مدينة (منبج) من الأسد إلى قسد؛ ثم ماذا بعد؟

حسن النيفي: كاتب وباحث وشاعر سوري. يعمل محللاً سياسياً في وسائل إعلامية. مستشار في مؤسسة مينا للبحوث والدراسات.

دراسة تدرس واقع مدينة منبج السورية من خلال محاور عدة منها:

  • مدخل يمهد الحديث حول صراع القوى المحلية والدولية اليوم على منبج.
  • منبج الموقع والجغرافيا والتاريخ العريق.
  • رحلة كاتب البحث من منبج إلى المعتقل طوال خمسة عشر عاماً.
  • منبج في الثورة السورية.
  • دور الكتائب الإسلامية في منبج.
  • استيلاء داعش على منبج.
  • قوات سوريا الديمقراطية تطرد داعش من منبج وتسيطر عليها.
  • عودة الصراع الإقليمي والمحلي على منبج.
  • الدور التركي في استعاد منبج من قوات سوريا الديمقراطية.

المدخل

تكاد تختزل مدينة (منبج) على أرضها وفي فضائها الصورة العامة للصراع الإقليمي والدولي على الأرض السورية، إذ إن الأطراف المتنفذة في الصراع على سورية جميعها موجودة هناك (الولايات المتحدة الأمريكية – روسيا – تركيا – نظام الأسد – قوات سورية الديمقراطية)، فما الذي يجعل هذه الحاضرة النائمة على الضفة الغربية لنهر الفرات مرتعاً لأعتى جيوش الدول العظمى؟ ما هو مؤكَّد أن الإرث الحضاري لهذه المدينة وعراقتها التاريخية قد وسماها بطابع مسالم على مر العصور، لذلك قد لا تبدو مؤهلة لتكون مسرحاً للموت الذي يتربص بكل ما هو جميل فيها.

منبج الموقع والجغرافيا والتاريخ العريق.

تقع مدينة منبج في الشمال السوري، وتبعد عن مدينة حلب 90 كم باتجاه الشمال الشرقي، وتبعد عن الحدود التركية مسافة 35 كم، وعن نهر الفرات 40 كم من جهة الغرب.  ويبلغ مخططها التنظيمي (2000) هكتار، أما عدد سكانها فيبلغ قرابة (600000) نسمة بحسب آخر إحصاء رسمي عام 2004، وقُدّر عدد سكانها في عامي 2013 – 2014 بـ (800000) نسمة، وقد شهدت المدينة ازدياداً سكانياً مفاجئاً بسبب حركة النزوح الوافدة إليها باستمرار.

عرف الآشوريون مدينة منبج باسم (مابيجي) وأطلق عليها الساميون اسم (ينبج) وعُرفت في ما بعد عند اليونان بـ (هيرابوليس). دخلها المسلمون عام (16) هـ، بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، وجعلها هارون الرشيد عاصمة لجند العواصم، وولّى عليها عبد الملك بن صالح الذي أعاد بناءها بعد أن هدمتها الزلازل عام (784) م. 

تحتوي (منبج) ذات الأغلبية السكانية العربية (80 في المئة من سكانها عرب) على مزيج متنوع من المكونات(عرباً – كرداً – تركماناً – شركساً)، ولم تشهد المدينة على مر العصور أي نزاع عرقي أو طائفي أو مذهبي، بل كانت مثالاً للتعايش السلمي بين مكوّناتها كافة.

عُرفت مدينة (منبج) بتراثها الأدبي العريق، إذ كان أميرها في عهد الدولة الحمدانية الشاعر(أبو فراس الحمداني) الذي أسره الرومان على تخومها، واقتيد إلى القسطنطينية، حيث سطّر في سجنه أعذب أشعاره وأشجاها. وعاش في كنفها الشاعر(أبو عبادة البحتري) الذي ترددّ ذكرها مراراً في أشعاره، وفي العصر الحديث عُرف فيها الشاعر عمر أبو ريشة ومحمد منلا غزيل وعبد الله السلامة ويوسف عبيد والمخرج المسرحي الشهير فواز الساجر وكوكبة يطول ذكر أسمائها.

رحلة كاتب البحث من منبج إلى المعتقل طوال خمسة عشر عاماً.

لقد غادرتُ مدينتي منبج عام 1986 مغادرة قسريةً طالت خمسة عشر عاماً، أمضيتها معتقلاً سياسياً في سجون حافظ الأسد وابنه بشار من بعده، ولدى خروجي من المعتقل عام (2001) وجدت ملامحها العمرانية قد تغيرتْ كثيرا وكذلك شوارعها وبنيتها الهيكلية، ولكن الذي لم يتغيّر فيها هو طيبة أهلها ونزوعهم التنويري الذي يعشق الثقافة والأدب والشعر والموسيقى، الأمر الذي شجعني كثيراً للاندماج في حراكها الثقافي. وتحاشياً للتضييق الذي تمارسه السلطات الأمنية، اتخذتُ –بمشاركة عدد من الناشطين في الشأن الثقافي والسياسي– منزلاً ريفياً وسط مزرعة لي خارج المدينة، وجعلناه –على بساطته– منتدى ثقافياً نمارس فيه قراءة الشعر وسماع الموسيقى والحديث في السياسة والفكر وشؤون الثقافة كافة. 

منبج في الثورة السورية

في آذار عام 2011 ومع انطلاقة الثورة السورية، بدأ الحراك الثوري السلمي في المدنية، وذلك من خلال التظاهرات التي تنطلق من الأماكن العامة، وقد حاول رجال أمن النظام قمعها بكل وحشية، وتعرّض عدد من أبناء المدينة للاعتقال، ولكن -مع ازدياد زخم التظاهرات- لم يعد بمقدور سلطات النظام السيطرة عليها، فأصبحت التظاهرات الكبيرة من الطقوس المعتادة لأبناء البلدة.

تحررت مدينة (منبج) من سلطات نظام الأسد في 19 – 7 – 2012 وتولّى المجلس المحلي الذي كان قد تشكّل بسرّية قبل تحرير المدينة، إدارة البلد والإشراف على عمل المؤسسات الخدمية، وينبغي في هذا السياق تأكيد أن الإدارة المدنية لمنبج بعد تحريرها كانت الأكثر نجاحاً في المدن المحررة، إذ جرت المحافظة على مؤسسات الدولة والممتلكات العامة كلها، ولم تشهد المدينة حالات تخريب ونهب مطلقاً، إضافة إلى أن الدوائر الحكومية كلها ظلت تقدّم خدماتها للمواطنين بكامل طاقمها الوظيفي، ولعل ما ساعد في ذلك هو التنسيق القائم بين المجلس المحلي وفصائل الجيش الحر التي ينتمي عناصرها معظمهم إلى مدينة منبج ذاتها، الأمر الذي جعل هذه المدينة موئلاً لمئات آلاف من النازحين السوريين من حمص وحلب وإدلب.

في أوائل آذار من عام 2013 بدأ تنظيم داعش بالتسلل إلى المدينة، وذلك من خلال مجموعات صغيرة تحاول أن تظهر بمظهر المسالم الذي يبدي رغبة كبيرة في التقرب إلى السكان، وحاولت إقناع المواطنين بأنها لا تهدف سوى إلى الدعوة إلى الله وبيان العقيدة السليمة وأنها لا مطمع لها بسلطة ولا مال، وقد حاولت هذه المجموعات في بداية مجيئها عدم الاصطدام بأي تشكيل للجيش الحر، زاعمةً أنها لن تتدخل في الشأن المدني والإداري أو الخدمي للمدينة، ولكنها في الوقت ذاته وبطريقة شبه سرية كانت تقوم باستقطاب الشباب حديثي السن وتنظمهم تحت مسميات مختلفة (حركة الشباب المسلم – اتحاد طلبة سورية الأحرار)، ووفّرت لهم بعض أشكال الدعم في مسعى يهدف إلى تأليبهم على الجيش الحر والمجلس المحلي مستغلّة بعض الأخطاء هنا وهناك، إلى درجة أصبح فيها بعض هؤلاء الشباب يحملون الرايات السود ويخرجون في تظاهرات صغيرة مردّدين شعارات تندد بالحراك المدني الديمقراطي وتمجّد (الدولة الإسلامية في العراق والشام) وهذا هو اسم داعش آنذاك.

دور الكتائب الإسلامية في منبج

في مطلع أيلول من عام 2013 ازداد عدد المجموعات الإسلامية في منبج، وازداد عتادها وسلاحها، وتحول خطابها من طور الداعية المسالم إلى طور المهاجم الذي يريد الانقضاض على السلطة، فبدأت بوضع يدها على بعض المرافق الاقتصادية في المدينة (المطاحن – مؤسسة الأعلاف) وكذلك احتلت القصر البلدي والمركز الثقافي الذي يُعدّ من أهم الصروح الحضارية في منبج. وبات واضحاً ان هذه المجموعات الصغيرة التي سرعان ما تكتلت وباتت قوة تسعى إلى ابتلاع كل ما سواها من قوى مغايرة لها، فأصبح لها مقرات وسجون ومحاكم، وأخذت تعتقل عدداً من شباب الحراك الثوري الذين لم يستجيبوا لنهجها، فضلاً عن تحرّشاتها الدائمة بفصائل الجيش الحر التي كانت منهمكة بمواجهة قوات الأسد على جبهات حلب والقصير ومطار كويرس.

 لم تكن لدى الجيش الحر أي رغبة في الدخول في حرب مع تنظيم داعش في بداية الأمر وذلك لأسباب عدّة لعلّ أهمها:

أولاً: الاعتقاد السائد لدى الجميع أن المواجهة الحقيقية هي مع نظام الأسد، وأن الدخول في أي مواجهة أخرى ستؤدي إلى تقوية النظام، فضلاً عن عدم الرغبة في إيجاد أعداء جدد للثورة.

ثانياً: ثمة تردّد واضح لدى عدد من فصائل الجيش الحر في مواجهة تنظيم داعش، بسبب النزعة الإسلامية لبعض الفصائل، وعدم حيازة هذه الفصائل على الوعي الدقيق الذي يميّز الإيمان والتديّن الحقيقي من الإسلام السياسي الذي يستمدّ السلطة من الدين للهيمنة والتسلّط. إضافة إلى أن الفصائل ذات التوجه الإسلامي الصريح مثل(حركة أحرار الشام الإسلامية) رفضت رفضاً مطلقاً قتال داعش في مدينة منبج، وآثرت الانكفاء من دون الدخول إلى جانب طرف من الأطراف.

ثالثاً: كان ثمة تخوّف من ظهور فتنة في المستوى الاجتماعي بين سكان المدينة من وراء هذه المواجهة، نظراً إلى انخراط عدد من أبناء المدينة من صغار السن في صفوف داعش.

ولكن هذه التحفظات في قتال تنظيم داعش جميعها قد زالت تماماً أمام إصرار هذا الأخير على ابتلاع قوى الثورة كلها واستئصال مظاهرها، الأمر الذي دعا فصائل الجيش الحر في منبج إلى اتخاذ قرار حاسم باستئصال هذا التنظيم الإرهابي باعتباره عدواً للثورة لا يقل عداوةً عن نظام الأسد.

استيلاء داعش على منبج

وفي الساعة الثانية فجراً من يوم 6 – 1 – 2014 بدأ الهجوم على تنظيم داعش، ما أدّى إلى طرده من المدينة وأسْر عدد من أمرائه وأنصاره، وباتت منبج خالية من داعش مدّة (18) يوماً فقط، إذ عاود التنظيم حصاره لمنبج من ثلاثة أطراف، وبعد حصار دام أكثر من أسبوع وعدم قيام أي جهة أخرى بمؤازرة الثوار في منبج، إضافة إلى قيام التنظيم بقصف المدينة بمدافع الهاون التي تسقط قذائفها على رؤوس المدنيين، تمكّن تنظيم داعش في 23 – 1 – 2016 احتلال المدينة من جديد، وبات نهجه أكثر وضوحاً في التنكيل والانتقام من الناشطين كافة؛ المدنيين والعسكريين معاً، بل بات نزوعه نحو استئصال أي ممارسة ثورية مناهضة لنظام الأسد وداعش واضحاً جداً. إلّا أن خروج الجيش الحر من المدينة لم ينه المعركة، إذ إن فصائل الجيش الحر معظمها انتقلت إلى الريف الشمالي من حلب وكذلك حول مدينة اعزاز، حيث الجبهات مشتعلة في مواجهة دائمة مع تنظيم داعش منذ بداية عام 2014، وفي مدى ثلاث سنوات من المواجهات قدّم أبناء (منبج) أكثر من مئتي شهيد في مواجهة داعش، فضلاً عن أضعافهم من الجرحى والمصابين.

لم يتجسد رفض مدينة منبج لسلطة داعش عسكرياً فحسب، بل في المستوى المدني أيضاً، إذ إن منبج هي أول مدينة سورية تنفّذ إضراباً سلميا مدنياً احتجاجاً على ممارسات داعش وذلك في 18 – 5 – 2014، إذ راح ضحية هذا الإضراب عشرات من الشهداء والمعتقلين الذين نكّل بهم تنظيم داعش.

بعد انقضاء أربعة أعوام من عمر الثورة السورية، وبعد التوغل الكبير للجماعات الإرهابية في الأرض السورية، أصبح إعلان الحرب على الإرهاب من أولويات الإدارة الأمريكية، التي راحت تبحث عن حليف محلي يساهم في قتال داعش من دون مواجهة قوات نظام الأسد، وكان هذا الحليف هو (قوات سورية الديمقراطية) بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي pyd.

قوات سوريا الديمقراطية تطرد داعش من منبج وتسيطر عليها.

في 13 – 6 –  2016 بدأت قوات سورية الديمقراطية حصار مدينة منبج معلنةً الحرب على داعش، ومدعومةً بغطاء جوي أمريكي كثيف، وفي سياق هذا الهدف ساهم الأمريكان في توفير كامل الشرعية لحزب الاتحاد الديمقراطي باعتباره قوةً سياسية وعسكرية موجودة على الأرض السورية تسعى -بالتنسيق مع المجتمع الدولي- إلى محاربة الإرهاب واستئصاله من سورية، إلّا أن طبيعة الحصار -الذي أُحكِم على منبج- وشكل إدارة المعركة يوحيان بطريقة بالغة الوضوح أن قوات سورية الديمقراطية وبمؤازرة التحالف لم تكن  تهدف إلى طرد تنظيم داعش فحسب، بل تسعى لإبادة المدينة، وكأن سكان مدينة منبج جميعاً متهمون بالانتماء إلى داعش، الأمر الذي يثير أكثر من سؤال عن غياب دور فصائل الجيش الحر كلها أو تغييبه عن معركة منبج، وكذلك دور المدينة في مجابهتها لتنظيم داعش وما بذلته من تضحيات في مدى سنتين ونصف. علماً أن الحرب على تنظيم داعش بدأها الجيش الحر قبل أن تتشكل (قوات سورية الديمقراطية)، إضافة إلى أن مدينة منبج ذات أغلبية عربية، وطبيعة حراكها الثوري والسياسي يجسّد حاضنة جيدة للجيش الحر وليس لأي فصيل عسكري قومي أو إسلامي آخر.

وبالعودة إلى المعركة التي دارت رحاها في مدينة منبج وريفها نجد أن ثمة رغبة أمريكية في حصار المدينة من جوانبها الأربعة وعدم ترك أي منفذ للخصم كي يهرب، ما يجبر هذا الأخير على الاستماتة في الدفاع من خلال قتال الشوارع والعمليات الانتحارية والمفخخات، الأمر الذي ينذر بكارثة حقيقية تطال حياة أكثر من (250000) نسمة من المدنيين في المدينة، إضافة إلى ذلك -وهو الأمر الأهم- تجاهل بسالة مدينة منبج  ضد تنظيم داعش والأسد معاً في مدى سنتين ونصف، وكذلك تجاهل ما قدّمه أبناؤها على الصعيدين المدني والعسكري معاً من تضحيات ودماء وتشرّد ونزوح. هل كان هذا التجاهل الأمريكي بسبب حيازة الطرف الآخر(قوات سورية الديمقراطية) للكفاءة القتالية والتنظيمية؟

ليس ذلك فحسب، إنما الحق أن فصائل الجيش الحر ما زالت تحمل مشروع التغيير الذي من أولوياته محاربة نظام الأسد وإسقاطه، باعتباره أصلاً للإرهاب، وما تنظيم داعش سوى أحد تجلياته الإرهابية.  ولذلك نجد أنه لم يجرِ تحييد الجيش الحر من المعركة فحسب، بل معاقبة مدينة منبج برمتها من خلال هذا الحصار المروّع وكأن المدينة بسكانها كافة هي (داعش).

سبعون يوماً من الحصار، انتهت بطرد تنظيم داعش من المدينة، ولكن المأساة الحقيقية كان أبطالها هم السكان المدنيون الذين كانوا يواجهون الموت من قناصات داعش حيناً، ومن طيران التحالف حيناً آخر، تحت وطأة أوضاع معيشية هي الأقسى في تاريخ المدينة، إلى درجة بات الحديث فيها عن انعدام الطعام والشراب والمأوى أمراً ثانوياً قياساً بجثث الموتى المنتشرة في الشوارع التي لا يجرؤ أحد على انتشالها ودفنها بسبب القناصات، الأمر الذي دفع المواطنين إلى دفن موتاهم في حدائق المنازل والحدائق العامة. ولعل مجزرة قرية (التوخار) التي تبعد 20 كم شمال منبج، التي راح ضحيتها (120) ضحية من المدنيين في غارة لطيران التحالف في صبيحة (19 – 7 – 2016 ) كانت إحدى الشواهد التي لن تُمحى من ذاكرة سكان المنطقة.

سكان مدينة (منبج) اليوم ربما يجدون حيّزاً من الراحة والأمان في ظل وجود (قسد)، وذلك قياساً بمعاناتهم الكبيرة التي أمضوها في حكم (داعش)، إلّا أن هذه النسبة البسيطة من الأمان تشوبها منغصّات كبيرة تجعل لسان حالهم يردد: (أمران، أحلاهما مرّ)، ولعل من أهم هذه المنغصّات:

  1. الذي يحكم المدينة ويدير شؤونها ويتحكم في مقدراتها ومصيرها وصاحب القرار الفعلي هو قيادة حزب الاتحاد الديمقراطيpyd، حصراً، أما ما يقال عن مجلس محلي يتألف من مكونات المدينة كافة، فهذا كله للاستثمار الإعلامي لا أكثر.
  2. عدد النازحين والمهجرين قسراً من أبناء مدينة منبج بلغ ما يقارب (100000) مواطن، معظمهم من الناشطين والكتاب والسياسيين وأعضاء في صفوف الجيش الحر، هؤلاء جميعهم تحاربهم (قسد) وتصادر ممتلكات عدد منهم ومنازلهم، لأنهم يرفضون الانخراط في صفوف (قوات سورية الديمقراطية)، والتهمة الوحيدة الجاهزة لهؤلاء كلهم هي (عملاء تركيا).
  3. إنها لمفارقة مؤلمة حين ترى نخبة أبناء (منبج) الذين حملوا لواء الثورة محرومين ومحظورين من العودة إلى ديارهم، في حين ترى –في الوقت ذاته– عدداً من الموالين لنظام الأسد والمدافعين عنه، من أعضاء ما يسمى (مجلس الشعب) وقيادات في حزب بعث الأسد يصولون ويجولون وبتنسيق كامل مع سلطات قسد.

عودة الصراع الإقليمي والمحلي على منبج.

إن ازدياد النفوذ الإقليمي والدولي على الأرض السورية أدى إلى تعميم مبدأ (تقاسم النفوذ) الذي يعني من الناحية الفعلية تقسيم الجغرافية السورية إلى مناطق نفوذ للأطراف الدولية ذات المصالح المتصارعة، وذلك وفقاً لما يأتي:

  1. دمشق والساحل السوري مروراً بحمص وحلب (المنطقة المفيدة) تخضع لسيطرة نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين.
  2. الشريط الشمالي المحاذي للحدود التركية (مارع – اعزاز – الباب – جرابلس – عفرين) يخضع للنفوذ التركي.
  3. منبج وبقية المساحات الواقعة شرق نهر الفرات، إضافة إلى الجنوب السوري (درعا – القنيطرة) تقع تحت النفوذ الأمريكي.

بالتأكيد هذا التقاسم الدولي للأرض السورية لم ولن يكون ثابتاً، بل هو قابل للتبدّل باستمرار، وذلك تبعاً لتبدّل المصالح الدولية والإقليمية وعدم ثباتها من جهة، وكذلك تبعاً لتغيّر موازين القوى على الأرض من جهة أخرى.

وقوع منبج تحت النفوذ الأمريكي –من الناحية الجغرافية– جعل مصيرها مرهوناً بدرجة التفاهمات التركية الأمريكية، وبطبيعة العلاقة غير المنضبطة بين أنقرة وواشنطن. إذْ ترى تركيا أن خروج قوات الحماية الكردية من منبج أمرٌ يستوجبه أمنها القومي، إذ لا يخفي الأتراك مقاومتهم بشدة لقيام أي كيان قومي كردي على الأرض السورية المتاخمة لحدودهم، وخروج القوات الكردية من منبج ووقوعها تحت نفوذ أي جهة أخرى هو أمر ضروري جداً بالنسبة إلى أنقرة التي تهدف إلى قطع الطريق على مشروع (روج آفا) الذي يعني قيام كيان كردي يمتد من الحسكة شرقاً وحتى عفرين غرباً، وربما بتخوف الأتراك من امتداده إلى مدينة إدلب.

اتّسمت العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة طوال عامي (2016 – 2017) بالحدّة والتوتر، إذ طالما أظهر الأتراك تذمّرهم من دعم واشنطن لقوات سورية الديمقراطية من الناحية العسكرية، بل امتدّ هذا التذمر إلى اتهام الأمريكان بالخداع والكذب تارة، وبخذلان تركيا -شريكتهم في حلف الناتو- تارة أخرى.

لعلّ الرسائل الإعلامية للمسؤولين الأمريكان في معظمها كانت تحاول طمأنة الجانب التركي والإيحاء بأن العلاقة الأمريكية الكردية محورها هو محاربة داعش فقط، ولن يمتدّ إلى مساحات أخرى، إلّا أن هذه الرسائل جميعها لم تجدِ في إزالة المخاوف التركية، وبخاصة بعد زوال داعش من مدينة منبج ومن ثم الرقة.

في (24 – 8- 2017) وهو اليوم الذي أعلنت فيه تركيا وفصائل من الجيش الحر تحرير مدينة (جرابلس) وذلك ضمن عملية (درع الفرات)، كان نائب الرئيس الأمريكي (جوبايدن) يزور أنقرة في محاولة لتضييق الفجوة بين واشنطن وأنقرة، وفي مؤتمره الصحافي الذي أعقب لقاءه بالمسؤولين الأتراك صرّح بايدن أنه يجب على قوات الحماية الكردية مغادرة منبج إلى شرق الفرات، فاتخذ الأتراك من هذا التصريح المُعلن وعداً أمريكياً أو إقراراً بانسحاب قوات قسد من منبج.

الدور التركي في استعاد منبج من قوات سوريا الديمقراطية.

بعد سيطرة القوات التركية وفصائل درع الفرات على مدينة عفرين يوم (18 آذار – مارس – 2018) باتت تركيا تنظر إلى منبج بوصفها هدفاً لا يحتمل التأجيل، وبخاصة أن مجمل المشاورات التي جرت بين وزير الخارجية الأمريكي (تيلرسون) والمسؤولين الأتراك كانت توحي بليونة أمريكية تجاه هذا الهدف، وكانت الأنظار جميعها تترقب يوم (21 آذار – مارس 2018) الذي كان من المفترض أن تجتمع فيه اللجان المشتركة (الأمريكية التركية) للبحث في آليات انسحاب قوات قسد من منبج، إلّا أن التغييرات التي أجراها الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) في الإدارة الأمريكية التي كان أبرزها إقالة وزير الخارجية (تيلرسون) أدت إلى تأجيل اللقاء إلى يوم (23 من الشهر ذاته)، وبالفعل اجتمع الطرفان في الموعد المذكور، إلا أن نتائج اللقاء كان فيها كثير من الغموض الذي يوحي بتردد الولايات المتحدة في التخلي عن وجود قوات (قسد) في منبج، الأمر الذي دفع وزير الخارجية التركي (مولود جاويش أوغلو) إلى القول: (إننا توصلنا إلى تفاهم مع الجانب الأمريكي حول مدينة منبج، ولكننا لم نتوصل إلى اتفاق).

انسحاب قوات سورية الديمقراطية من منبج، وسيطرة فصائل درع الفرات مدعومةً من الجيش التركي على المدينة ما يزال أولوية تركية في الوقت الراهن، ولئن اتسم قرار الجانب التركي بالحزم وسرعة المبادرة حين اقتحام مدينة عفرين، إلّا أن قرار اقتحام مدينة منبج أمرٌ مختلف بالتأكيد، لعلّ وراء ذلك عدم رغبة الأتراك في الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تحتفظ بوجود عسكري في محيط المدينة، ولعل تحاشي تركيا لهذه المجابهة هو ما يجعل مستقبل مدينة منبج يخضع لتجاذبات سياسية ربما تكون مجهولة الأمد بين الجانبين، فهل سيتسع صدر تركيا لمزيد من الصبر أمام المماطلة الأمريكية أم ستحدث مفاجأة غير مُتوقعة؟

مدينة (منبج) الآن مكتظة بالسكان، ولكنها مكتظة في الوقت نفسه بالجيوش والميليشيات التي تختلط هوياتها، قد تبدو الشوارع والأسواق مزدحمة، وربما شهدت حركة تجارية واقتصادية نشطة، ولكن هذا لا يمكن أبدأ أن يخفي لدى أبنائها الحقيقيين إحساساً عميقاً بأن مدينتهم تعيش أقسى حالات الاغتراب، وكأنها تعلم أن الأقدام التي تتزاحم فوق ترابها هي أقدام غريبة، وأن أنفاس أبنائها الحقيقيين تشتعل حنيناً للعودة إليها.


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.