“مقتدى الصدر” يحاصر الميليشيات ويضعها بمواجهة الشارع العراقي

فيما تتصاعد ضغوط الفصائل العسكرية الموالية لإيران في العراق بغية التأثير في نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت الشهر الماضي، مع اقتراب المهل المحددة لحسمها من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والمصادقة عليها من قبل المحكمة الاتحادية، تقدم زعيم التيار الصدري “مقتدى الصدر”، بمبادرة يعتقد مراقبون أنها قد تنقذ البلاد من استمرار الأزمة الحالية وتداعياتها المستقبلية.

الصدر وضع حزمة من الشروط أمام القوى الخاسرة من أجل الاشتراك في تشكيل الحكومة منها “حل الفصائل المسلحة دفعة واحدة وتسليم سلاحها كمرحلة أولى للحشد الشعبي عن طريق قائد القوات المسلحة”، ومن بين الشروط الأخرى “تصفية الحشد الشعبي من العناصر غير المنضبطة وعدم زجه في السياسة”، وكذلك “محاسبة المنتمين إليهم ممن عليهم شبهات فساد وتسليمهم إلى القضاء”، كما طالب الصدر تلك القوى بـ”قطع كل العلاقات الخارجية (في إشارة إلى إيران) بما يحفظ للعراق هيبته واستقلاله، إلا من خلال الجهات الدبلوماسية والرسمية”.

ويرى مراقبون أن زعيم التيار الصدري قطع بذلك الطريق على جميع المحاولات لإعادة إنتاج منظومة المحاصصة والتي كان آخرها مبادرة رئيس تيار الحكمة “عمار الحكيم”، معتبرين أن خطابه حمل قدرا كبيرا من التحدي للميليشيات وراعيتهم طهران، فيما فسر آخرون تصريحاته دليل على توافق محتمل بينه وبين فصائل شيعية موالية لإيران وإشارات على نسيان الماضي من خلال فتح باب جديد للتعاون لكن بشروط من المستبعد قبولها.

رسائل تحدي

يرى الصحفي العراقي، “أمجد النعمان”، أن تصريحات “الصدر” حملت ثلاث رسائل مهمة، أولها عدم تنازله للميليشيات التي تحاول الضغط بغية إجباره على القبول بتسوية سياسية تحفظ لها ماء الوجه، وثانيها أن رؤيته مازالت تشكيل حكومة فائزين فقط ما يعني أن كل الأحاديث السابقة عن وجود مفاوضات ومساع للتسوية لا صحة لها، وآخرها أنه ما زال يرى تلك الفصائل خارجة عن القانون، وأنه أراد إرسال رسالة لها بأن محاولات الترهيب والتهويل لن تؤتي أكلها في تغيير الواقع الذي أفرزته الانتخابات التشريعية الأخيرة، وأن إصرارهم على المشاركة في حكومة جديدة لن يكون مجانا.

كما يؤكد “النعمان” أن “الصدر” بحنكته السياسية تمكن من وضع القوى الشيعية الخاسرة في زاوية حرجة، لأن الشروط التي طرحها تعجيزية، ولا يمكن للمليشيات أن تحلّ نفسها، لأنها ستكون نهايتها، خاصة أنها تسيطر على منافذ حدودية، ولها مكاتب اقتصادية في عموم البلاد، باستثناء إقليم كردستان، تدر لها مليارات الدولارات، فضلا عن سطوتها السياسية والعسكرية على مؤسسات الدولة المختلفة.

بالإضافة إلى ذلك، يرى “النعمان” أن “شروط الصدر تعتبر أيضا قطعا للطريق أمام دخول هذه القوى في أي حكومة مقبلة يشكلها، وبذلك يدفعهم إلى أن يكونوا في جانب المعارضة، ويفسحوا المجال أمامه لتشكيل الحكومة المقبلة بأغلبية الفائزين، مشددا على أن الميليشيات الموالية لإيران ستختار موقعها كـ”معارض القوي” بدل “حليف ضعيف” من خلال رفض الشروط التي قدمها.

أما الباحثة في الشأن العراقي، “آمال القبيسي”، فترى أن “الصدر” بطرح شروطه على هذه القوى، أظهرهم أمام العراقيين على أنهم مجموعة من الفاسدين والخارجين عن القانون والعملاء للخارج، ويسعون إلى تخريب البلد والعملية الديمقراطية فيه، متوقعة أن تذهب الأمور إلى التصعيد، لأن القوى الخاسرة لن ترضخ بهذه السهولة وتسلم رقبتها للصدر، الذي على ما يبدو سينقض عليهم، ويقصقص أجنحتهم ويحجمهم في حال تولى تياره تشكيل الحكومة المقبلة.

مراوغة وبحث عن ضمانات

رد فصيلان مسلحان شيعيان، يوم الخميس، على خطاب “الصدر”، مؤكدين أن الكتل المعترضة على نتائج الانتخابات “ليست خاسرة”، فيما طالب أحدهما الصدر بالمبادرة أولاً بتسليم أسلحة فصيله سرايا السلام بيد الدولة.

“شبل الزيدي” الامين العام لكتائب “الامام علي”، قال في تغريدة على تويتر، إن “الكتل المعترضة على التزوير ليست كتلاً خاسرة ولديها من الأدلة والوقائع والشبهات والخروقات والتلاعب ما يكفي لإثبات عملية التزوير ولكنها تعاملت بعقلانية وحكمة وصبر واستخدمت الطرق القانونية والشرعية، مدعيا أن تلك الفصائل “لم تعمل أو تحاول هدم العملية السياسية أو القفز عليها بل إعادتها إلى جادة الصواب”، بحسب وصفه.

وأضاف، “نحن بناة دولة وطلاب حق وما ضاع حق وراءه مطالب ولن يفت عزمنا تكالب القوى المضادة ولا بياناتها ولا مباركتها بشرعية النصب والاحتيال الانتخابية”.

من جانبه، قال المسؤول الأمني لكتائب “حزب الله العراق”، “ابو علي العسكري”، أنه “نرحب بخطاب تسليم أو حصر السلاح بيد الدولة لما له من إسهام في تجنيب الناس شرور الاقتتال الداخلي”، واضاف “أن تكون الجهة المطالبة بأعلاه هي من تشرع أولاً في تسليم السلاح، وبالأخص الثقيل منه، وأن تنقل مسؤولية ما لديها من ألوية إلى قيادة الحشد الشعبي لغرض تنظيمهم وإبعاد غير المنضبطين منهم”.

في تعليقه على رد الفصيلين العسكريين، يرى المحلل السياسي “خالد العاني” أن “المرحلة الحالية تمثّل مرحلة تراجع تأثير قوى السلاح على المشهد السياسي العراقي، مشيرا إلى أنه يسود المرحلة الحالية مخاوف عدة، وتحديداً حيال ما يتعلق بإمكانية تزخيم التصعيد الذي تشنه الميليشيات في حال لم يتم التوافق معها بشأن سيناريوهات تشكيل الحكومة، معتبرا أن رد الفصيلين محاولة للهروب من المأزق الذي فرضه الصدر على الميليشيات.

ويعتبر “العاني” أن القلق في المرحلة المقبلة يرتبط بـ”مدى التصعيد الذي يمكن أن تصل إليه الميليشيات الموالية لإيران”، لافتاً إلى أن “رفع وتيرة الاعتراض على نتائج الانتخابات ونقله من السياق القانوني إلى الشارع مع التهديد باستخدام العنف يختصر حالة القلق وهواجس الانحسار ثم الاندثار التي تواجها الفصائل الولائية”. وأضاف أن “أي توافق، وفق قادة الميليشيات، ينبغي أن يتضمن تطمينات لفاعليتهم داخل مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية”.

وعلى الرغم من مخاوف الأطراف الولائية من خسارتها الغطاء البرلماني والشعبية التي كانت تتمتع بها، يرى “العاني” أن “امتلاك تلك الأطراف للسلاح يمثّل العنصر الحيوي الذي تعتمد عليه في الاستدامة وتوفير مصالحها، مشيرا إلى أن ردها ليس سوى محاولة للهروب من شرط الصدر خاصة أنها تدرك أن الأخير لن يبادر بتنفيذ ما طالب الميليشيات بتنفيذه”.

توافق محتمل بين الصدر والمالكي

لا تستبعد الباحثة العراقية، أن تذهب بعض الأطراف من “الإطار التنسيقي” للتحالف مع التيار الصدري، لا سيما تحالف “قوى الدولة”، الذي يضم تيار “الحكمة” بقيادة عمار الحكيم، وائتلاف “النصر” بزعامة حيدر العبادي.

ويتوقع مراقبون أن يُبرم سريعاً تحالفا أو توافقا على الأقل، بين رئيس التيار الصدري مقتدى الصدر، ورئيس الوزراء الأسبق “نوري المالكي”، مستندين في توقعاتهم إلى إشارات من الطرفين بشأن التقارب، إذ أكد الصدر أنه مستعد للتعاون والتوافق مع أطراف الإطار التنسيقي.

في هذا السياق، ترى “القبيسي” أن هناك إمكانية للتوافق مع التيار الصدري، فهو لديه عدد كبير من المقاعد، وكذلك الإطار التنسيقي الذي يضم القوى الشيعية الخاسرة في الانتخابات، لديه عدد جيد، ويمكن أن تصل مجموع عدد مقاعد القوى الشيعية إلى 185 مقعداً، ما يجعل هناك إمكانية للتوافق، وإن كانت بدون تحالف.

يشار إلى أن العلاقة بين الصدر والمالكي سيئة، ووصلت خلال ولاية الأخير الأولى بين سنتي 2006 و2010 حدّ المواجهة العسكرية عندما استخدم المالكي القوات النظامية العراقية في شنّ حملة عسكرية ضارية على الميليشيا التابعة الصدر والمعروفة آنذاك بجيش “المهدي”.

يذكر أن إلى أن قوى “الإطار التنسيقي” الرافضة لنتائج الانتخابات البرلمانية تقود منذ أسابيع احتجاجات أمام المنطقة الخضراء في بغداد، للمطالبة بإعادة فرز جميع النتائج يدويا، إلا أن مفوضية الانتخابات نفذت ذلك فقط على محطات انتخابية قدمت عليها اعتراضات.

وخلال كلمته يوم أمس الخميس، فتح زعيم التيار الصدري، المجال أمام إمكانية التعاون مع الفصائل الخاسرة قائلا إنه “إذا رضيتم بالشروط هذه فسنكون شركاء في مشروع الإصلاح وسنبني الوطن معًا، من دون عنف وبسلام ووئام وبغطاء شعبي شامل، وما أنا إلاّ ناصح لكم”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.