مخاض تونسي جديد بعد قرارات قيس سعيد

أزمة جديدة أكثر عمقا من الأولى يبدو أن تونس تتجه إليها مع اتخاذ الرئيس “قيس سعيد” تدابير استثنائية، منها تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وحل الحكومة، طبقا للفصل 80 من الدستور التونسي، الأمر الذي لاقى ترحيبا من شريحة من التونسيين ومعارضة شريحة أخرى.

المدن التونسية شهدت أمس الأحد، الذي صادف اليوم الوطني للاحتفال بالذكرى 64 لعيد الجمهورية، مظاهرات واحتجاجات على تردي الأوضاع الاقتصادي في ظل الأزمة الوبائية التي تشهدها البلاد، ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بحل البرلمان وإسقاط الحكومة، كما تم احراق ومهاجمة مقرات حركة “النهضة” في غالب المحافظات التونسية.

مظاهرات الحسم…

ومنع الجيش التونسي، رئيس البرلمان، “راشد الغنوشي” من دخول مبنى البرلمان في ساعة مبكرة من صباح اليوم الاثنين وذلك بعد ساعات من إعلان الرئيس “قيس سعيد” تجميد نشاط البرلمان، بينما دعا الغنوشي التونسيين إلى النزول إلى الشوارع لإنهاء ما وصفه بانقلاب.

قرارات الرئيس “قيس سعيد” جاءت بعد أن ترأس اجتماعا طارئا للقيادات العسكرية والأمنية، وقبل إعلان نتائج الاجتماع تواصلت “مظاهرات الحسم”، واستمر المحتجون في اقتحام مقرات حركة النهضة مطالبين بمحاسبة “راشد الغنوشي” والحكومة”.

وقال الرئيس “سعيد “في خطاب متلفز: “لقد اتخذت قرارات سيتم تطبيقها فورا، القرار الأول الذي كان يفترض اتخاذه منذ أشهر هو تجميد كل اختصاصات المجلس النيابي، الدستور لا يسمح بحله ولكن لا يقف مانعا أمام تجميد كل أعماله”، مضيفاً: “القرار الثاني رفع الحصانة عن كل أعضاء المجلس النيابي ومن تعلقت به قضية، وسأتولى رئاسة النيابة العمومية حتى تتحرك في إطار القانون، لا تسكت عن جرائم ترتكب في حق تونس ويتم اخفاء جملة من الملفات في وزارة العدل أو في ملفات المجلس النيابي”.

أما القرار الثالث فيتمثل في تولي رئيس الدولة السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس الحكومة ويعينه رئيس الجمهورية، نحن هنا اتخذنا هذه القرارات وستصدر حملة من القرارات الأخرى في شكل مراسيم كما ينص عل ذلك الدستور حتى يعود السلم الاجتماعي إلى تونس، وحتي ننقذ الدولة والمجتمع”.

وأكدت مصادر أمنية أن “الرئيس التونسي كلف المدير العام لجهاز الأمن الرئاسي، خالد اليحياوي، بالإشراف على وزارة الداخلية، بعد قرار إقالة رئيس الحكومة “هشام المشيشي” الذي كان يشرف على وزارة الداخلية التونسي.

البداية والفصل 80..

الخلاف بين الرئيس التونسي “قيس سعيد”، وقوى سياسية ممثلة في البرلمان وعلى رأسها حركة “النهضة” بدأ منذ عام، عندما أجبرت حركة “النهضة” في يونيو الماضي، رئيس الحكومة السابق “إلياس الفخفاخ”، على تقديم استقالته بعد قرارها سحب الثقة منه، على خلفية شبهة تضارب مصالح، ولا يزال الموضوع قيد التحقيق القضائي.

ووفقا للدستور التونسي يعود اختيار رئيس حكومة جديد في حال سحب الثقة من البرلمان إلى رئيس الجمهورية الذي زكى “هشام المشيشي” وزير الداخلية، آنذاك لتشكيل حكومة جديدة، لينفجر الصراع على الصلاحيات، بعد اتهم الرئيس التونسي قوى سياسية، في إشارة إلى حركة “النهضة”، وصفها بـ”اللوبيات” بحماية الفاسدين وتعطيل ملفات قضائية.

كما تسبب الصراع السياسي في البرلمان والمشاحنات التي تحولت في بعض الأحيان إلى تبادل للعنف، في انقسام في الشارع التونسي، الذي بات يطالب جزء منه بحل البرلمان وإسقاط الحكومة.

وجاء قرر الرئيس التونسي “قيس سعيد” أمس الأحد، بتجميد كل سلطات مجلس النواب ورفع الحصانة عن كل أعضاء البرلمان وإعفاء رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصبه بموجب الفصل 80 من الدستور، الذي ينص: على تولي الرئيس “رئاسة النيابة العمومية” للوقوف على كل الملفات والجرائم التي ترتكب في حق تونس، وتولي السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس حكومة جديد ويعينه رئيس الجمهورية.

إلى جانب ذلك، يحق لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب.

ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي للدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة، وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.

وبعد مضيّ ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يوما. ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب.

تأويل وصلاحيات..

أما في تأويل الفصل 80، هناك البعض من الثوابت فيما تتعدد القراءات في عدة نقاط منه لكن المتداول عند معظم أساتذة القانون الدستوري:

ـ ينظم حالة الاستثناء وهي مختلفة عن حالة الطوارئ وحالة الاستثناء هي حالة “فريدة من نوعها”

ـ لرئيس الجمهورية هامش مهم من السلطة التقديرية وله إمكانية الاستناد إلى هذا الفصل أو تجنب ذلك خاصة في ظل غياب المحكمة الدستورية

ـ إعلان حالة الاستثناء يخوّل للرئيس اتخاذ “التدابير” وهي عبارة جاءت على إطلاقها في الفصل 80 وبالتالي بإمكانه اتخاذ تدابير من اختصاص المشرّع، أو رئيس الحكومة بما معناه أن تفعيل هذا الفصل يمكن أن يُعلّق العمل لفترة بمبدأ الفصل بين السلط وتركيز السلط بالتالي عند الرئيس.

ـ هناك حدود لهذا الفصل من ذلك أن يتعلق الأمر بحالة مؤقتة لا يمكن أن تكون دائمة، أيضًا لابد أن تصب التدابير الاستثنائية ضرورة في عودة تأمين السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال وأن لا تكون خارجة عن الدستور

منذ المصادقة على دستور الجمهورية الثانية أو دستور يناير 2014 كما يُطلق عليه البعض، لم يتم تفعيل الفصل 80 أبدًا لكن الدعوة لذلك ليست حديثة إذ سبق أن كان “الفصل الشهير” محل نقاش واسع بين المختصين والمتابعين للشأن السياسي في شهر يوليو الماضي وذلك إبان تصريحات لرئيس الجمهورية قيس سعيّد حينها، فُهمت كأنها تمهيد للتوجه نحو تفعيل هذا الفصل.

وفي تلك الفترة، قال “سعيّد” في يوليو 2020: إنه “لن يقف مكتوف الأيدي أمام تعطل البرلمان، والدولة فوق كل الاعتبارات ومؤسساتها يجب أن تعمل بصفة طبيعية.. يحصل أن تكون هناك مناكفات في بعض المجالس قد تصل حد العنف لكن أن تصل إلى مرحلة تعطيل مؤسسة دستورية فهذا غير مقبول بأي مقياس من المقاييس، مؤكداً أن “الوسائل القانونية المتاحة بالدستور موجودة بل هي كالصواريخ على منصات إطلاقها، ولن يترك الدولة التونسية بهذا الشكل الذي تسير إليه”.

بين مؤيد ومعارض..

في المقابل، يتهم المعارضون الرئيس قيس بخرق الدستور، إذ فرض الحالة الاستثنائية دون الالتزام بما ورد في المادة 80 التي تنظمها، بخاصة ضرورة استشارة رئيس الحكومة ورئيس البرلمان قبل اتخاذ القرار، وكذلك مبادرته إلى تجميد البرلمان في حين ينص الدستور على أن مجلس النواب يبقى منعقدا بصفة مستمرة طوال استمرار الحالة الاستثنائية، تذ أعلنت كتلة “قلب تونس”، وهي القوة الثانية في البرلمان، رفضها قرارات الرئيس، ووصفتها بأنها “خرق جسيم للدستور”، وعبّرت عن تمسكها بالشرعية الانتخابية واحترام القانون والمؤسسات.

بدورها، اعتبرت حركة الشعب، أنّ رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يخرج بالقرارات التي أعلن عنها عن الدستور، بل تصرف وفق ما تمليه عليه مسؤوليته في إطار القانون والدستور حفظا لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها وضمان السير العادي لدواليب الدولة.

وأكدت في بيان لها: أنها “تساند القرارات وهي طريق لتصحيح مسار الثورة الذي انتهكته القوى المضادة لها وعلى رأسها حركة النهضة والمنظومة الحاكمة برمتها”، داعية الشعب إلى المحافظة على سلمية تحركاتهم والمحافظة على سلامة الممتلكات العامة والخاصة وعدم الانزلاق وراء دعاة الفوضى.

يذكر أن تونس تعيش منذ يناير/كانون الثاني الماضي على وقع أزمة سياسية بين سعيد ورئيس الحكومة “المشيشي”، بعد تعديل وزاري أجراه رئيس الحكومة ويرفضه سعيد، كما تعاني من أزمة اقتصادية حادة في ظل تداعيات جائحة كورونا التي تضرب البلاد مع تحذيرات من انهيار وشيك للمنظومة الصحية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.