لماذا فشلت المعارضة السورية في صوغ مشروع وطني جامع

AFP

محمد خالد الشاكر: دكتوراه دولة في القانون الدولي العام، باحث وأكاديمي.

بحث أكاديمي ودراسة تأصيلية حول أسباب فشل المعارضة السورية في الوصول بالثورة إلى أهدافها التي انطلقت من أجلها؛ بأسلوب علمي بعيد عن عقلية المؤامرة وبيان أخطاء الذاتي الذي كان سبباً في تغول الموضوعي من خلال المحاور الآتية:

  • التناقضات البنيوية بين قوى الثورة وقوى المعارضة.

أولاً: أسباب الفشل.

  • عقدة احتكار السلطة.
  • غياب الفلسفة الثورية.
  • عدم فهم العلاقات غير المنظورة للنظام.
  • التكتلات ما دون الوطنية.
  • خطيئة نقل المعارك العسكرية إلى داخل المدن.
  • غياب الرؤية الاستراتيجية.
  • فقدان العمل المؤسساتي.

ثانياً: مقومات المشروع الوطني.

  • صناعة القوة الثالثة في إطار المشروع الوطني الجامع.
  • وضع آليات تنفيذية لمأسسة العمل.
  • عدم إنجاز دستور يحقق تطلعات الشعب المنشودة.
  • الخلاصة.

المدخل

لا يختلف اثنان حول مدنية الانتفاضة السورية وانسجامها، فقد شارك في بداياتها معارضون من أنواع الطيف السوري كله؛ علويون ومسيحيون وكرد وقوميات مختلفة، قابل ذلك تباين واختلاف بين قوى المعارضة السورية، التي ظلت منذ بدايات تشكيلها تركيبة غير منسجمة، راوحت آليات عملها بين المعارضين التقليديين للنظام، وأولئك الذين أتيحت لهم فرصة صناعتهم عبر الظهور الإعلامي، ليحجزوا أماكنهم من دون أي ضوابط، وآخرين استفادوا من علاقاتهم الخاصة مع الدول الإقليمية والعربية، ليكونوا (سفراء) داخل جسد المعارضة وقوى (الثورة) على حد سواء. استتبع ذلك تشكيلات ومجموعات سياسية، وتكتلات بمشارب ومرجعيات، وأفكار وحلول مختلفة ومتباينة، إلا أنّ المشكلة التي اعترضت آليات عمل المعارضة أنّ أغلبهم كانوا يرون في أنفسهم الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري.

 ومنذ الخلافات الفكرية والسياسية بين الكتلتين الأهم (هيئة التنسيق، والمجلس الوطني ومن بعده الائتلاف)، تداعت الخلافات البينية سياسياً وفكرياً، بين رافضٍ للتدخل الخارجي والعسكرة، وداعٍ إلى التغير الديمقراطي السلمي، وما بين الرؤيتين تبادلت أغلب أطياف المعارضة الاتهامات في ما بينها. فمنها من اتهم بمواقفه الرخوة تجاه سلوكات النظام بسبب عدم تأييده للعسكرة، ومنهم من اتُهم بالعمالة للخارج بسبب فخ العسكرة وتداعيات التدخل الخارجي. ما أدخل المعارضة السورية في صراعات بينية، جعلها غير متجانسة ومتناحرة في ما بينها، وربما أكثر من تناحرها مع النظام نفسه. الأمر الذي انعكس في قدرة قوى المعارضة جميعها في تقديم فلسفة ثورية موحدة، أو تقديم إطار نظري –في أقل تقدير- قادر على تعبئة السوريين نحو مشروع وطني جامع.

لقد ضمت كتلة المجلس الوطني في الائتلاف أغلب القوى السياسية من شخصيات مستقلة، وقوميين وشيوعيين، وكان للإخوان المسلمين -بوصفهم تنظيماً دولياً- فرصة أكبر في بلورة مشروعهم الخاص بهم، وتقديم مصالحهم، ساعدهم في ذلك تاريخية علاقاتهم مع الدول ووجودهم في الخارج، الذي ساعدهم على الحركة أكثر من غيرهم، فأصبحت ولاءات التنظيم تتقدم الولاء للوطن السوري، وبذلك تماهت توجهات الإخوان المسلمين مع توجهات حزب العدالة والتنمية في تركيا، بينما تغلبت مظاهر التشتت والفرقة على الآخرين. وفي غياب لأدنى المقومات أو المعايير التي تضطلع باختيار الفاعلي ، أصبحت الوصولية والشطارة، الطريق الوحيد الذي أفرز الواقع الذي نعيشه الآن. وهو الواقع الذي أوصل السوريين إلى قناعة لم يعودوا يفرقون في سخطهم بين النظام والمعارضة.

أولاً- أسباب فشل المعارضة السورية في صوغ مشروع وطني جامع

لم تفشل المعارضة السورية في تشكيل مشروع وطني جامع وحسب، ولكنها لم تمتلك أيضاً أدنى تصور لمشروع يقدم للسوريين بادرة حسن نية في الأمن والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. إذ فشلت (قوى الثورة والمعارضة)، في تأمين المناطق التي حررها الجيش الحر، وتأهيلها على الصعيد الإداري والخدمي، ما جعل هذه المناطق محض مناطق لصفقات تبادل النفوذ بين القوى الخارجية، قبل أن تتحول إلى ساحة للجماعات الإسلامية المتطرفة، التي تولد من رحم الفراغ والفوضى.

 على الصعيد السياسي، ومنذ المجلس الوطني تبنت المعارضة السورية فكرة العسكرة، ولكنها لم تقُدها أو توجهها، ما أوقع المعارضة السورية في أتون تدويل الصراع الذي قادته القوى الإقليمية، التي دفعت نحو أسلمة الحراك عبر حركات الإسلام السياسي بشقيه الشيعي المدعوم إيرانياً (المليشيات الإيرانية وحزب الله) أو السني المدعوم تركياً (الإخوان المسلمين وجبهة النصرة ومشتقاتها)، كعوامل شكلت المقتلة الفعلية للمعارضة السورية، التي أصبحت تدور في فلك هذه التركيبة، فقد فشل الائتلاف الوطني، الذي حلّ محلّ المجلس الوطني السوري، في أن يكون ذا فاعلية، كما فشل في الخروج من ثوب الأسلمة أو الترويج للفصائل الإسلامية التي انفردت على الأرض وكانت القوة العسكرية الوحيدة (قوى ثورة) توازي القوة السياسية (قوى المعارضة) بوصفهما مرجعيتين لما عرف بـ(الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة).

وعليه، وعلى الرغم من الكسب الدبلوماسي الذي توافر دولياً له، فشل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في توفير قيادة سياسية استراتيجية، قادرة على تمكين الإدارة المدنية المحلية، وتأكيد سلطتها على الثوار المسلحين، وتقديم الإغاثة الإنسانية، وبسط سلطة فعلية على الأرض في ظل غياب القيادة السياسية الموثوقة، ما فتح الباب لصراعات بينية وحالة من التشظي والفراغ والفوضى، في الوقت الذي كانت فيه حاجات الناس في المناطق المحررة تتزايد إلى توفير الأمن، وتسوية النزاعات، وتوفير إمدادات الغذاء والوقود والمأوى.

لم تتمكن المعارضة توفير إطار تمثيلي للمجالس المدنية والمجموعات المسلّحة المختلفة العاملة داخل الحدود السورية، ولم تنجح -حتى هذه اللحظة- في تمكين الهياكل القاعدية الأساسية، كي تصبح قيادة سياسية حقيقية للمعارضة، قادرة على إدارة مؤسّسات الدولة الرئيسة وتأمينها، بغرض فصلها عن النظام، بادرة حسن نية نحو التغيير الديمقراطي الدائم1، ما فتح الباب لتدخلات خارجية، ربطت مصالحها بمكونات بعينها، الأمر الذي أعطى إشارات واضحة إلى المجتمع الدولي وما عُرف بـ(أصدقاء الشعب السوري)، أنهم أمام معارضة بائسة غير قادرة على إدارة مدينة أو قرية، تزامن ذلك مع نزوع غير مبرر إلى تأييد الجماعات المتطرفة بما فيها تلك المصنفة دولياً، كجبهة النصرة، فقد أظهرت تصريحات أهم علمانيي الائتلاف تأييداً علنياً لجبهة النصرة، الأمر الذي أعاد حسابات المجتمع الدولي في ثنائية المفاضلة بين النظام والمعارضة. لا سيما أنّ قوى الثورة المدنية الوطنية، والحركات الإسلاموية المدعومة فكرياً وسياسياً وعسكرياً خارج الحدود.

هكذا أصبحت مناطق التغيير الديمقراطي المنشود ساحة للاقتتال والفوضى، الذي مهد في مراحل لاحقة لظهور الجماعات الإسلامية المتطرفة، كجماعات تأسس في الفراغ والفوضى.

بغض النظر عن بدهية احتكار النظام السوري للعمل السياسي منذ سنة 19722، يمكن تحديد الأسباب التي عوّقت صوغ مشروع وطني جامع للمعارضة السورية بما يأتي:

  • عقدة احتكار السلطة

احتكرت المعارضة الرسمية المهيمن عليها تركياً مفاصل المعارضة وقراراتها، فهمشت أغلب القوى الديمقراطية، وما بقي منها داخل الائتلاف لم يكن سوى اصطناعاً ديمقراطياً، لأحزاب لا تأثير لها وشخصيات علمانية محكومة بتوجهات الإخوان المسلمين وسيطرتهم، تماماً كما هو الحال في المجلس الوطني الذي ظلّ متخوفاً من خسارة السلطة، فعوق محاولات الانتقال إلى داخل سوريا كلها، وظل متردداً تجاه تشكيل سلطة انتقالية، خشية أن تحلّ هذه السلطة محلّه بوصفه ممثلاً للمعارضة السورية.

انسحبت آليات التفكير السياسي التي انتهجها المجلس الوطني، إلى الائتلاف الوطني وعادت إشكالية الإقصاء والاستئثار السلطوي للمعارضة السورية منذ إقصاء كثير من المعارضين وتخوين باقي منصات المعارضة بما فيها تلك المعترف بها في القرار 2254. ما يعيدنا إلى عقلية المجلس الوطني الذي كان يتخوف حتى من المعارضة في الداخل ( المجالس المحلية)، وقد ضغطت فرنسا عليه بغية تشكيل حكومة انتقالية في آب/ أغسطس، لكن المجلس ردّ بإعلان خطط لتوسيع عضويته، ما أدى إلى فشله فشلاً ذريعاً3، سواء في قيادة الداخل أم عبر تطوير نفسه، بعد أن تحول إلى محض هيكل تمثيلي، يفتقر إلى القدرات القيادية الحقيقية والقدرة التنفيذية. وكان المجلس قد أعلن في أوائل آذار/ مارس 2012 تأسيس قائمة طويلة من (المكاتب التنفيذية) أضفت عليه مظهر حكومة في المنفى، لكن لم تُفعّل أي منها تقريباً، أو توفير طواقم العاملين لتعمل بكامل طاقتها4.

  • غياب الإطار النظري، والفلسفة الثورية

أدى افتقار قوى الثورة والمعارضة السورية إلى فلسفة ثورية قادرة على امتلاك النظرية، إلى فشلها في دراسة بنية النظام الدولي، والعمل بواقعية العلاقات الدولية، وماهية المصالح بين الوحدات المكونة للنظام الدولي، إذ لم تكن التفاعلات الدولية والإقليمية على وجه الخصوص، تنطلق في التعامل مع الحالة السورية بوصفها دوغما أو كتلة واحدة تتعلق بحرية شعب أو موته، بقدر ما كانت تتعامل معها خارج النظام التقليدي للسياسة الخارجية، التي أصبحت تجنح للتعامل مع المعارضة عبر شبكات المصالح والنفوذ السياسي والاقتصادي، بينما كانت المعارضة السورية تسير خلف ما ترسمه لها مصالح هذه الدولة أو تلك.

3ـ عدم فهم العلاقات غير المنظورة للنظام

لا سيما علاقات النظام مع أطراف إقليمية ودولية عدة، بما فيها تلك الداعمة للمعارضة، إذ لم تتمكن المعارضة من فهم متغيرات العلاقات الدولية في المنطقة وتحولاتها، وتبدل أولويات النظام الدولي5، وعدم التعامل مع التفاوض بوصفه علماً. فما أقره القرار 2254 على سبيل المثال، أقل كثيراً مما قيل في جنيف، ويعود ذلك بسبب تغير الديناميات المحركة للنظام الدولي، بينما ظلت عقلية المعارضة –وهنا نقصد المعنية بالتفاوض- تطالب بمقررات جنيف، ما جعلها تخسر أكثر فأكثر. بالمقابل فقد وافقت الهيئة العليا للتفاوضات على تطبيق القرار 2254 ووضعت نفسها في مندرجاته، من دون قدرتها على قراءة التفسير التقني الحقيقي لهذا القرار، بينما وجد النظام في عقلية المعارضة فرصة ذهبية لشرعنة تعنته بعدم الامتثال للحل السياسي، مستفيداً من عامل الأسلمة، إذ شكلت معركة حلب تحولاً مفصلياً في تاريخ الصراع السوري، وضع المجتمع الدولي أمام قدرة جبهة النصرة على تكوين أول إمارة لها في سوريا، تزامن ذلك مع تسمية المعركة بـ(غزوة إبراهيم اليوسف)، بما لذلك كله من دلالات مقيتة في الذاكرة السورية. هذا على الصعيد العسكري، أما على الصعيد السياسي فقد استفاد النظام من رفع السقوف التي قد تتوافق مع جنيف1، لكنها تتعارض وواقعية القرار 2254 الذي لم يتحدث عن رحيل رأس النظام قبل بدء المرحلة الانتقالية، بقدر ما تحدث عن حكم مشترك بين النظام والمعارضة، وهو ما أعطى الفرصة للنظام للتذرع بعدم تطبيق القرار 2254، وخرق الهدن جميعها التي دفع ثمنها الشعب السوري. إذ خسرت المعارضة السورية بسبب سياسات الهيئة العليا وأدائها خلال عام من التفاوض، كل ما حققته خلال السنوات الخمس التي سبقت تأسيسها، بدءاً من كارثة حلب وانتهاءً بتمظهر عمليات التهجير القسري علناً.

4ـ الشخصنة والتكتلات ما دون الوطنية

تغلبت الشخصنة والتكتلات على أسس ما دون الوطنية في قيادات المعارضة وشخصياتها معظمها، فتورطت في الفساد والمحسوبيات، واشتغلت بمنهجية على إقصاء الكوادر الأكاديمية6، والشخصيات الوطنية المعروفة في مناطقها، الأمر الذي أعطى النظام حرية امتلاك المبادرة للتحكم في إدارة الصراع، منطلقاً من أخطاء المعارضة وارتهانها لأجندات وقناعات لا قبل للشعب السوري بها.

بالنظر إلى منصات المعارضة الثلاث (الرياض، القاهرة، موسكو) المعترف بها في القرار 2254، انفردت منصة الرياض التي تحوز دعماً إقليمياً معروف التوجهات بتمثيل المعارضة، وجرت بسبب قناعات من ورائها استعصاء في إدارة التفاوض استفاد منه النظام أكثر من أي وقت مضى. أما منصة موسكو فقد ظلت ثابتة في مواقفها كمعارضة لها تاريخ ضد النظام قبل الأزمة السورية، سواء لجهة رفض التسلح أو التدخل الخارجي أم مواقفها من حركات الإسلام السياسي وإيمانها بالدولة المدنية الديمقراطية، وقد أدت مواقفها هذه إلى استبعادها مدداً طويلة من واجهة مشهد المعارضة السورية. أما منصة القاهرة فقد ظلت بمواقف ضبابية، بسبب اقتصارها على ثلاثة أشخاص، كل منهم يحمل رؤية خاصة به. ويعتبر مسؤولون في هيئة التفاوضات –بحسب تصريحات لهم- أنّ منصة القاهرة (لم تعد محسوبة على مصر، وليس لمصر منها سوى اسمها)، الأمر الذي يترك كثيراً من التساؤلات حول توجهات المنصة وقناعاتها في الحل السياسي.

5ـ خطيئة نقل المعركة إلى داخل المدن

لم تكتف المعارضة السورية بمقتلة الانجرار نحو العسكرة، ولكنها انجرت وراء داعميها في الخارج بنقل المعركة إلى داخل المدن، وهي المقتلة التي أدخلت الصراع السوري في أتون كارثة إنسانية وسياسية، انعكست قبل كل شيء في أداء المعارضة، فقرار الشروع في معركة كبيرة، وبخاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ليس قراراً عسكرياً أو تكتيكياً بحتاً، وإنما جاء بقرار سياسي من الخارج، فكانت له تبعات أخلاقية كبيرة. فالقتال في المناطق الحضرية يؤدّي حتماً إلى حدوث أضرار مادية شديدة، وتفكّك اقتصادي، وتشريد جماعي، ويُثقل كواهل المقاتلين بوجوب توفير مقوّمات الإدارة الأساسية؛ والإمداد الغذائي لأعداد كبيرة من المدنيين، الذين سيتولد لديهم مشاعر الاستياء، عندما تفشل المعارضة في الارتقاء إلى مستوى التوقّعات. فإذا كان النظام السوري، قد بدأ بأعمال العنف في نطاق واسع، الأمر الذي دفع المعارضة إلى حمل السلاح، لكن وكما يعترف كثير من الناشطين، (أنّ خيار التسليح لم يكن خيارنا، ولكن الحدّ من نتائجه السلبية مسؤوليتنا الأخلاقية)7.

وفي هذا الخصوص نشر مركز كارينجي للشرق الأوسط دراسة أشار من خلالها إلى عدم رغبة فصائل الجيش الحر في دخول المدن التي أرادتها قوى تقف وراء تثوير الحالة الجهادية وتدويل الصراع في سوريا من خلال دخول المسلحين إلى مدينة حلب، الذي بدأ يوم 20 تموز/ يوليو. فقد عارض قادة الجيش الحر بدء معركة كبيرة في المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 2.5 مليون نسمة، وهي المحرّك للاقتصاد السوري. وقد صرح قادة في الجيش الحر أنهم غير قادرين على اعتراض طريق لواء التوحيد، وهو جماعة إسلامية مسلّحة جرى تشكيلها في تركيا قبل ثمانية أيام فقط من المعركة، إذ أصرّ لواء التوحيد على شنّ الهجوم. وبسبب ضغوط كهذه ظهر الجيش السوري الحر مع بدء المعركة وكأنه يتنازل عن دوره مرغماً، وظهرت عدم قدرته على أخذ زمام المبادرة، تجاه ممارسات لواء التوحيد وغيره من الجماعات الجهادية، التي تبعته في وقت لاحق، مثل جبهة النصرة المصنفة إرهابياً.8

6ـ غياب الرؤية الاستراتيجية

اتسمت المعارضة السورية بمحدودية فهم الواقع منذ يقينها بأنّ النظام سيسقط خلال أشهر، وقد انعكس هذا الفهم على أداء المعارضة منذ المجلس الوطني، الذي ركز على الهرولة لتعزيز مكانته بضمان الحصول على اعتراف خارجي، كونه يمثل إطار المعارضة الرئيس. وقد كان هذا الأسلوب المفضل لإثبات وجوده داخل سوريا، وتأمين تدفّق التمويل والتسليح اللذين يمكن أن يعزّزا شرعيته بين معارضي النظام جميعهم. وفي مراحل لاحقة حاول الائتلاف الوطني كسر الأنماط التقليدية للمجلس الوطني. فعلى الرغم من أنّ الإطار المكوّن للائتلاف الذي تضمن إحدى عشرة نقطة أسفرت عن تأسيسه، في مقدمتها تعهّده بالعمل على إسقاط نظام الأسد بشكل كامل، ورفض الحوار أو التفاوض معه. بعد ذلك بدأت تظهر قيادات في الائتلاف تعمل على الحل السياسي في محاولة لاستعادة السياسة في ظل تشتت العسكرة، فشهدت بدايات العام 2013 طروحات تضمنت إجراء حوار مع النظام السوري، وذلك بـ(إعادة كلمة السياسة إلى التداول، لتملأ مكاناً شاغراً، ولتفتح لأول مرة منذ بداية الثورة باباً لمقاربة دينامية، تستند إلى فعل الثورة على الأرض، وعمل المقاومة المسلحة، ومواجهة النظام ومحاصرته سياسياً).9

7ـ غياب العمل المؤسساتي القادر على تقاسم السلطة أو وراثتها

اعتمدت المعارضة على الدعم الخارجي بديلاً عن النهضة بالمشروع الوطني، ولهذا كله لم ترتق إلى ذهنية الثورة، القادرة على توليد قيادة، فاستهلكت معطيات الميدان والتضحيات الجسيمة التي قدمها السوريون، وأكثر من ذلك أنها استثمرت سلبياً فيها بدل تطويرها، ما ولّد معضلة أخرى تبدت في عزلة القيادة السياسية عن الجسد الثوري، الحال الذي انعكس على الذهنية الثورية ذاتها، التي ارتهنت للقرار الخارجي فكرياً وميدانياً. ظهر ذلك جلياً في سلخ القرار عن الحالة الثورية، تقدما، وتراجعاً، وهدناً على الجبهات، ولعل ما حصل في حلب أمضى دليل على ذلك.

ثانياً- مقومات المشروع الوطني الجامع

لا يمكن لأي مرحلة من مراحل التحول الديمقراطي أن تؤتى أكلها من دون وجود مقومات لمشروع وطني جامع، قادر في مرحلة من مراحل التحول الديمقراطي على إيجاد عقد اجتماعي يؤمن العلاقة بين المواطن والسلطة الحاكمة. ويمكننا في هذا الخصوص أن نعدد بعضاً من تلك المقومات:

1ـ صناعة القوة الثالثة في إطار المشروع الوطني الجامع

من غير المحتمل أن يكون انهيار النظام بالسهولة التي يتصورها بعضهم، والأرجح هو أن تجري عملية إعادة اصطفاف وترتيب داخل النظام نفسه، فقد تدفع قطاعات مهمة من جهاز الدولة، والحزب الحاكم، والجيش باتجاه تحوّل حاسم للتوصّل إلى حلٍّ تفاوضي للصراع، وقد أشار نائب الرئيس السوري فاروق الشرع إلى هذه القوة10، وهذا يعني أنّ هناك قوة ثالثة، أو بنية سياسية جاهزة داخل النظام مستعدة للعملية التشاركية، الأمر الذي يعني ضرورة وجود القوة الثالثة ذاتها داخل المعارضة، بحيث تكون قوة فاعلة غير منفعلة، قادرة على أن تحقق تطلعات السوريين في دولتهم المدنية الديمقراطية، وهذه مهمة ستكون أسهل في إطار التعامل مع القوى العقلانية داخل النظام. وحتى لو لم تظهر قوة ثالثة أو تأخذ زمام المبادرة، ستظل المعارضة تواجه مسائل معقدة تتعلق بكيفية إقناع قطاعات كبيرة من الموظفين المدنيين الذين يتراوح عددهم بين 1 و1.5 مليون، وأعضاء حزب البعث البالغ عددهم 2-2.5 مليون، والطائفة العلوية البالغة 2.5-3 ملايين، الذين يشكّلون العمود الفقري للأجهزة الأمنية والقوات المسلحة بالتخلّي عن نظام الأسد، الأمر الذي يحتاج إلى برنامج سياسي هادف إلى تفكيك النظام عبر تقسيم صفوفه وعزله عن سنده الاجتماعي، وعزل الدولة ومؤسساتها عنه11.

2ـ ضرورة العمل على وضع الآليات التنفيذية لمأسسة العمل داخل المعارضة السورية

من خلال بناء الهياكل التنظيمية، القادرة على العمل بعقلية الدولة، وإيلاء الأهمية القصوى لمراكز البحث العلمي، وعمليات صناعة القرار من خلال التركيز على الكوادر المتخصصة كل في مجاله.

3ـ العمل على دستور قادر على تحقيق التطلعات المنشودة للشعب السوري

إذ تتجه الأمور الآن إلى إنشاء اللجنة الدستورية التي تعنى بالتأسيس لدستور عصري بمواصفات عالمية. فالدستور هو العقد الاجتماعي ومتى فرط هذا العقد الاجتماعي انتهى الدستور القائم .وما نحن فيه الآن ليس سوى تحطيم للعقد الاجتماعي، لأننا بمقابل هزة عنيفة لم يستطع الدستور القائم تلافيها. ولهذا نحن بحاجة إلى بناء دستور قادر على حماية الأجيال القادمة من هزات أخرى.

لذلك، يبدو بناء الدستور السوري، وبحسب فقه القانون الدولي العام لا علاقة له بعبارات مثل مناقشة الدستور الحالي التي يتحدث عنها النظام، ولا علاقة له بفكرة الدستور الجديد التي تتحدث عنها المعارضة. على افتراض أن المفهومين هما مصطلحات قانونية يجري تداولها في الأحوال الطبيعة لكتابة الدساتير، وليس في حالة صراع دموي تعيشه البلاد منذ ما يقرب ثماني سنوات.

لقد أصبحت مسألة بناء الدساتير هي الأولوية التي يجدر بالمعارضة السورية العمل من أجلها لإحداث التغيير الفعلي، كعملية أصبحت مرعية بآليات كتابة الدساتير بحسب المعايير الدولية، وهي عملية دينامية تقوم على رغبة جماعية تطمح إلى تجاوز حالة الصراع، ومعالجة أسبابة بالتدريج وعلى أرض الواقع، عن طريق عملية تبدأ بإصلاح المؤسسات في الدولة، وتحويلها عبر التشاركية في القرار –بحسب القرار 2254- إلى مؤسسات وطنية، تكون قادرة على كتابة الدستور الحالي، أو مناقشته.

أما الحديث عن المفهومين آنفي الذكر بالقفز فوق ما جرى منذ ثماني سنوات، فهو قفز فوق الوطن لتحقيق مصالح سياسية، ونظر إلى الصراع في سوريا بوصفه محض صراع على سلطة تبحث عنها المعارضة، ما يعني تجاهلاً لمعاناة شعب قدم تضحيات لم تعرفها البشرية، وجرب أنواع الموت والتشرد والدمار.

خاتمة

سرقت الثورة ليصبح مفهوم استعادة الدولة بشكلها الديمقراطي التعددي، هو الأولوية التي تتقدم مهمات القوى الوطنية الديمقراطية.

 لقد أصبحت الحالة السورية غولاً يطل برأسه على السوريين جميعهم، فعمليات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي وشبح التقسيم، أصبحت تهدد سوريا أرضاً وشعباً، وتشكل استكمالاً لتحقيق مصالح القوى المتصارعة، وهو ما يضع القوى الوطنية الديمقراطية، أمام ضرورات الخروج بمشروع جامع للمعارضة السورية، يبدأ بتجاوز حالة التشظي الذي تعيشها المعارضة، لمصلحة جسم وطني ديمقراطي واحد، وهو أقل ما يمكن تقديمه وفاءً لدماء السوريين ومعاناتهم.

مشروع وطني واحد، تتوحد فيه طاقات القوى الديمقراطية، ويعمل على تكوين الأجهزة التنفيذية القادرة على التعامل مع الحالة السورية بوصفها ظاهرة سياسية، تحتاج إلى دراستها من جوانبها المعرفية كلها، وهذا لن يتحقق من دون تجميع طاقات العمل السياسي كلها، والعمل بعقلية الدولة، فقد قيل: (إنّ المعارضة التي لا تعمل بعقلية الدولة هي محض انتحار سياسي).


الهوامش:

  1. انظر: سعاد خبية: مسارات الفوضى والعجز: إشكالات المعارضة السورية، مجلة رؤى مصرية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، على الرابط: http://www.all4syria.info/Archive/294584
  2. انظر يزيد الصايغ، (المعارضة السورية ومشكلة القيادة)، مركز كارينجي للشرق الأوسط، 4 نيسان/ أبريل 2013، على الرابط: http://carnegie-mec.org/2013/04/04/ar-pub-51412
  3. المرجع ذاته.
  4. Malik Al-Abdeh, who co-founded the Movement for Justice and Development in exile in 2006, was commenting on the SNC’s first year, but his comment applies to much of the ‘formal’ opposition. ‘The Gang That Can’t Shoot Straight’, Foreign Policy, September 7, 2012.
  5. انظر: يزيد الصايغ، المرجع السابق.
  6. سعاد خيبة، المرجع السابق.
  7. أمامة غضبان وأوفى غضبان، (بين السلمية والسلاح)، العهد، 15 شباط/ فبراير 2013. ص7.
  8. انظر: المرحلة الانتقالية: من شريعة الثورة إلى الشرعية الدستورية، مركز الشرق للبحوث، كانون الأول/ ديسمبر 2012، ص1.
  9. جلال عمران، كثير من الإنشاء قليل من السياسة، موقع الجمهورية، 6 شباط/ فبراير 2013. على الرابط: http://therepublicgs.net/2013/02/06/
  10. أشار نائب الرئيس السوري فاروق الشرع إلى وجود (قوة ثالثة) من هذا النوع خلال مقابلة أجريت معه في منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2012، قال فيها إن (كثيرين في الحزب [البعث] والجبهة [الوطنية الحاكمة] والقوات المسلحة يعتقدون منذ بداية الأزمة وحتى الآن أنه لا بديل عن الحل السياسي، ولا عودة إلى الوراء)، وقد يمكن لمثل هذه (القوة الثالثة) تأمين استقرار العملية الانتقالية من خلال إدارة البلاد وضبط الأسلحة الكيماوية، وقطع الطريق أمام مزيد من النمو للجناح الجهادي في الثورة المسلّحة.
  11. http://syria.alsafahat.net/?p=33137

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.