ما دلالة استقالة نائب الغنوشي؟

عبد الحميد الجلاصي

تستمر الهزات والفضائح السياسية التي تلاحق حركة النهضة التونسية المحسوبة على الإخوان المسلمين، في صور جديدة تتجاوز خصومات التيارات السياسية أو عرقلة الحكومات أو الاحتجاجات الشعبية لتصل إلى الأجنحة الداخلية للحركة وصراع الأقطاب الذي تسبب باستقالة ثلاثة من قيادات الحركة ليلحق بهم الرابع اليوم، بيد أنه أهم وأخطر وأكبر!.

إذ أعلن القيادي المهم في حركة “النهضة” التونسية، عبد الحميد الجلاصي، الاستقالة من الحزب وكافة مؤسساته بشكل رسمي، بعد 40 سنة من النشاط داخله.

حيث يعتبر الجلاصي، من أقدم وأهم القياديين البارزين في حركة النهضة، فسبق وأشرف على الحملة الانتخابية للحركة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التونسي 2011، قبل أن يصبح نائب رئيس الحركة راشد الغنوشي، ليُعين في 2014 رئيسًا لهيئة الانتخابات داخل الحركة، مشرفا على حملتها الانتخابية في السباق البرلماني عام 2014.

استقالة الجلاصي الحالية سبقتها استقالة شبيهة في 27 يناير 2015، حين استقال من منصبه في المكتب التنفيذي، ثم عاد لمنصب نائب رئيس الحركة في آذار / مارس من نفس السنة.

وقالت إذاعة “موزاييك” التونسية إن القيادي وعضو مجلس شورى حركة النهضة والمنسق السابق لها قد قدم استقالته اليوم الأربعاء من حركة النهضة.

وأشارت الإذاعة أن الأسباب تتجاوز الأبعاد الشخصية وتصل إلى تقييم شامل لتوجهات الحركة في السنوات الأخيرة، في علاقة بالتسيير المؤسساتي للنهضة وبخياراتها السياسية.

من جهتها، أكدت النائب السابقة عن حركة النهضة وزوجة المستقيل الجلاصي، منية إبراهيم، في تصريح صحفي لوكالة تونس افريقيا للأنباء أمس الأربعاء، أن زوجها أعلم الحركة بنيته الاستقالة من كافة مؤسساتها على أن يتقدم غدا الخميس باستقالته بصفة رسمية. ولم توضح إبراهيم، أسباب استقالة عضو مجلس شورى النهضة عبد الحميد الجلاصي، مؤكدة أن نص الاستقالة سيتضمن الأسباب الوافية لهذا القرار، وفق تعبيرها.

ويعتبر الجلاصي نائب رئيس الحركة، من أبرز السياسيين المنتقدين لسيرورة عملها، وهو من القياديين البارزين الذين وجهوا انتقادات حادة وعلنية في وسائل الإعلام لطريقة تسيير الحركة، إذ أكد في أحد تصريحاته الاعلامية – لقناة الحوار التونسي – أن “النهضة لديها أربع سنوات وهي في مخاض داخلي حقيقي سيؤثر على مستقبلها”.

محتمًا على ضرورة إيجاد حلول داخل الحركة قبل عقد مؤتمرها المقبل في الفترة القريبة القادمة، ومعبرًا عن “تخوفه من أن تلقى النهضة مصير نداء تونس الذي عرف انقسامات حادة أدت إلى انشقاقه الى عدة أحزاب وخسارته الانتخابات التشريعية الماضية”.

إلى ذلك، كشفت تصريحات الجلاصي اليوم الخميس، عن الأسباب الدفينة والمؤكدة وراء استقالته من مناصبه الكبيرة في الحركة، فقد أعلن القيادي المستقيل من حركة النهضة، أن قرار استقالته اتّخذه منذ أشهر لعدّة أسباب على رأسها وجود مساعٍ داخل النهضة للتجديد لراشد الغنوشي كرئيس للحركة يضاف لذلك ممارسات بعض قيادات الحركة.

وصرّح الجلاصي مستنكرا: “عندما يصبح الحزب الأول فيه مشكلة فهذا يؤثر علي الدولة مضيفا بأن هناك قيادات في الحركة تتصرّف في الدولة بمنطق الغنيمة”.

وتابع مستغربًا في إشارة لفترة ترأس الغنوشي للنهضة “50 عام من عام 69 ما يوجد اليوم لا رئيس دولة ولا حزب ولا منظمة في العالم يتم ترأسها 50 عام من نفس الشخص” ليعلق قائلًا “ثمة ناس أخذت وقتها ووقت غيرها، وطرق تفكيرها أصبحت قديمة” على حد وصفه.

واعتبر أن تواصل بقاء زعيم طوال هذه الفترة يخلق حوله نوعًا من البلاط ويتسبب في دخول الفساد وزرع ثقافة الولاء. وأضاف ” اذا كان الحزب الأول ليس ديمقراطيا وتصبح الديمقراطية فيه شكلية فلا يمكن أن أكون شاهدا على مسرحية سمجة “.

اعتراف الجلاصي في بيان الاستقالة جاء واضحًا، فاعتبر أن حزب النهضة ساهم في إضاعة خمس سنوات على البلاد من سنة 2014 إلى سنة 2019، ولكنه لم يستخلص الدروس حتى الآن، متهمًا رئيس الحزب راشد الغنوشي بالتحكم في كل شيء، موضحًا في هذا الجانب أن الحركة أصبح محور سياستها في الحكم هو موقع رئيسها ومحور سياستها الداخلية هو موقع رئيسها ، مشيرًا إلى وجود نية للتمديد له في رئاسة الحزب في المؤتمر القادم للحركة.

يذكر أن حركة النهضة شهدت عديد الاستقالات عقب وصولها إلى البرلمان والمشاركة في الحكم بعد الثورة (2011)، من أبرزها استقالة أمينها العام حمادي الجبالي في 5 آذار / مارس 2014 من كافة هياكلها، ثم استقالة القيادي رياض الشعيبي (في تشرين ثاني / نوفمبر 2013) لتلحق بهما استقالة رئيس مكتب رئيس الحركة زبير الشهودي (في أيلول سبتمبر 2019) من كافة مؤسسات الحركة، تلتها بعض الاستقالات كان آخرها لأمينها العام زياد العذاري في 26 تشرين ثاني/نوفمبر 2019, من المناصب القيادية، ثم استقالة كل من هشام العريض وزياد بومخلة يوم 14 يناير كانون الماضي من الحركة.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©