مستقبل النشاط الإرهابي لداعش في شبه جزيرة سيناء

إشكالية الدارسة وفرضياتها:

نظراً إلى موقع شبه جزيرة سيناء الحساس لقربه من الحدود الإسرائيلية تواجه مصر استحقاقات مهمة في مواجه خطر تنظيم داعش في سيناء الذي استطاع -على الرغم من وجوده في منطقة شبه معزولة- التأقلم وشن عمليات إرهابية تستهدف إسرائيل ومصر، لترتفع بذلك المخاطر المحتملة لنشاط هذا التنظيم وإمكانية الحد من نشاطه.

محاور الدراسة وأهدافها:

  • مناقشة نشأة البنية التنظيمية لجماعة “تنظيم أنصار بيت المقدس” وتطورها وتحولها إلى فرع داعش في مصر.
  • تسليط الضوء على فاعلية التنظيم منذ مبايعته لداعش وتحديد مصادر تمويله وقدراته العسكرية.
  • البحث في علاقة فرع التنظيم في سيناء بنظيره في ليبيا والعراق وسوريا.
  • تقويم عمليات الجيش المصري المكافحة لنشاط التنظيم في شبه جزيرة سيناء.
  • تحديد أهم السيناريوهات المحتملة لمستقبل داعش في سيناء.

مكان الدراسة:

شمال شرق مصر في شبه جزيرة سيناء.

زمان الدراسة:

منذ بدء نشاط تنظيم “أنصار بيت المقدس” عام 2011 وحتى الآن.

أولاً: مقدمة

ما تزال العمليات العسكرية من قبل قوات الجيش المصري مستمرة في مواجهة نشاط التنظيمات الإرهابية ولا سيما بعد ظهور تنظيم داعش في شبه جزيرة سيناء ومبايعة عدد من الفصائل التي كانت تتبع القاعدة للتنظيم، لينتقل خطره إلى منطقة حساسة من شمال أفريقيا بالقرب من الحدود الإسرائيلية، لذلك قد تكون المخاطر المترتبة على نشاطه في تلك المنطقة مغايرة إلى حد ما عن بقية المخاطر التي تقوم بها فروع التنظيم الأخرى حول العالم كسوريا والعراق واليمن.

ثم إن النشاط الإرهابي القديم في شبه جزيرة سيناء يعطي تنظيم داعش هناك أفضلية في تمكنه من الصمود في منقطة صحراوية حدودية تنشط فيها عمليات التهريب للبشر وللمخدرات وغيرها، ما يجعل حالة الفلتان الأمني في تلك المنطقة مرتفعة إلى حد ما، في ظل وجود تجاذبات إسرائيلية عدة مصرية فلسطينية بشأن وضع تلك المنطقة.

وفي أي حال، فإن جهد مكافحة التنظيم يدخل حيز التساؤل عن مدى فاعليتها وقدرتها على إيصال داعش إلى مرحلة الإنهاك أو إلى مرحلة تثبيط النشاط في أقل تقدير، خصوصاً أن مصر تواجه ضغوطاً اقتصادية عدة تؤثر سلبياً في فاعلية عمليات الجيش المصري في سيناء، وغياب التنسيق الأمني بين الأطراف المعنية في المستوى الإقليمي بين إسرائيل وفلسطين ومصر قد يؤثر في مستقبل ومصير تنظيم داعش في سيناء ويجعله مفتوحاً أمام خيارات عدة.

ثانياً: مبايعة داعش وتطور تنظيم أنصار بيت المقدس

تنشط التنظيمات الإرهابية منذ وقت طويل في شبه جزيرة سيناء التي شهدت عمليات وهجمات إرهابية استهدفت مصر وإسرائيل وفلسطين أيضاً، وبحسب تقديرات جهاز الأمن الاستخباراتي الإسرائيلي المصغر “الشاباك” فإن ظهور أول تنظيم يحمل الفكر السلفي الجهادي –بحسب التصنيفات الإسرائيلية– يعود إلى عام 1997، في مدينة الناصرة الفلسطينية عندما تمكن شخص يدعى الشيخ “ناظم أبو سليم سكفة” من نشر الفكر السفلي هناك وقام بتشكيل جماعة “أنصار الله بيت المقدس – الناصرة” التي ضمت عشرات من العناصر سواء في الناصرة أم في أماكن أخرى داخل الأراضي الفلسطينية(١).

ويبدو من المحتمل أن بداية تنظيم أنصار بيت المقدس انطلقت نواتها من ذلك العام لكنها بقيت غير نشطة، أو نشطت بأسماء مغايرة لكن بصورة غير منظمة، حتى عام 2004، عندما قامت جماعة تسمى “الجماعة الإسلامية العالمية” بعمليات تفجير إرهابية استهدفت فنادق فيها سياح إسرائيليون في شبه جزيرة سيناء، وكان يرجح أن هذه الجماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة العالمي. واستمرت هذه العمليات بالحدوث بشكل متفرق مع تبني جماعات جهادية لها كتنظيم “التوحيد والجهاد”(٢).

وحتى حلول عام 2011، أعلن “تنظيم أنصار بيت المقدس” وجوده في شبه جزيرة سيناء عندما قام بتفجير أنبوب لنقل الغاز إلى إسرائيل والأردن. مستغلاً حالة فراغ السلطة الذي مرت به مصر بعد إطاحة الرئيس المخلوع حسني مبارك. وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية في 25 يوليو/ تموز 2011 أنه تنظيم إرهابي محظور(٣).

استمر نشاط أنصار بيت المقدس الإرهابي، حتى حصل انعطاف في مساره التنظيمي عندما أعلن في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 مبايعته لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام(٤)، بعد أن أعلن زعيم التنظيم الأخير أبو بكر البغدادي قيام الخلافة في مدينة الرقة شرق سوريا(٥). وأصدر حينها أحد قياديي أنصار بيت المقدس “أبو مصعب الغريب” كتيباً حمل عنوان “هلموا إلى سيناء الشام لتعلوا صرح دولتكم” ونشرته مؤسسة البتار الإعلامية التابعة لتنظيم داعش(٦). ودعا “الغريب” خلال هذا الكتيب إلى إقامة الجهاد في أرض سيناء بافتراض أنها تتبع تاريخياً لبلاد الشام المركز الرئيس لتنظيم داعش. وقبل ذلك في شهر نسيان/ أبريل 2014 أدرجت الولايات المتحدة تنظيم أنصار بيت المقدس على قوائم التنظيمات الإرهابية(٧).

ثالثاً: داعش في سيناء (العمليات – الأعداد – التموضع)

على الرغم من أن أقل التقديرات التي أحصت عدد مقاتلي تنظيم أنصار بيت المقدس في سيناء راوحت بين 700و1000 مقاتل(٨)، وأكثر تلك التقديرات راوحت بين 1000و1500(٩)، إلا أن فاعلية مقاتلي التنظيم كانت عالية في استهداف مناطق حساسة كخطوط نقل النفط ونقاط عسكرية للجيش المصري في منطقة العريش وغيرها؛ ويعود ذلك إلى خبرة الإرهابيين سواء في مستوى العناصر أم القاعدة بسبب نشاطهم الطويل في تلك المنطقة الصحراوية ومعرفتهم بجغرافيا المنطقة جيداً يمكنهم من شن عمليات إرهابية استباقية ضد أهدافهم، وكان أبرز نشاط أنصار بيت المقدس بدءاً من أواسط عام 2014 وفق ما يأتي:

2018(١٤)2017(١٣)2016(١٢)2015 (١١)2014 (١٠)
– 3 كانون الثاني/ يناير، جرى تفجير عبوة ناسفة بحاجز يتبع للجيش المصري في منطقة بئر العبد أودت بحياة أحد الضباط.
– 25 آب/ أغسطس قتل أربعة جنود مصريين بهجوم مسلح لعناصر التنظيم في منطقة الطريق الساحلي في العريش. 
– 9 نيسان/ أبريل، قام التنظيم بتفجيرين إرهابيين استهدفا كنيسة مار جرجس في طنطا، وكنيسة أخرى في الإسكندرية وأودى بحياة عشرات القتلى والجرحى.
– 7 تموز/ يوليو، أعلن الجيش المصري إصابة 26 من قواته في هجمات مسلحة استهدفت بعض نقاط تمركز الجيش في شمال شرق سيناء، وتبناها تنظيم داعش.
– 21 تشرين الأول/ أكتوبر، قام التنظيم بشن هجوم على منطقة الواحات في مدينة الجيزة، أسفر عن مقتل حوالى 55 من الشرطة المصرية.
– 24 نوفمبر/ تشرين الثاني اقتحم عناصر لتنظيم داعش مسجد الروضة يقع شرق مدينة بئر العبد في شمال سيناء، وفتحوا النار على المصلين عشوائياً ما أدى إلى مقتل ما يزيد على 300 شخص في المسجد. “وهو الهجوم الأضخم من حيث عدد الضحايا المدنيين في تاريخ مصر الحديث”.
– 7 كانون الثاني/ يناير أعلن تنظيم داعش “ولاية سيناء” التابعة لتنظيم “داعش”، عن تفجير خط الغاز الرئيسي في مدينة العريش الذي يصل إلى الأردن.
– 30 يونيو/ حزيران قام التنظيم باغتيال قس عقب مغادرته قداساً في مدينة العريش.
– 24 تشرين الثاني/ نوفمبر، ثمانية جنود مصريين قتلوا وأصيب 10 آخرون، بهجوم على منطقة “كمين الغاز”.
– في 11 يناير/ كانون الثاني، أعلنت عناصر من التنظيم “اختطاف الضابط المصري أيمن دسوقي، وبثت مواقع تابعة للتنظيم في 26 من الشهر نفسه مقطع فيديو لاختطاف الضابط المذكور وقتله”.
-29 كانون الثاني/ يناير، قام التنظيم بمهاجمة “الكتيبة 101″، ومواقع أمنية وعسكرية أخرى في ضاحية “السلام” في مدينة العريش، بعدد من السيارات المفخخة، وقذائف الهاون ما أدى إلى مقتل حوالى 20 مجنداً.
– نسيان/ أبريل، قتل حوالى 14 عسكرياً مصرياً في 3 عمليات شنها التنظيم في شمال سيناء.
– 10 حزيران/ يونيو جرى إطلاق صواريخ باتجاه مطار “الجورة” في سيناء وهو مطار تستخدمه قوات حفظ السلام الدولية.
–  28 يونيو/ حزيران مذبحة رفح الثالثة نصب التنظيم كميناً على أحد الطرق في منطقة “سيدوت”، قرب الحدود مع إسرائيل، وقاموا بتفتيش السيارات المارة وإنزال عناصر الأمن المركزي المصري منها، وأسفرت عن مقتل أربعة مجندين بينما كانوا في الطريق لقضاء إجازاتهم مع أسرهم.
– في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2014، شن بيت المقدس هجوماً على أحد المواقع الأمنية في منطقة “كرم القواديس”، بعدد من السيارات المفخخة والقذائف الصاروخية، ما أسفر عن مقتل 31 من ضباط وجنود الجيش المصري.
– 24 كانون الأول/ ديسمبر، بثت الجماعة –بعد مبايعتها لداعش– فديو يظهر إعدام شخصين بتهمة التخابر مع الجيش المصري.

وحول أماكن انتشار عناصر ولاية سيناء، فيتركزون في مغارات جبل الحلال وفي قرية الماسورة في رفح والخروبة والسكاسكة والوادي الأخضر في الشيخ زويد والمزارع في مدينة العريش، وأم شيحان في وسط سيناء، وقريتي الخروم والرويسات بجنوب سيناء، ويرجح أن مقاتلي التنظيم معظمهم من المصريين يليهم الفلسطينيين الذين يشكلون من 20 في المئة إلى 30 في المئة من عناصره، وكذلك يوجد بعض العناصر الليبيين وآخرون من الأجانب ينحدرون من دول أفريقية(١٥).

مخطط بياني للنشاط العملياتي لتنظيم أنصار بيت المقدس منذ نشأته وحتى أواخر عام 2017(١٦)

رابعاً: جدوى العمليات العسكرية للفاعلين في مواجهة نشاط ولاية سيناء:

يواجه تنظيم داعش ثلاثة أطراف رئيسيين الأول الجانب المصري والثاني إسرائيل والثالث حماس في قطاع غزة، إذ إن كل طرف يسعى لتقويض نفوذ داعش لكن بحسب رؤيته واستراتيجيته لذلك قد لا تكون العمليات الأمنية والعسكرية المستهدفة للتنظيم قد حققت الجدوى والأهداف الكاملة منها بسبب تباين مواقف الفاعلين وسياساتهم في ملف مكافحة داعش.

بالنسبة إلى الجيش المصري فقد بدأ منذ عام 2011 عندما أعلن إطلاق عملية “النسر” في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي(17)، بدأ مكافحة التنظيمات الإرهابية في شبه جزيرة سيناء، واستمرت هذه العمليات واسعة النطاق التي ضيقت الخناق على التنظيمات الإرهابية ما دفعها إلى إحداث تغيير بنيوي في عملها للمحافظة على كياناتها، وكان هذا أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت أنصار بيت المقدس وغيرها إلى مبايعة تنظيم الدولة الإسلامية.

وحينها كان على الجيش المصري إعادة بناء استراتيجيته والانتقال من العمل على مكافحة تنظيمات متفرقة إلى تنظيمات أصبحت مرتبطة بكيان إرهابي عالمي لديه فروع في أنحاء مختلفة من العالم، لذلك سارعت مصر -في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي- إلى إطلاق عملية أمنية في أواخر 2014 لإقامة منطقة عازلة مع قطاع غزة بعمق 500 متر وبطول 14 كيلومتر لمنع تدفق الإرهابيين، وجرت هذه العملية بناء على موافقة إسرائيل لأن اتفاقية كامب ديفيد “تمنع مصر من نشر قوات قتالية في منطقة سيناء، وتحدد عدد هذه القوات في سيناء، غير أن تل أبيب وافقت على نشر قوات مصرية من فرقتي “777 و999″ في مدينتي رفح والعريش، إضافة إلى قوات من المظلات وقوات أخرى”. وكذلك حظيت هذه العملية بتأييد الولايات المتحدة(18)، لكن حماس في قطاع غزة لم تظهر ارتياحها لهذه الخطوة؛ لأنها قد تزيد عزلة القطاع وحصاره(19). وما سبق أظهر منذ بداية انطلاق عمليات استهداف داعش حجم التباينات الموجودة بين الأطراف المعنية بهذا الملف.

عام 2015 بدأت القاهرة بالدخول في المرحلة الثانية من استراتيجية المنطقة العازلة التي اقتضت إخلاء مدينة رفح الحدودية مع قطاع غزة وهدمها بالكامل لإنشاء نقاط تموضع عسكرية للجيش المصري ليصل عمق المنطقة العازلة إلى حوالى ألف كم(20). بهدف قطع الموارد العسكرية واللوجستية عن تنظيم داعش التي كانت تصله عبر أنفاق جرى إنشاؤها(21).

في العام التالي أطلق الجيش المصري عملية “حق الشهيد” في سيناء وتمكن من استهداف عدد من عناصر التنظيم(22). وأغرق أنفاقاً عدة للتهريب بين قطاع غزة وسيناء بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي(23). في حين أعلن قتل متزعم تنظيم “أبو دعاء الأنصاري” بغارة جوية مصرية(24).

وفي 2017 جرى الإعلان عن البدء بتنفيذ المرحلة الثالثة للمنطقة العازلة ليصل طولها إلى 15 كم على الحدود مع القطاع(25). لكن على الرغم من هذه الإجراءات وتعزيز القبضة الأمنية على تنظيم داعش هناك، إلا أنها لم تحد من نشاطه بالشكل المطلوب، بل ارتفعت معدلات هجماته الإرهابية عام 2017 ارتفاعاً ملحوظًا.

وشملت المواجهة المصرية لتنظيم داعش الملاحقة القضائية ففي 2018 أصدرت محكمة الجنايات المصرية حكماً بإدراج جماعة ولاية سيناء فرع داعش في مصر وأكثر من 300 شخص متهمين بالانتماء إليها على قوائم الإرهاب(26). إضافة إلى وجود مبادرات محلية عسكرية من عشائر سيناء لمواجهة التنظيم فقد شكلوا عام 2014 “حركة أبناء سيناء” لمساندة قوات الجيش المصري(27).

أما بالنسبة إلى الإجراءات الإسرائيلية فهي تحاول الإبقاء على التنسيق الأمني نشطاً مع القوات المصرية، لكنها تحاول عدم تحمل العبء الأكبر في مواجهة التنظيم، وتحاول أيضاً أن تبقي هذا الملف ورقة استنزاف ضد قطاع غزة والحكومة المصرية أيضاً، لكنها تقوم بالتزامن مع ذلك بنشاط ملحوظ في شن ضربات جوية عسكرية مستهدفة للتنظيم في سيناء، حيث بلغ عددها منذ بدئها في 2015 وحتى 2018 حوالى 100 غارة جوية شُنّت بالتنسيق مع الجانب المصري(28).

وحول الإجراءات المتخذة من حركة حماس في قطاع غزة لمواجهة تنظيم ولاية سيناء، فقد قامت عام 2015 بشن حملة أمنية واسعة داخل قطاع غزة اعتقلت خلالها عدداً من الأفراد والخلايا التي كانت تساند التنظيم في سيناء(29). وفي 2017 قامت بحملة أمنية مشابهة استهدف خلايا التنظيم(30). لكن حماس أيضاً -على الرغم من ذلك- تواجه اتهامات إسرائيلية بتسهيل نقل الأسلحة والعتاد عبر الأنفاق إلى تنظيم ولاية سيناء(31)، وهو ما يحدث خللاً في عملية التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل وقطاع غزة لمواجهة التنظيم.

خامساً: السيناريوهات المحتملة لمسار العمليات ومصير داعش

بعد مرور أكثر من سبع سنوات على الجهد الرامي إلى تقويض نفوذ التنظيمات الإرهابية في سيناء، وخصوصاً تنظيم داعش، تبرز خيارات عدة لمستقبل نفوذه ونشاطه ولا سيما أن التنظيم استطاع بناء شبكة علاقات خارج حدود سيناء مع نظرائه في ليبيا والقارة الأفريقية أيضاً، وأهم تلك المآلات لمصير التنظيم ما يأتي:

الأول: دخوله في مرحلة الضعف، ويبدو أن العمليات العسكرية المستهدفة للتنظيم قد ساهمت في تقويض نشاطه عبر التركيز على استراتيجية تجفيف منابع التمويل التي اتبعها الجيش المصري بإكماله عام 2017 وإنشاء منطقة عازلة على الحدود مع قطاع غزة استطاعت استهداف الأنفاق وشبكات التهريب التي كانت تغذي التنظيم.

لكن هذه الاستراتيجية بالمقابل أحدثت أضراراً في البنية التحتية في تلك المنطقة إذ هدمت مئات المنازل وجرى تهجير عدد من السكان، إضافة إلى تضييق الخناق على قطاع غزة، أي إن الحكومة المصرية مع استمرار المضي قدماً في تحقيق الأهداف الكاملة للمنطقة العازلة تواجه عقبتين رئيسيتين الأولى الأزمة السكانية والاقتصادية المترتبة على إنشاء تلك المنطقة العازلة، والثانية مشكلة سياسية مع حركة حماس، إذ إن إبقاء الخناق مضيقاً على القطاع قد يؤدي إلى إحداث توتر في العلاقات مع حركة حماس، وهو ما لا تطمح إليه مصر في الوقت الحالي الذي يشهد مفاوضات بوساطة مصرية بين حماس وإسرائيل لإنهاء الخلافات حول قطاع غزة بشكل شبه كامل. من ثم فإن استراتيجية المنطقة العازلة قد تنجح في دفع تنظيم داعش في سيناء إلى مزيد من الضعف على المدى القريب، لكن مع مرور الوقت قد يجري تخفيف الإجراءات الأمنية في المنطقة العازلة بسبب ضغوطات قد تحدث من حماس للتضييق أكثر على القطاع، ما قد يستغله التنظيم للعودة مجدداً في مراحل متقدمة.

الثاني: عودة التنظيم إلى تكثيف هجماته، وهو سيناريو قد يحدث إذا استمر وجود ثغرة في التنسيق بين الأطراف الثلاثة الفاعلة (إسرائيل، غزة، ومصر) لملاحقة خلايا التنظيم، إذ إن عدم القدرة على دفع المفاوضات بين إسرائيل وحماس من مصر إلى الأمام والعودة إلى مرحلة متأخرة منها، قد يؤدي إلى تصعيد سياسي أو عسكري جديد كالذي حدث مؤخراً في قطاع غزة(32)، وهذا الأمر سيلقي على مصر مزيداً من الأعباء بشكل منفرد لمواجهة تنظيم داعش، وحينها قد يستثمر الأخير أي فرصة سانحة لتفعيل هجماته مجدداً. أي بمعنى آخر إن عملية إنهاء داعش في سيناء مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمستقبل المفاوضات بين إسرائيل وقطاع غزة.

الثالث: الظهور بمسميات جهادية أخرى ونقل النشاط إلى مناطق صعيد مصر، وهذا السيناريو هو المرجح لأن التنظيم تمكن من إنشاء خلايا إرهابية عدة تابعة له في مناطق الصعيد مستغلاً أيضاً البيئة الصحراوية وشبكات التهريب، إضافة إلى إنشاء قنوات تواصل لوجستي ومالي مع تنظيم داعش في ليبيا الذي أيضاً بعد وصوله إلى مرحلة الضعف هناك توجه إلى جنوب ليبيا وعزز مواقعه في تلك المنطقة(33)، فالارتباط الوظيفي بين عناصر داعش في مصر وليبيا وارد الحدوث ولا سيما أن عدداً من القيادات الإرهابية المصرية قد شاركت في إنشاء داعش في ليبيا وكذلك العكس وكان أبرزهم “هشام العشماوي” المصري الذي ألقي القبض عليه في ليبيا وهو أحد أهم المطلوبين للحكومة المصرية وأبرزهم بسبب نشاطه الإرهابي الفاعل(34). ما يعني أن ولاية سيناء قد تتحول إلى ولاية أخرى، وقد ظهرت مؤشرات على وجود مثل ذلك التوجه لدى داعش عام 2015 عندما جرى الإعلان عما يسمى “ولاية داعش الصعيد” لكن القوات المصرية أنهت وجودها وتمكنت من محاكمة قادتها(35)، وكذلك ظهور ما يسمى “جنود الخلافة” في أواسط 2017، وهم فرع لتنظيم داعش في القاهرة(36).

سادساً: الخلاصة

يواجه تنظيم داعش في مختلف فروعه ولا سيما الرئيسية في العراق وسوريا، عقبات كبيرة في المحافظة على وجوده وبدأ يضعف نشاطه أكثر من ذي قبل، لكن هذا الأمر لا يعني أن التنظيم قد لا يتمكن مجدداً من شن تهديدات إرهابية عبر خلاياه ومنها عناصره في مصر الذين تشير العمليات التي قاموا بها -على الرغم من قلة أعدادهم- إلى وجود الخبرة القتالية العالية لديهم وتمكنوا من إصابة أهداف حساسة في مصر أودت بحياة مئات المدنيين، ويبدو أن التنظيم استفاد من خبرة القيادات التي قدمت من سوريا والعراق(37) بعد ملاحقتهم أو انتدابهم من التنظيم للإشراف على قيادة عناصره وخلاياه وإدارتها في مصر. ثم إن موقع التنظيم في ولاية سيناء يعدّ حساساً لدرجة أكبر من باقي فروعه في مصر أو أفريقيا، لذلك فإن التحديات أمام إنهائه ما تزال كبيرة.


الهوامش:

  1. “التهديد الكامن في ترجمة أفكار “السلفية الجهادية” إلى نشاط عنيف وإرهابي”. موقع الشاباك الإسرائيلي، 30-12-2011. https://bit.ly/2DLoA3c
  2. “اعتقال خمسة لعلاقتهم بتفجيرات طابا”. بي بي سي، 25-10-2004. https://bbc.in/2BzLcCg
    “من هي جماعة أنصار بيت المقدس التي أصبحت ذراع تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء؟”. فرانس 24، 30-1-2016. https://bit.ly/2DP6c9w
  3. “القضاء المصري يتهم مجموعة «التوحيد والجهاد» بالمسؤولية عن تفجيرات سيناء”. جريدة الرياض، 28-4-2006. https://bit.ly/2ArPRo7
  4. “ANSAR BAYT AL-MAQDIS”. US Director of National Intelligence. https://bit.ly/2Ri8y4E
  5. “داعش” يعلن إقامة “الخلافة الإسلامية” ويبايع زعيمه خليفة للمسلمين”. بي بي سي، 30-6-2014. https://bbc.in/2PpkwZC
  6. “هلموا الى سيناء الشام”. Internet Archive Website، 28-11-2014. https://bit.ly/2TO7E1J
  7. “Ansar Bayt al-Maqdis”. Global Security, 25-11-2017. https://bit.ly/2P8jMH9
  8. “What’s Behind the Wave of Terror in the Sinai”. The Atlantic, 22-11-2013. https://bit.ly/2zATrfX
  9. “Sinai Province: Egypt’s most dangerous group”. BBC, 12-5-2016. https://bbc.in/2G1KVwn
  10. “منذ “عزل” مرسي.. أبرز هجمات “أنصار بيت المقدس” على الجيش المصري بسيناء”. سي إن إن، 30-1-2015. https://cnn.it/2Q4Op5w
    “أنصار بيت المقدس تبث شريطاً لإعدام شخصين في سيناء”. العربية نت، 24-12-2014. https://bit.ly/2yp9L36
  11. “أنصار بيت المقدس”. الجزيرة نت، 22-3-2015. https://bit.ly/2zuJYXy
    “نبذة عن تنظيم “ولاية سيناء”. بي بي سي، 1-7-2015. https://bbc.in/1CMtzX8
  12. “ولاية سيناء” تتبنى تفجير خط الغاز الرئيسي بالعريش. سبوتنيك، 8-1-2016. https://bit.ly/2Sn3ah1
    “مقتل قس بعد مغادرته كنيسة بسيناء.. و”داعش” يتبنى”. روسيا اليوم، 30-6-2016. https://bit.ly/2zuRdPe
    “ارتفاع عدد الجنود المصريين القتلى في هجوم بشمال سيناء”. الحرة، 25-11-2016. https://arbne.ws/2PcALIB
  13. “داعش يعلن مسؤوليته عن تفجير كنيستين في مصر”. سبوتنيك، 9-4-2017. https://bit.ly/2FLYPSP
    “هجمات استهدفت الجيش والشرطة بمصر منذ 2013”. الجزيرة نت، 22-10-2017. https://bit.ly/2QpzemZ
    “”بالصور: هذا ما حدث في مسجد الروضة بشمال سيناء”. بي بي سي، 25-11-2017. https://bbc.in/2hWabF8
  14. “أول تفجير بسيناء خلال 2018.. ومقتل رقيب مصري”. الخليج أونلاين، 3-1-2018. https://bit.ly/2PcAvci
    “مصر.. مقتل 4 جنود و4 مسلحين في هجوم استهدف حاجزا أمنيا بالعريش”. روسيا اليوم، 25-8-2018. https://bit.ly/2rlt5dz
  15. “أنصار بيت المقدس.. صراع الاحتواء بين “القاعدة” و”داعش””. بوابة الحركات الإسلامية، 23-4-2014. https://bit.ly/2QqLm75
  16. “الاتجاهات العامة للنشاط الإرهابي في مصر خلال العام 2017”. مركز الأهرام للدراسات، 15-1-2018. https://bit.ly/2zt9tII
  17. “الأحداث الإرهابية في سيناء ما بعد عام 2011م – 2012م”. المجموعة 73 مؤرخين، https://bit.ly/2DVQBp0
    “مصر: الجيش يبدأ عملية “النسر” ضد مسلحين بسيناء”. بي بي سي، 15-8-2012. https://bbc.in/2KKrfvy
  18. “إقامة ” منطقة حدودية عازلة” مستمر بدعم أمريكي وإسرائيلي”. ساسة بوست، 1-11-2014. https://bit.ly/2SkqwUo
    “مصر تبدأ في إقامة منطقة عازلة مع غزة”. العربية نت، 26-10-2014. https://bit.ly/2zAQyfj
  19. “غزة قلقة من “المنطقة العازلة”. الجزيرة نت، 28-10-2014. https://bit.ly/2U0TM4f
  20. “بدء توسعة المنطقة العازلة بين مصر وغزة.. 12 سيارة لنقل 2044 أسرة من 1220 مبنى”. سي إن إن، 8-1-2015. https://cnn.it/2BJLO8s
    “السلطات المصرية “ستزيل مدينة رفح بالكامل” لإنشاء منطقة عازلة مع غزة”. بي بي سي، 7-1-2015. https://bbc.in/29Dvsim
  21. “الجيش المصري “يكتشف نفقا خرسانيا مجهزا بوسائل اتصال” على حدود مصر مع قطاع غزة”. بي بي سي، 6-2-2016. https://bbc.in/2SnQeaB
  22. “بالفيديو.. الجيش المصري يقتل 22 “تكفيريا” بالمرحلة الثالثة من عمليات “حق الشهيد” بسيناء”. سي إن إن، 3-6-2016. https://cnn.it/2P8QIPX
  23. “وزير إسرائيلي: مصر أغرقت الأنفاق في غزة بطلب من إسرائيل”. DW، 7-2-2016. https://bit.ly/2U2QnSs
  24. “الجيش المصري يعلن مقتل زعيم تنظيم “ولاية سيناء”. بي بي سي، 4-8-2016. https://bbc.in/2b6BI2t
  25. “مصر تمدد المنطقة العازلة مع قطاع غزة”. بي بي سي، 6-10-2017. https://bbc.in/2y0efLI
  26. “محكمة مصرية تدرج جماعة ولاية سيناء وأكثر من 300 شخص على قوائم الإرهاب”. رويترز، 7-3-2018. https://bit.ly/2FQIKeG
  27. “بالفيديو.. حركة “أبناء سيناء” تتوعد بالتصدى لجماعة “أنصار بيت المقدس”.. وتهدد القبائل بالقتل حال تسترهم على التكفيريين.. وتؤكد: نعرف أعضاء الجماعة الإرهابية وسنصل إليهم كلهم حيث كانوا”. اليوم السابع، 3-11-2014. https://bit.ly/2rdeaC5
  28. “الطيران الحربي الإسرائيلي نفذ 100 هجوم بسيناء بموافقة السيسي”. عرب 48، 3-2-2018. https://bit.ly/2zyhufI
  29. “لواء التوحيد في غزة يغازل “ولاية سيناء” وداعش ويتحدى نفوذ حماس”. العربية نت، 28-9-2015. https://bit.ly/2rgyNNE
  30. “{حماس} تغلق الحدود مع مصر وتستنفر ضد {دواعش} غزة”. الشرق الأوسط، 18-8-2017. https://bit.ly/2rdnCFo
  31. “إسرائيل تتهم “حماس” بدعم هجوم “داعش” في سيناء للحصول على السلاح.. وتفتح طريقا حدوديا مع مصر”. سي إن إن، 8-7-2015. https://cnn.it/2Rrabx8
  32. “غزة.. عملية تسلل إسرائيلية ليلاً ومقتل 7 فلسطينيين”. العربية نت، 12-11-2018. https://bit.ly/2FZV5xw
  33. “تنظيم داعش يستغل الفوضى لتعزيز مواقعه جنوب ليبيا”. العرب اللندنية، 26-11-2018. https://bit.ly/2QrqI6Z
  34. “القبض على هشام عشماوي، أبرز المطلوبين للسلطات المصرية، في ليبيا”. بي بي سي، 8-10-2018. https://bbc.in/2PiFqcM
  35. “ولاية الصعيد”.. أحدث إعلانات تنظيم الدولة بمصر”. الجزيرة نت، 30-4-2015. https://bit.ly/2KL9psr
  36. “جنود الخلافة في مصر”.. يتبع “داعش الأم” وينسق مع “ولاية سيناء” ويتعهد بالاستمرار في استهداف الأقباط والمصالح الحكومية”. بوابة الحركات الإسلامية، 6-5-2017. https://bit.ly/2rh47eZ
  37. “أردوغان: إرهابيو داعش بالرقة سيُنقلون إلى سيناء المصرية ويستخدمون هناك”. دايلي صباح، 5-12-2017. https://bit.ly/2So1fZv

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.