محاولة اغتيال الكاظمي.. كل الطرق تؤدي إلى حلفاء إيران

تسير التطورات في العراق باتجاه التصعيد بشكل كل مسبوق عقب صدور نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، لا سيما مع الإعلان عن تعرض رئيس الحكومة “مصطفى الكاظمي” لمحاولة اغتيال فاشلة فجر اليوم الأحد، تزامناً مع تهديد ما يعرف بـ “الميليشيات الولائية” المرتبطة بإيران، باقتحام المنطقة الخضراء، احتجاجاً على نتائج الانتخابات.

يشار أن “الكاظمي” كان في طريق عودته إلى منزله فجر الأحد، بعد جولة تفقدية، عندما وقعت محاولة الاغتيال أمام منزله، والتي تمت بواسطة ثلاث طائرات مسيرة وأسفرت عن إصابة عدد من حرسه الشخصي وبعض الأضرار المادية.

كل الطرق تؤدي إلى طهران

ردود الفعل على محاولة الاغتيال وتحديداً الإيرانية، لم تتأخر كثيراً، حيث سارع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني “علي شمخاني” إلى إدانة محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي”، رابطاً إياها بما وصفه “مراكز فكر خارجية دعمت الجماعات الإرهابية واحتلال العراق”.

وجاء في تعليق “شمخاني” على الحادثة: “محاولة اغتيال الكاظمي هي فتنة جديدة، يجب البحث عن خلفياتها في مراكز الفكر الأجنبية، التي أنشأت ودعمت الجماعات الإرهابية واحتلت العراق ولم تجلب للشعب العراقي سوى انعدام الأمن والخلافات وعدم الاستقرار”.

يشار إلى أن النفوذ الإيراني في العراق قد شهد تراجعاً غير مسبوق منذ 2003 مع تولي “الكاظمي” زمام السلطة في البلاد العام الماضي، لا سيما وانه أطاح بالعديد من المسؤولين المدعومين إيرانياً في مقدمتهم رئيس هيئة الحشد الشعبي “فالح الفياض”، الذي كان يشغل عدة مناصب أمنية رفيعة بينها مستشار الأمن الوطني العراقي، إلى جانب توجيه اتهامات “للكاظمي” بالتورط في عملية اغتيال “قاسم سليماني” و”أبومهدي المهندس”؛ بصفته رئيس جهاز المخابرات العراقية قبل تسلمه رئاسة الحكومة.

تعليقاً على رد الفعل الإيراني، يقول الباحث في شؤون الشرق الأوسط “حامد الأسعد”: “سرعة ردة الفعل الإيرانية تشير إلى إمكانية وجود علم مسبق لدى النظام الإيراني بما حدث، خاصة وأنها سبقت الكثير من ردود الأفعال المحلية والدولية والاقليمية”، لافتاً في الوقت ذاته أنها ردة فعل متوقعة كون إيران ستسعى لإبعاد التهم عنها وعن ميليشياتها، التي تقود حركة تصعيد خطيرة تجاه الدولة العراقية.

ولمعرفة الجهة التي تقف وراء العملية، يشير “الأسعد” إلى القاعدة القانونية الشهيرة “ابحث عن المستفيد”، موضحاً أن “الكاظمي” حقق خلال عام من الحكم عملية توازن واضحة في دور القوى الإقليمية في العراق، مقابل تراجع النفوذ الإيراني، كما أنه ربما يكون مرشحا للبقاء في منصبه بدعم من التيار الصدري، ما يعني أن مسألة تغييبه عن الساحة العراقية وتصفيته لن تصب في مصلحة الغرب أو الدول الإقليمية، باسثناء إيران.

يشار إلى أن ميليشيات حزب الله العراقي المدعومة إيرانياً، هاجمت “الكاظمي” وسخرت من محاولة الاغتيال التي تعرض لها، بالإضافة إلى وصفه بـ “السابق” في إشارة إلى أنها لا تعترف به كرئيس حالي للوزراء.

وتعتبر ميليشيات حزب الله العراقي من ألد أعداء “الكاظمي” لا سيما عقب اتهامه بالتعامل مع المخابرات الأمريكية والمشاركة في تصفية “سليماني”، إلى جانب سياسته الساعية للحد من نفوذ الميليشيات وانتشار سلاحها واعتقال عدد من أعضاء الحزب المتورطين بخطف وتعذيب الناشطين.

طائرات مسيرة وجهات محددة واعترافات ضمنية

الملفت بالنسبة للمحلل السياسي “عبد القادر الباجه جي” في تعليق حزب الله العراقي، الذي يعتبر أول الداخلين إلى دائرة الاتهام، هو عدم نفي التهمة عن نفسه بشكل صريح ومباشر، حيث يشير “الباجه جي” إلى ان البيان الصادر عن المتحدث العسكري باسم الحزب، كان يركز على فكرة أسلوب تنفيذ المحاولة وأنها لا تتناسب مع أسلوب الحزب.

ويوضح “الباجه جي”: “بيان الحزب لم ينف إمكانية تفكيره في اغتيال الكاظمي وإنما ركز على أنه غير مستعد لخسائرة طائرة مسيرة في مثل هذه العملية وأن هناك أساليب أقل تكلفة، وبالتالي ومن زوية أخرى يمكن اعتبار هذا البيان بمثابة اعتراف ضمني بأن مسألة اغتيال الكاظمي ليست بعيدة عن تفكير الحزب”، معتبراً أن استخدام البيان للهجة قوية وعدوانية ضد الكاظمي يعود إلى رغبة الحزب بعدم الظهور بمظهر المدافع عن نفسه أو الخائف من توجيه الاتهام له.

يذكر أن المسؤول الأمني في كتائب حزب الله،“ أبو علي العسكري” قال في تعليقه على محاولة الاغتيال: “ممارسة دور الضحية أصبح من الأساليب البالية التي أكل عليها الدهر وشرب، وبحسب معلوماتنا المؤكدة، أن لا أحد في العراق لديه حتى الرغبة لخسارة طائرة مسيرة على منزل رئيس وزراء سابق، إذا كان هناك من يريد الإضرار بهذا المخلوق الفيسبوكي فتوجد طرق كثيرة جدا، أقل تكلفة وأكثر ضمانا لتحقيق ذلك، ومما يثير السخرية أنه يدعو إلى ضبط النفس والتهدئة، فمن يا ترى عليه أن يقلق، ومن فقد السيطرة على نفسه، ألا لعنة الله عليك وعلى من أيدك، والحمد لله على نعمة العقل والدين”.

من جهته، يعود المحلل والخبير الأمني “مالك البدوي” في تحليله لمحاولة الاغتيال، إلى الأداة المستخدمة فيها، وهي الطائرات المسيرة، مشيراً إلى أن هذا النوع من الطائرات يتركز بشكل أساسي بيد الميليشيات المدعومة من إيران ولا يوجد لدى أي قوى أخرى في العراق، إلى جانب كونها الطائرات التي استخدمت عدة مرات في مهاجمة مقار عسكرية تنتشر فيها القوات الأمريكية.

إلى جانب ذلك، يلفت “البدوي” إلى أن الغرض من استخدام الطائرات المسيرة هو ترك بصمات ميليشيات إيران على العملية برمتها، موضحاً: “هنا تظهر فرضية مهمة وهي رغبة الميليشيات بإحداث الرعب في قلوب السياسيين من خلال قتل الكاظمي بسلاح يكشف هوية القاتل، وإظهار أنها لا تزال قادرة على التحرك كيفما تشاء دون حساب أو عقاب، خاصة وأن البلاد مقبلة على تشكيل حكومة جديدة عقب الانتخابات التشريعية، التي فقدت فيها الأحزاب الولائية مكانتها النيابية”.

كما يرجع “البدوي” استخدام الطائرات المسيرة في محاولة الاغتيال إلى سببين، الأول هو صعوبة وصول سيارة مفخخة أو انتحاري إلى مكان إقامة “الكاظمي” في ظل الظروف الأمنية الحالية، أما الثاني فهو دقة الطائرات المسيرة في تنفيذ مثل هذه العملية أكثر من السيارات المفخخة، وهنا يظهر أن العملية كانت تهدف فعلياً إلى قتل “الكاظمي” وليس مجرد إخافته.

في السياق ذاته يصف “البدوي” تلميحات المتحدث العسكري لحزب الله إلى أن المحاولة مفبركة وتهدف لكسب التعاطف، بانها تصريحات للاستهلاك الإعلامي والتأثير على شريحة من الشارع العراقي، مشدداً على أن هذا النوع من العمليات، والتي تتم بواسطة الطائرات المسيرة تكون نسبة دقة إصابة الهدف فيها عالية جداً، وأن “الكاظمي” إن فكر في ذلك الاتجاه لن يختار أن يكون بيته مسرحاً لها وإنما كان سيختار منطقة مفتوحة أكثر تساعده على توجيه الاتهامات لخصومه.

خلط الأوراق.. تحالفات ناشئة واغتيالات محتملة

أهم ما في محاولة الاغتيال الحاصلة، بحسب ما يراه المحلل السياسي “حسام يوسف” هو الكشف بشكل فعلي وصريح ورسمي عن وجود تبدلات في مناخ التحالفات على الساحة العراقية، في إشارة إلى التيار الصدري، لافتاً إلى أن تصريحات التيار الرافضة بشدة لمحاولة الاغتيال كانت بمثابة الإعلان عن وجود تحالف بين “الكاظمي” و”مقتدى الصدر”، الذي كان الفائز الأكبر في الانتخابات الأخيرة.

يذكر أن زعيم التيار الصدري “مقتدى الصدر” اتهم في بيان لها نشر على مواقع التواصل الاجتماعي من وصفها بـ “قوى اللادولة” بالوقوف وراء محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بثلاث طائرات مسيرة ، محذراً من من انتشار حالة الفوضى في البلاد لتسيطر عليها قوى اللادولة، في إشارة إلى الفصائل المسلحة التي ترفض الانضمام للمؤسسة الأمنية الرسمية التي خسرت الانتخابات والتي هددت الكاظمي خلال الأيام الماضية.

في ذات السياق، يلفت “يوسف” إلى أن التدقيق في تصريحات “الصدر” يكشف تماماً كم ابتعاده عن بوصلة الميليشيات الإيرانية، إلى جانب توجيهه الاتهام المباشر لها بالوقوف خلف التصعيد الأمني ومحاولة اغتيال “الكاظمي”.

ويشير “يوسف” إلى أن العراق ومع محاولة الاغتيال هذه، بدأ يدخل مرحلة حرجة جداً قد يشهد العراق خلالها أهداف محتملة أخرى لعمليات لاغتيال، وفي مقدمتها “مقتدى الصدر”، لافتاً إىل أن ميليشيات إيران تعتبر أن “الصدر” خرج عن سياقها وبات يغرد خارج سربها، أو بمعنى أصح أنه خانها.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.