلص من كافة الشخصيات الجدلية والتي من الممكن أن تستغل المعارضة وجودها في الحكم لضرب الحملة الانتخابية له.

يشار إلى أن الاقتصاد التركي شهد خلال العام الجاري، سلسلة انتكاسات بدأت بفقدان الليرة التركية 30 بالمئة من قيمتها، بالإضافة إلى ارتفاع مستوى خط الفقر إلى 7973 ليرة للعائلة شهرياً وفقاً للتقرير السنوي الصادر عن اتحاد نقابات عمال تركيا.

كما كشف اتحاد نقابات العمال، أن نسبة البطالة في البلاد خلال العام الجاري، وصلت إلى 26.4 بالمئة، لا سيما مع انتشار وباء كورونا.

في السياق ذاته، يعتبر “السيد علي” أن نتائج استطلاعات الرأي ونتائج انتشار وباء كورونا والأزمات الاقتصادية والمعيشية، خلقت قناعة لدى الرئيس التركي، والدولة العميقة في تركيا، أن خطابات الشعارات العاطفية والحديث عن المؤامرات الخارجية لن يكون كافٍ لتجاوز استحقاق الانتخابات القادمة عام 2023، وأن الظروف تحتاج إلى تبديلات في الواجهة الحكومية تحديداً على المستوى الاقتصادي.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©