ماذا بعد تمديد تركيا لمهام قواتها في ليبيا ؟

في خطوة تعتبر مارقة وخارقة للاتفاقات الأممية والقرارات القاضية بوقف اطلاق النار في ليبيا مع إيقاف التدخلات الأجنبية في البلاد وابعاد كل القوى الدخيلة وخاصة تركيا، وافق البرلمان التركي الثلاثاء وبالاغلبية على منح الحكومة صلاحية تمديد مهام القوات المسلحة في ليبيا لمدة 18 شهراً، اعتباراً من 2 من يناير المقبل.

وقد جاء في المذكرة، التي قدمتها الرئاسة التركية إلى البرلمان في 12 ديسمبر الجاري، بتوقيع الرئيس رجب طيب إردوغان، أن الجهود التي بدأتها ليبيا عقب أحداث فبراير 2011 لبناء مؤسسات ديمقراطية ذهبت سدى بسبب النزاعات المسلحة، التي أدت إلى ظهور هيكلية إدارية مجزأة في البلاد.

ولفتت المذكرة، التي تمت الموافقة عليها امس في جلسة عامة للبرلمان، إلى توقيع اتفاق الصخيرات في المغرب عام 2015، برعاية الأمم المتحدة، بعد نحو عام من المفاوضات بين جميع الأطراف الليبية بهدف التوصل لوقف إطلاق النار. مبرزة أنه تم تشكيل حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها من الأمم المتحدة، بموجب الاتفاق السياسي الليبي، وأن الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، بدأ في أبريل 2019 هجوماً للاستيلاء على العاصمة طرابلس، فوجهت حكومة الوفاق نداء دعم إلى تركيا في نوفمبر 2019 لمساعدتها في التصدي لتلك الهجمات.

وتابعت المذكرة موضحة أن تركيا نجحت عقب ذلك في وقف الهجمات العدوانية، التي تستهدف النيل من وحدة البلاد، لتعيق بذلك انتشار الفوضى، وعدم الاستقرار في البلاد، وهو الأمر الذي ساهم في بدء جهود الحل السياسي برعاية الأمم المتحدة.

وحسب الرئيس التركي اردوغان، فان قوات حفتر ما زالت تسيطر على مناطق في وسط وشرق ليبيا، بدعم من أطراف خارجية، الأمر الذي من شأنه استمرار الأخطار المنبعثة من ليبيا باتجاه دول المنطقة، ومن بينها تركيا، موضحة أن مصالح تركيا في حوض المتوسط، وشمالي أفريقيا قد تتأثر سلباً في حال أطلقت قوات حفتر هجمات جديدة. وقال اردوغان في مذكرته التي صادق عليها البرلمان ان الهدف من إرسال قوات تركية إلى ليبيا هو حماية المصالح الوطنية في إطار القانون الدولي، واتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة ضدّ المخاطر الأمنية، التي مصدرها جماعات مسلحة غير شرعية في ليبيا، وللحفاظ على الأمن ضد المخاطر المحتملة الأخرى، مثل الهجرات الجماعية، وتقديم المساعدات الإنسانية، التي يحتاج إليها الشعب الليبي، وتوفير الدعم اللازم للحكومة الشرعية في ليبيا، حسب تعبيره.

تركيا لا تريد السلام لليبيا

وحول هذه المسالة، قال المستشار الإعلامي لرئيس مجلس النواب الليبي فتحي المريمي، قال إن “المجلس الشرعي رفض منذ البداية وجود هذه القوات، وبالتالي لا يوافق على تمديد بقائها في ليبيا”. واتهم المريمي رئيس حكومة طرابلس فايز السراج بـ”الخيانة العظمى”، عقب توقيعه مذكرتي تفاهم في نوفمبر 2019 مع أردوغان، أرسلت أنقرة بموجبهما قوات عسكرية ومرتزقة إلي ليبيا منذ يناير الماضي. ولفت إلى اتفاق اللجنة العسكرية الليبية المشتركة المعروفة بـ”5+5″، الذي يقضي بخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا. وشدد المستشار الإعلامي على أن “تركيا تبحث عن مصالحها، ونظرا لأنها تمر بأزمة مالية داخلية، فإنها تسعى عبر وجودها في ليبيا لتعويض خسائرها باستنزاف الموارد الليبية”.

وكان عضو لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان الليبي، علي التكبالي، قد صرح أيضا أن هذا التفويض الرئاسي الذي يستهدف إطالة بقاء تركيا في ليبيا، يسعى من ورائه الأتراك إلى تثبيت أنفسهم وترسيخ وجودهم بين الليبيين ضاربين بعرض الحائط كل القرارات الدولية والاتفاقيات التي تنص على إخراج القوات الأجنبية من ليبيا.

وأضاف أن أنقرة لا تريد السلام في ليبيا ولن تسمح بتقارب الأطراف السياسية ولا بأي تسوية سياسية تتعارض مع مصالحها، مشيرا إلى أن أنقرة بدأت بالفعل في تعزيز تواجدها العسكري من خلال الرحلات المكثّفة التي تسيّرها إلى غرب ليبيا لنقل الجنود والعتاد.

وتابع التكبالي، أن المبررات التي قدمتها رئاسة النظام التركي إلى البرلمان من أجل الموافقة على المذكرة والتي قالت فيها إن الهدف من تمديد بقاء قواتها هو تحقيق وقف إطلاق النار والوصول إلى تسوية سياسية، إضافة إلى الدوافع الإنسانية مضحكة وغير منطقية، لا يمكن أن تخفي الأطماع التركية في ليبيا.

تعارض مع الجهود الإقليمية

وتجدر الشارة الى أن الخطوة التركية الجديدة تتعارض مع الجهود السياسية الإقليمية والدولية المبذولة حاليا لإيجاد حل للأزمة السياسية، كما تتجاهل رغبة الليبيين في تحقيق السلام، فضلا عن أنّها تعدّ خرقا واضحا للمادة الثانية من الاتفاق العسكري لوقف إطلاق النار الموقع في جنيف منتصف أكتوبر الماضي.

وللتذكير فانه وفي مطلع العام الحالي، وافق البرلمان التركي على مشروع قرار يفوّض الحكومة بإرسال قوات إلى ليبيا لدعم حكومة السراج، وذلك لمدة عام واحد تستمر لغاية 7 يناير 2021 قابلة للتمديد، بناء على مذكرة أرسلتها رئاسة النظام التركي. وتنص المادة الثانية على تجميد جميع الاتفاقيات العسكرية الخاصة بالتدريب في الداخل الليبي وخروج أطقم المدربين الأجانب إلى حين استلام الحكومة الموحدة مهامها وتكليف الغرفة الأمنية المشكلة بموجب هذا الاتفاق باقتراح وتنفيذ ترتيبات أمنية خاصة تكفل تأمين المناطق التي تم إخلاؤها من الوحدات العسكرية والتشكيلات المسلحة.

ويتزامن التحرك التركي مع جهود تبذلها الأمم المتحدة لإيجاد مخرج سياسي للأزمة الليبية، فضلا عن العقوبات التي تواجهها أنقرة من جانب أوروبا وأميركا بسبب أنشطتها العدائية شرقي البحر المتوسط، وحصولها على منظومة الصواريخ “إس 400” الروسية.

استعادة مجدها الضائع

وتجدر الإشارة الى ان تركيا، كانت قد ركّزت اهتماماتها في ليبيا، قبيل اندلاع ثورة فبراير 2011، على تعزيز مصالحها الاقتصادية، إذ فازت بنصيب كبير من عقود البناء عام 2010، وقام المستثمرون الأتراك بضخ مليارات الدولارات في قطاع البناء، وشاركت شركات الأعمال التركية في نحو 304 عقود تجارية في البلاد. ونظرًا إلى مصالحها الاقتصادية الكبيرة في ليبيا، عارضت تركيا أول الأمر التدخّل العسكري لحلف شمال الأطلسي “الناتو” ضدّ نظام العقيد معمر القذافي، لكنها ما لبثت أن غيّرت موقفها وساندت الثورة الليبية، ثم مرّت سياستها بعد ذلك بعدة مراحل.

وفي مرحلة أولى حاولت تركيا استعادة علاقتها الاقتصادية مع ليبيا من بوابة دعم الاستقرار، وإنشاء حكومة مركزية تُنهي الفوضى. حيث الحق اسقاط القذافي ضررا بالغا بالمصالح التركية، فلتركيا ما يقرب من 15 مليار دولار من الالتزامات التعاقدية غير المدفوعة في ليبيا. لكنّ انفراط عقد الدولة، وتفاقم الظاهرة الميليشياوية والفصائلية، وتنامي التدخلات الخارجية في ليبيا، وتحوّل هذه الأخيرة إلى ساحة صراع إقليمي، دفع تركيا إلى دعم الفصائل العسكرية. واستضافت تركيا على أراضيها عددًا من المؤسسات الإعلامية والشخصيات السياسية المعارضة لمشروع حفتر. ثم دعمت تركيا الاتفاق السياسي الليبي الذي وُقِّع في “الصخيرات”، برعاية أممية، في ديسمبر 2015، وجاء بحكومة الوفاق الوطني. ولكنّ الدول الحليفة لحفتر كثّفت دعمها له ضدّ حكومة الوفاق، إلى مستوى إعلان الحرب لاحتلال طرابلس.

الهدف هو التواجد في المتوسط

ومن ناحية أخرى، لم تتمكّن حكومة الوفاق من إنهاء الظاهرة الفصائلية، ما دفع دول غربية إضافية للرهان على حفتر، لتحقيق بناء جيش ودولة في ليبيا. فتنامى الدور العسكري التركي في ليبيا والذي بدا شيئا فشيئا يأخذ طابعا علنيا. حيث أُرسلت عربات عسكرية إلى حكومة الوفاق الوطني، ووفرت لها أسلحة. ثم انتقلت تركيا الى مرحلة المواجهة المباشرة مع حفتر وحلفائه في المنطقة، حيث وصف الناطق باسم قوات حفتر، اللواء أحمد المسماري، الدعم العسكري التركي لحكومة الوفاق بـ “الغزو التركي”.

وشدّد على ضرورة التصدي لتركيا، من خلال استهداف القوارب والسفن التركية داخل المياه الإقليمية وكذلك التصدي للقوات البرية، في المقابل، هدّد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، قوات حفتر في حال قيامها بأي عمل عدائي أو هجوم على المصالح التركية. وفي نوفمبر 2019 وقّعت الحكومة التركية وحكومة الوفاق، مذكّرة تفاهم بشأن السيادة على المناطق البحرية في البحر الأبيض المتوسط، حيث تشهد منطقة شرق المتوسط خلافات بين دولها حول ترسيم الحدود البحرية، بعد أن أثبتت المسوحات الجيولوجية وجود مخزون هائل من النفط والغاز القابل للاستخراج فنيًا.، ما بيّن أنّ هدف تركية من المذكّرة يتجاوز الأوضاع في ليبيا إلى مسألة التواجد في المتوسط.

كما قامت تركيا وليبيا بتوقيع مذكّرة للتعاون الأمني، شملت التدريب العسكري، ومكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، واللوجستيات، والخرائط، والتخطيط العسكري، ونقل الخبرات. وما أن تقدّمت حكومة الوفاق بطلب رسمي للحصول على دعم عسكري تركي جوي وبحري وبري، جاء الرد التركي سريعًا عندما أكّد الرئيس أردوغان بأنّ بلاده سترسل قوات إلى ليبيا، بناءً على طلب منها، بعد موافقة البرلمان التركي. ووصل الامر اليوم الى طلب تمديد البقاء في ليبيا الى حين استكمال المهام التي دخلت من اجلها والتي في ظاهرها تحقيق السلام وفي باطنها تحقيق المصالح وإصلاح اقتصادها المتهاوي وليرتها المنهارة.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©