ما بعد أزمة قرادحي.. الاستقالة تربك حسابات باسيل الرئاسية وخيارات جديدة لحزب الله

بعيداً عن تأثير استقالة وزير الإعلام اللبناني، “جورج قرداحي” على تحسين علاقات لبنان مع دول الخليج، تطرح تلك الاستقالة بحسب عدد من المحليين إشارات استفهام حول قوة حزب الله على الساحة الحكومية واللبنانية ككل وموقف إيران من تلك الاستقالة، لا سيما وأن الحزب وحلفاءه كانوا قد اتخذوا مواقف متشددة في رفض استقالة الوزير مع اندلاع الأزمة قبل نحو شهر، بالإضافة إلى خلطها للأوراق السياسية قبيل أشهر من الانتخابات الرئاسية والنيابية المقبلة.

يشار إلى أن وزير الإعلام اللبناني، قد أعلن الجمعة استقالته من منصبه على خلفية الأزمة الدبلوماسية بين لبنان والدول الخليجية شهر أكتوبر الماضي، بسبب تصريحاته التي زعم خلالها أن ميليشيات الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن “يدافعون عن أنفسهم” في وجه “اعتداء خارجي”.

مناورة حزبية وإدراك للواقع

تعليقاً على استقالة “قرداحي”، يرى المحلل السياسي “ميشال بوصعب” أن الاستقالة كانت نتيجة إدراك حزب الله لصعوبة الواقع اللبناني وتراجع قوته على الساحة اللبنانية لا سيما وأن الأزمة مع دول الخليج أثرت كثيراً في الوضع اللبناني وهددت كيان الحكومة، لافتاً إلى أن الاستقالة لم تكن خيار “قرداحي” وإنما كانت نتيجة رفع حزب الله لدعمه الذي يقدمه للوزير السابق.

ويضيف “بوصعب”: “بما أن الوزير قرداحي يضع أولوية الوطن أمام عينيه لماذا انتظر لفترة 30 يوم حتى يقدم استقالته، لماذا أبدى تمسكه في البداية في منصبه ما دفع الازمة باتجاه التصعيد، أرى أن التفسير الوحيد يكمن في أن قرداحي فقد الدعم من حزب الله، الذي لم يرد أن يظهر عجزه عن حماية حليفه وترك الأمور تبدو وكأن الاستقالة جاءت بقرار من قرداحي”، لافتاً إلى أن الوزير كان يعتقد بأن الحزب سيتمسك به إلى حد أبعد من ذلك.

كما يشير “بوصعب” إلى أن حزب الله مطلع الأزمة أبدى تمسكاً كبيراً بـ “قرداحي” كي لا يفقد ثقة حلفائه خاصة وأن الأزمة ترتبط بدول الخليج التي يعتبرها الحزب ألد أعدائه في المنطقة، معتبراً أن التصريحات النارية والهالة الإعلامية التي صنعها الحزب حول وزير الإعلام المستقيل كانت عبارة عن مناورة حزبية يسعى من خلال لإظهار دعمه للوزير، الذي يبدو أن أخطأ عندما اعتمد على دعم محور إيران له، على حد قول المحلل.

ويرى “بوصعب” أن أزمة “قرداحي” كشفت إلى حد كبير أن ميليشيات حزب الله ومن خلفها الداعم الإيراني لا يعيشون أفضل حالاتهم في الساحة اللبنانية، تحديداً وأن البلاد على مقربة من استحقاقات انتخابية نيابية ورئاسية، يسعى من خلالها حليفهم “ميشال عون” لإحداث خرق دستوري من خلال التمديد لولايته الرئاسية، لافتاً إلى أن إيران وحزب الله يدركان أن أي تغيير سياسي في لبنان لن يكون صالحهما، تحديداً إن جاء بـ”سمير جعجع” رئيساً للبنان.

يشار إلى أن المرشح المحتمل للانتخابات الرئاسية المقبلة وزعيم حزب القوات اللبنانية “سمير جعجع” قد حذر في وقتٍ سابق من أن حزب الله وحلفاءه يعملون على تأجيل الانتخابات البرلمانية المقررة في 2022، مؤكداً على أن نجاح مخطط تأجيل الانتخابات يقود لبنان إلى مزيد من الموت البطيء، لا سيما وأن حزب الله وحلفاءه يخشون من خسارة تلوح في الأفق وتبدو مؤكدة، على حد وصفه.

جبران باسيل ومصير قرداحي المقلق

ما خلصت إليه أزمة لبنان والخليج من استقالة لوزير الإعلام، بحسب ما يقوله المحلل السياسي “أحمد عيتاني” قد تثير القلق لدى حلفاء ميليشيات حزب الله الرئيسيين وفي مقدمتهم رئيس التيار الوطني الحر، “جبران باسيل”، الطامح لخلافة عمه “ميشال عون” في رئاسة لبنان، لافتاً إلى أن تخلي الحزب عن “قرداحي” يبين أن حزب الله لم يعد كما كان في السابق.

إلى جانب ذلك، يوضح “عيتاني”: “صحيح أنه في ظل الظروف الراهنة سيكون السيناريو الأفضل بالنسبة لحزب الله هو استمرار عون في الرئاسة أو قدوم جبران باسيل إلى سدة الحكم، ولكن هذا لا يعني أن الحزب لن يبحث بين حلفائه الآخرين عن مرشح رئاسي مسيحي بدلاً من باسيل في حال تعرض الحزب لضغوطات مشابهة لما تعرض له في أزمة قرداحي”، لافتاً إلى أنه من بين المرشحين المحتملين، رئيس تيار المردة “سليمان فرنجية”.

ويلفت “عيتاني” إلى أن “باسيل” عملياً ينظر إلى “فرنجية” على أنه تهديد مباشر لطموحاته السياسية، وهو ما يفسر دخول الطرفين في أزمات ومواجهات كبيرة خلال السنوات الماضية، والتي هدد خلالها “فرنجية” بالانسحاب من الحكومة بعد اتهام “باسيل” بمحاولة الهيمنة على المناصب الحكومية المسيحية واتباع سياسات أضرت بلبنان.

كما يعتقد “عيتاني” أن الحزب لا يملك الثقة الكبيرة “بباسيل” كما هو الحال بالنسبة “لفرنجية”، الذي يعتبر من أشد الموالين للحزب والنظام السوري، لافتاً إلى أن قيادة الحزب تنظر بعين القلق لطموحات “باسيل” السياسية والزعامية، التي قد تدفعه للتخلي عن دعم الحزب بعد وصوله إلى الرئاسة ومحاولة إنشاء قوة منافسة لحزب الله.

في ذات السياق، يذهب الباحث في الشؤون اللبناني، “نعيم شاهين” إلى أن “فرنجية” كشخصية سياسية وعلى الرغم من أنه مقرب من حزب الله، إلا أنه يحظى بقبول نسبي أكبر من “باسيل” على الساحتين الداخلية والخارجية، وهو ما قد يزيد من احتمالية توجه حزب الله وأمل لدعمه في الانتخابات القادمة، مشدداً على أن الثنائي الشيعي وتحديداً ميليشيات حزب الله تبحث عن تشكيل حكومة مقربة منها ولكنها قادرة في ذات الوقت على كسر حالة العزلة والحصار والضغط الحاصلة في لبنان، وهي شروط قد لا تتوفر في “باسيل”.

من الأمور التي لا بد من الالتفات لها، بحسب ما يقوله “شاهين”، هو أن العلاقات بين حزب الله والتيار الوطني الحر، هي علاقة عداوة تحولت إلى هدنة وتقارب بفعل الظروف والمصالح المشتركة، وإنها ليست علاقة تحالف كما تظهرها وسائل الإعلام، خلافاً للعلاقة مع “سليمان فرنجية” الموالي والحليف والمقرب من حزب الله منذ حقبة الوصاية السورية على لبنان، لافتاً إلى أن الحزب لو ترك له الخيار والمفاضلة لاتجه نحو “فرنجية” إلا أنه قد يجد نفسه في نهاية المطاف مجبراً على دعم “باسيل” أو التمديد “لعون”.

وبين المشهدين السابقين، يقول “شاهين”: “إذا لم يجد حزب الله مفراً من الاختيار بين عون وباسيل، فإنه سيتجه إلى التمديد لعون على الرغم من صعوبة المهمة، على اعتبار أن ذلك سيبقي باسيل تحت مظلة الحزب لسنوات إضافية”، مشيراً إلى أن تلك العلاقة ستكن محكومة في الطلاق بنهاية المطاف.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.