مستقبل العلاقة بين حماس وإيران

إعداد وحدة الدراسات الاستراتيجية في مرصد مينا

شهدت العلاقة بين حركة حماس والنظام الإيراني مداً وجزراً؛ فبراغماتية حماس في الأزمة السورية جعلتها متقلبة إذ كانت في البداية مع الثورة؛ ثم عادت لتكون في جانب النظام أو بصورة أكثر دقة مع الموقف الإيراني؛ تستعرض هذه الورقة أسباب تقلب الموقف الحمساوي؛ والدور الإيراني في تغيير مواقف حماس في الأزمة السورية من خلال محاور منها:

  • حماس وإعلان انضمامها إلى الحراك الثوري.
  • حماس تشارك في تأسيس كتائب عسكرية ضد النظام السوري.
  • الدور الإيراني في تغيير موقف حماس من الثورة السورية.
  • إيران تسيطر على الجناح العسكري لحماس.
  • أزمة حماس المالية واستغلال إيران لها؛ هل تسوّغ تقلبات حماس؟.
  • انتخاب (السنوار) مؤشر لعودة العلاقات قوية مع إيران.
  • البراغماتية الحمساوية.
  • الأموال الإيرانية في دعم حماس هي سرقات إيرانية لنفط جنوب العراق.

بداية التقلبات الحمساوية

في بداية صيف 2011 وجه الصحافي السوري الشهيد بلال أحمد بلال سؤالاً إلى الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، حول موقف الحركة من جرائم النظام بحق المتظاهرين السلميين في سوريا، فكان رد الدكتور أبي مرزوق (أن الدم السوري لا يختلف عن الدم المصري وأن من حق الشعب السوري أن ينال حريته).

بالفعل حسمت آنذاك حركة حماس موقفها من النظام السوري، وغادرت قيادتها غير آسفة على ما كانت تحصل عليه من امتيازات كثيرة كان يمنحها النظام للحركة، منها التدريب العسكري في واحدة من أهم القواعد الإيرانية التي أنشئت على الأراضي السورية على مقربة من الحدود اللبنانية، كان هدف تلك القاعدة تأمين الدعم اللوجستي لحزب الله، إضافة إلى نشاط ومهمات كان يقوم بها الحرس الثوري الإيراني في تلك القاعدة، وعندما اكتملت مغادرة قيادة حركة حماس لسوريا، أعلن أبو مرزوق من مكتبه آنذاك في القاهرة في 27 شباط/ فبراير 2012 وفقا لوكالة (اسوشيتد برس) في تصريح نقلته سكاي نيوز عربية (أن الحركة لم تعد موجودة عملياً في سوريا). وجاءت تصريحات موسى أبو مرزوق فيما كانت الحركة تعمل على إخراج عناصرها من سوريا، وبالتحديد الذين جاؤوا إلى دمشق من غزة أو الأردن، فيما أبقت على عناصرها من الفلسطينيين السوريين الذين أوكلت إليهم مهمة دعم المعارضة السورية المسلحة، وهكذا صنعت حماس تشكيلات عسكرية مهمة، الأولى كانت في مخيم خان الشيح وأطرافه، إلى الجنوب الغربي من مدينة دمشق، بمسمى كتائب العز، والثانية كانت في مخيم اليرموك، بمسمى كتائب أكناف بيت المقدس التي كانت بإشراف مباشر من مرافق خالد مشعل السابق (محمد زغموت الذي كان يشتهر بالمشير).

يضاف إلى ذلك بعض الدعم الذي قدمته الحركة، من خلال التدريب العسكري، في بعض مناطق الجنوب السوري، مستفيدة من التدريبات التي حصل عليها عناصرها في وقت سابق داخل سوريا، وحتى في إيران ذاتها.

كانت حماس تستعد آنذاك للأفضل، وكانت تتوقع نهاية النظام السوري في مدّة وجيزة، لذلك حسمت أمرها مبكراً، وكانت الصورة واضحة تماماً في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2012 عندما جرى الإعلان عن أكناف بيت المقدس إبان دخولها إلى مخيم اليرموك برفقة عدد من فصائل المعارضة، إضافة إلى جبهة النصرة.

تلك المرحلة مثّلت بدخول حماس إلى مخيم اليرموك نقطة فارقة في الملف السوري، فقد عمد النظام مقابل ذلك إلى الزج بجيش التحرير الفلسطيني -الذي يقع تحت إمرته- في أتون المواجهات المسلحة مع المعارضة، إضافة إلى ذلك أسس عدداً من المليشيا الفلسطينية، من مخيمات اللاجئين مثل مخيم النيرب في حلب، ومخيم خان دنون في الجنوب الدمشقي، إضافة إلى تنظيم القيادة العامة التابع لأحمد جبريل، ومجموعات شباب العودة التابعة لـ ياسر قشلق، وبهذه المعادلة أعاد النظام اللعب بالملف الفلسطيني على طريقته، مفترضاً أن المليشيا التي تدعمه هي التي تمثل القضية الفلسطينية، في الوقت الذي كان النظام يعمل على تدمير مخيمات فلسطينية عدة مثل مخيم حندرات في حلب، ومخيم درعا، إضافة إلى مخيم اليرموك.

هنا الصوت الإيراني حول حماس لم يكن مسموعاً على الصعيد الرسمي، خصوصاً أن إيران كانت تنفي في تلك المرحلة أي وجود لها في سوريا، إذ كان عام 2013 عام تراجع قوة النظام العسكرية، وازدياد نفوذ المعارضة المسلحة وسيطرتها على الأرض.

لكن الصمت الإيراني لم يكن عبثاً، فقد قُطع التواصل اللوجستي بين إيران وحماس تماماً، كان مطار دمشق هو نقطة التواصل المباشر، لأن القادمين من غزة كانوا ينزلون في مطار دمشق، وأما الذين كانوا يغادرون إلى إيران لاستكمال التدريب العسكري هناك، فكانوا يغادرون عبر مطار دمشق ومن دون استخدام جوازات السفر، وبحضور طواقم إيرانية خاصة، كانت تشرف على سفر عناصر حماس وعودتهم من دون إبراز وثائقهم الرسمية أو تسجيلها.

استمرت العلاقة بين حماس وإيران غامضة، تميل إلى انتظار المستجدات العسكرية على الأرض في سوريا، وحتى بداية الحرب الإسرائيلية على غزة في الثامن من تموز 2014 كانت العلاقات بين الجانبين يشوبها الحذر في المستوى الإعلامي، لكنها على الأرض كانت قد توقفت، إذ إن إيران أوقفت كامل دعمها لحكومة غزة، إضافة إلى الدعم المالي الخاص لكتائب القسام، ومع توقف الحرب، كان اللافت هو المؤتمر الصحافي الذي عقده أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام الذي قال في تصريحه إن النصر الذي تحقق في غزة، يعود أساسا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبهذه المغازلة، كانت تحاول حماس أن تعيد ربط علاقاتها بإيران من جديد، خصوصاً أن الحرب في غزة كانت قد خلفت كوارث اقتصادية هائلة، وكانت حماس بحاجة إلى ترميم هذه العلاقة التي أخذت جدلاً داخليا طويلاً، خصوصاً التيار الذي يتزعمه الدكتور محمود الزهار الذي كان يميل إلى ضرورة حسم هذا الجدل.

حتى بداية 2015 كانت الأزمة المالية تعصف بحركة حماس، وكان ما يتسرب من داخل الحركة، أن القطاع العسكري يريد إعادة ترميم العلاقات مع إيران، وكانت المعضلة هي نقطة البداية التي جاءت في نهاية آذار من ذلك العام، عندما اشتعلت الصراعات بين الفصائل المسلحة في مخيم اليرموك التي انتهت بسيطرة تنظيم داعش على أغلب المخيم، وانحسار مقاتلي الأكناف في مدخل مخيم اليرموك، وقد لجؤوا بدورهم إلى مليشيا أحمد جبريل أعداء الأمس الذين كانوا يحاصرون مخيم اليرموك، وجرى بالفعل نقل مقاتلي الأكناف إلى مناطق سيطرة النظام، ونقل عائلاتهم إلى المدارس الثانوية للبنات الواقعة بجوار مسجد البشير على مقربة من حي الزاهرة التي كانت تخضع لسيطرة النظام، ثم جرى في وقت لاحق نقل الجميع إلى مناطق قرب بلدة يلدا، التي كانت خاضعة للمصالحات، باستثناء قائد كتيبة الأكناف (المشير) الذي اعتقل، وظهر على شاشة تلفزيون النظام يدلي باعترافاته حول دور حماس في صناعة تنظيم الأكناف.

بدأ اللغط الحقيقي بعد هذه الحادثة تماماً، إذ أعلن أحمد جبريل أن خالد مشعل هو من اتصل به شخصيا وطلب منه حماية عناصر الأكناف ومساعدتهم، قال جبريل ذلك أمام قادة الفصائل الفلسطينية في دمشق، وبحضور أحمد مجدلاني وزير السلطة الفلسطينية المعني بملف مخيم اليرموك الذي خرج بدوره إلى الإعلام بهذه المعلومة التي تؤكد تحولا مهماً في موقف حماس من الوقوف ضد النظام، إلى وجود هذه الكتيبة ضمن مناطق سيطرة النظام، لكن تصريح سامي أبي زهري الناطق باسم حماس وبحسب عدد من الوكالات في 13 نيسان، جاء لينفي هذا الخبر، ثم نفت لاحقاً حركة حماس على لسان الناطق الرسمي مشير المصري، أي علاقة لها بكتائب الأكناف، وهي الرسالة التي حددت موقف حركة حماس وخطواتها المقبلة، ما يعني في ذلك الوقت أن حماس بدأت تتنصل من مشاركتها العسكرية في سوريا.

في 14 فبراير 2017 نشر موقع عربي 21 تقريراً بعنون ماذا يعني انتخاب حماس (السنوار) قائداً للحركة في قطاع غزة استعرضت فيه مجموعة من الآراء، أكدت فيه أن المرحلة المقبلة ستشهد عودة قوية للعلاقات بين حماس وطهران، وهو ما عبر عنه السنوار في وقت لاحق في مؤتمر صحافي، عندما أعلن عودة العلاقة ما بين طهران وحماس إلى سابق عهدها، لكن ليس بالضرورة أن تكون تلك العودة كما وصفها السنوار، فالعلاقة المالية حتى نهاية شهر أيار الماضي كانت تشهد أزمات خانقة، طالت حتى المؤسسات الإعلامية التي تنفق عليها إيران، ومن بينها تلفزيون القدس، مع التوقف الكامل عن دفع الأموال لحكومة غزة التي حاولت خلال الأعوام الماضية تعويضها عبر الضرائب التي فرضتها حماس على كاهل مواطني غزة. بينما أعادت إيران دعمها المالي ولو متقطعاً إلى كتائب القسام، وهو ما بات يثير التساؤلات في غزة، حول الدعم الإيراني الذي يذهب باتجاه كتائب القسام من دون سواها من مؤسسات قطاع غزة، بما فيها القطاعات التابعة لحركة حماس، فهل هي السياسة الإيرانية التي تهدف إلى مزيد من الضغط على الجناح السياسي للحركة لانتزاع مزيد من التنازلات، أم هي الأساليب الإيرانية المتبعة في سوريا والعراق، إذ تعمل إيران على صناعة مليشيا متعددة، لضمان مزيد من السيطرة الإيرانية على هذه المجموعات، بمقابل ذلك تمنع توحيد هذه المليشيا حتى لا تشكل قوة واحدة ومن ثم قد تخرج على سيطرتها.

في ظل ذلك كله، تبقى المعادلة بين ما تريده حماس، وما تريده إيران، فما تريده حماس هو الحصول على الدعم المالي حتى تحافظ على سيطرتها على غزة لأطول مدّة ممكنة، ومع شح الأموال العربية ورغبة الدول العربية في إنهاء ملف الانقسام الفلسطيني بما يضمن سحب الذريعة الإيرانية في المنطقة، المتمثلة بدعم ما تسميه محور المقاومة، يبقى الموقف الحمساوي يميل باتجاه المحافظة على استقلال غزة عن السلطة الفلسطينية وهو ما يعني مزيداً من الانقسام، ومزيدا التغلغل الإيراني ومن ثم استمرار الحصار على قطاع غزة، وتزايد احتمال المواجهة العربية لحركة حماس.

بينما إيران، كل ما يعنيها هو استغلال الملف الفلسطيني فحسب ذريعة لاستمرار تغلغلها في البلدان العربية واستنزافها وصناعة الحروب والفوضى الطائفية والخراب وغير ذلك.

ويبقى السؤال، إلى متى ستستمر إيران في دفع الأموال لحركة حماس، خصوصاً بعد العقوبات الأمريكية الجديدة عليها، ما سيجعل الاقتصاد الإيراني في تدهور سريع، يضاف إلى ذلك المطالبات الأمريكية والروسية بخروج إيران من سوريا، والتبدلات في خريطة الانتخابات العراقية بما لا يتوافق مع الأحلام الإيرانية، ذلك كله يعني أن الاستثمارات الإيرانية في هذه البلدان تتجه نحو الكارثة أيضا.

لكن، هل كانت إيران تدفع الأموال لحركة حماس من خزينة الدولة، أم من جيب الملالي، أم أن هذه الأموال كلها من السرقات التي كانت تقوم بها مليشيا إيران في جنوب العراق التي كانت تعمل على تهريب النفط وغيره لمصلحة إيران، خصوصاً أن ملفات الفساد في العراق واختفاء الأموال هي الأكثر في مستوى العالم.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.