ليبيا تدخل “متاهة الانتخابات”.. هل يحسم القضاء جدل ملفات المترشحين؟

في وقت انتهت فيه المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا من استلام ملفات المرشحين للانتخابات الرئاسية، المقررة في 24 من كانون الأول/ ديسمبر المقبل، تطرح تساؤلات بشأن الخطوات المقبلة، والإطار الزمني لعملها، لاسيما في ظل تزايد الجدل حول بعض الأسماء المرشحة.

وكانت مفوضية الانتخابات، قد أقفلت قبل يومين، باب الترشح للانتخابات، على 98 مرشحاً من مختلف التيارات السياسية في البلاد، مع بروز أسماء جدلية لا سيما المنتمية إلى نظام معمر القذافي، مقابل عشرات الشخصيات غير المعروفة بممارسة أي دور سياسي أو في المجال العام.

ويرى مراقبون أن كثرة المرشحين لا تعني أن مسار هذا الاستحقاق سيكون سهلاً ومعبّداً، في ظل ترقّب نتائج التدقيق من الجهات المختصة بملفات المرشحين، وكيفية تعاطي بعض الشخصيات المرجح استبعادها مع قرارات المفوضية حول القوائم النهائية للمرشحين.

بالإضافة إلى ذلك، يشير آخرون إلى معضلة أكبر وأكثر خطورة قد تجعل العملية الانتخابية مفتوحة على كل الاحتمالات، وهي غياب قاعدة دستورية لإجراء هذا الاستحقاق، واستمرار الغموض الذي يلف التعديلات على القوانين الانتخابية التي لم تعلنها مفوضية الانتخابات أو مجلس النواب، كما أنهما لم ينفياها، وهو ما قد يدفع شخصيات غير راضية على العملية أو يُرفض ترشحها، للطعن فيها وبنتائجها، أو حتى معارضة إجرائها من أساسها، وتجييش قواعدها لعرقلة هذا الاستحقاق.

سيناريوهات محتملة

بات من الواضح أن هناك عقبات حقيقية تعرقل إجراء الانتخابات في موعدها أو تحقيق الهدف منها إن أُجريت، حسبما يقول المحلل السياسي “نهاد الطرابلسي”، الذي يشير إلى أن هناك قوى إقليمية ودولية تدرك أن الانتخابات لن تكون في مصلحتها، وكذلك قوى ليبية داخلية تابعة لها وتشاركها هذا الموقف.

وبحسب “الطرابلسي” فإن هذه القوى تبذل وستبذل كافةً قصارى جهدها لتعيق إجراء الانتخابات في موعدها المحدد بحجة وجود ثغرات في قانون الانتخابات الذي أصدره مجلس النواب الليبي وضرورة تصحيح هذه الثغرات قبل إجراء الانتخابات.

المشكلة تتمحور بحسب “الطرابلسي”، في أن هذه القوى تملك السلاح الذي يمكّنها من عرقلة إجراء الانتخابات أو التلاعب بنتائجها أو تخريب هذه النتائج بمجرد التأكد من الهزيمة، معتبرا أن ضعف الثقافة الديمقراطية لدى بعض القوى، سيدفعها إلى الاعتراض على مجرد تقدم مرشحين مختلفين معهم سياسيا.

وفي ظل المعطيات السابقة، يقدم “الطرابلسي”، ثلاثة سيناريوهات محتملة للانتخابات تتراوح بين التفاؤل والتشاؤم، أولها المتفائل بإمكان إجراء الانتخابات بين مَن تقرر المفوضية المختصة جدارتَهم بالترشح. ونظراً لتعدد المترشحين ووجود قاعدة قوة ما لكلٍ منهم، يقول “الطرابلسي” إن الانتخابات لا يمكن أن تُحْسَم من الجولة الأولى، وإنما ستُجرى جولة إعادة بين صاحبي أعلى الأصوات في هذه الجولة، ويفوز في جولة الإعادة المرشح الحاصل على أعلى الأصوات بغض النظر عن نسبتها. وبعد إعلان النتيجة يباشر الرئيس المُنتخب صلاحياته ويتخذ الخطوات اللازمة لاستعادة الدولة الليبية، رغم ما سيواجهه من عقبات داخلية وخارجية جمة.

أما السيناريو الثاني، فيبدو متشائما إذ أن الانتخابات لن تُجرى أصلاً، بحسب “الطرابلسي”، الذي يرجح تصعيد الاحتجاج على بعض المرشحين وصولاً إلى استخدام السلاح، أو الاحتجاج ضد استبعاد مفوضية الانتخابات لمرشح أو أكثر وبالذات لو كان أنصاره مسلحين، أو تخريب عملية الانتخابات ذاتها بالاعتداء على مقار لجان انتخابية أو لجان الفرز وغير ذلك.

السيناريو الأكثر سوءا هو الثالث، حسبما يرى “الطرابلسي”، الذي يتوقع إجراء الانتخابات وظهور نتيجتها، لكن القوى المتضررة من هذه النتيجة، وهي تملك من السلاح ما يمكنها من إفساد المشهد برمته، ستحاول إجهاض هذه النتيجة.

الكرة بملعب القضاء

قالت المفوضية العليا للانتخابات على لسان رئيسها “عماد السايح”، يوم أمس الثلاثاء، أن عدد المترشحين وصل 98 مرشحا، تمت إحالة ملفاتهم إلى الجهات القضائية والأمنية المختصة للبت فيها، معلنة انتهاء “مرحلة حساسة” من مراحل العملية الانتخابية، ومؤكدة أن القائمة النهائية للمترشحين الذين سيخوضون السباق الانتخابي ويتنافسون على منصب الرئيس، سيتم إعلانها بعد 12 يوما، بعد الانتهاء من مرحلة الطعون والبت فيها، لتبدأ بعدها مرحلة الحملات الانتخابية.

ومن أبرز الشخصيات المترشحة، رئيس الحكومة “عبدالحميد الدبيبة”، وقائد الجيش الليبي الجنرال “خليفة حفتر”، و”سيف الإسلام القذافي”، ورئيس البرلمان “عقيلة صالح”، لكن ترشحهم يثير جدلا واسعا ونزاعات قانونية، لوجود عراقيل، حيث قدم “الدبيبة” ترشحه متجاوزا المادة 12 من قانون انتخاب الرئيس، بينما لم يعلن حفتر عن تنازله عن الجنسية الأميركية، رغم أن قانون الانتخابات يمنع مزدوجي الجنسية من الترشح، في حين خضع سيف الإسلام القذافي لمحاكمات داخل و خارج البلاد، حيث يمنع القانون من تمت محاكته نهائيا بأي جريمة.

في هذا السياق، أوضح “السايح” أن المادة 12 سيفصل فيها القضاء، إذا قدمت أي طعون في أي من المترشحين، مشيرا إلى أنّ مسألة النظر في الطعون والاستئناف هي من اختصاص المجلس الأعلى للقضاء، وليست من صلاحيات المفوضية العليا للانتخابات، مؤكدا أن الجهاز القضائي يعد أحد أهم الشركاء الأساسيين في إدارة وتنفيذ العملية الانتخابية.

وتنص المادة 12 من قانون الانتخابات، على ضرورة توقف الموظف العام عن عمله لمدة 3 أشهر قبل الترشح.

ويرى مراقبون أن هذه المادة قطعت الطريق على أي مسؤول أن يستغل المال العام وأموال المواطنين في الدعاية الانتخابية، بما يحقق مبدأ الفرصة العادلة لكل المترشحين.

يشار إلى أن قانون الانتخابات تعرض لانتقادات من قبل رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد الدبيبة” الذي قال: “إن ذلك القانون معيب ومصاغ لخدمة مرشحين محددين” وأضاف في تجمع حاشد في طرابلس “خرجوا بقوانين مفصلة لشخصيات، ولا يمكن أن نرضى بهذا القانون المعيب. في اللحظة الحاسمة سأعلن موقفي من هذه الانتخابات”.

ويرى الباحث في الشأن الليبي، “خلدون السنوسي” أن “الدبيبة”، سيكون الأوفر حظا لمنصب الرئيس بعد أن اتخذ سلسلة إجراءات شعبوية بينها ضخ استثمارات في بلدات مهملة وتخصيص مدفوعات نقدية للمتزوجين حديثا، مشددا على ضرورة أن يتخذ القضاء قرارا بمنعه من الترشح لتجاوزه المادة 12.

ويقول “السنوسي” إنه “بالرغم من وجود فترة محدودة فقط على موعد الانتخابات المقرر، إلا أن الأساس السياسي والقانوني لهذه الانتخابات ليس ثابتاً بعد، ما يعزز القلق من أن تزيد العملية الانتخابية من حدة الانقسامات في البلاد وتؤدي إلى خلل وظيفي ونظام سياسي ضعيف، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى إطلاق دائرة أخرى من العنف وإلى تدخلات أجنبية، فيما ستصبح الانقسامات الحالية أكثر منهجية، وقد تنقسم البلاد عملياً إذا فقد الشعب الليبي آماله من العملية السياسية الديمقراطية.

وفي أول دعم غربي للمراجعة القضائية للترشحات لانتخابات الرئاسة بليبيا، أصدرت سفارات فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية في طرابلس، اليوم الأربعاء، بيانا طالبت فيه جميع الأطراف الليبية بـ”الالتزام بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة وذات مصداقية، وحثت جميع الجهات الدولية الفاعلة على تشجيع ودعم الانتقال الديمقراطي”.

كما أعربت السفارات في البيان عن دعمها لـ”السلطات المسؤولة عن المراجعة القضائية” للترشيحات، ودعت جميع الجهات الفاعلة إلى احترام قراراتها.

ثلاث جهات لحسم ملفات المترشحين

وفي محاولة لتوضيح كيفية مواجهة المفوضية لحالة الجدل التي صاحبت ترشح “سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر”، أوضح السايح أن المفوضية أحالت ملفات المترشحين على ثلاث جهات، هي “مكتب النائب العام، وسيتولى التحقيق في حصول أو عدم حصول المترشحين على حكم نهائي في أي قضية، وجهاز المباحث الجنائية، وسيتولى تدقيق الحالة الجنائية للمترشح، وكذلك جهاز الجوازات والجنسية سينظر في شرط عدم حصول المترشح على جنسية دولة أخرى”، لافتاً إلى أن موعد نشر القوائم الأولية يوم غد، بحسب الجدول الزمني المعلن من المفوضية، يتوقف على وصول ردود الجهات الثلاث.

في السياق، شدد السايح على أن المفوضية ترفض الزج بها في قضايا جدلية “غير واضحة”، مضيفاً: “لذا، أُحيلت الملفات على الجهات المختصة للتأكد مما يتصل بالمترشحين وعلاقتهم بالجانب الجنائي والقضائي، وبناءً على نتائج تدقيق هذه الجهات ستحدد المفوضية قبول ملفات المترشحين من عدمه، ومن لديه اعتراض عليه التوجه إلى القضاء”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.