مقدمة في النهضة وميكانزيم التغير الاجتماعي – السياسي

ورقة عمل

الذي يريد تغيير كل شيء لن يفعل شيئاً “نانسي استور”

لا تسير الحياة أو الاجتماع البشري السياسي وفقاً لقوانين ميكانيكية صارمة على طريقة الرياضيات والعلوم الطبيعية، فكل الفلسفات، والعقائد الدينية/السياسية التي تؤمن بالحتميات التاريخية هي في الحقيقة تبيع الوهم وتقدّم اعتقادات خادعة للناس تزّين لهم عطالة المهدي المنتظر بعباءته المختلفة. يمكن التمييز بين نموذج التغيير من الأعلى بقرار من النخبة الحاكمة، وبين نموذج التغيير من الأسفل، أي النموذج الثوري.

تلعب المؤسسة العسكرية دوراً حاسماً في عملية التغيير السياسي/الاجتماعي سواء في الثورات الاشتراكية القومية بعد الاستقلال أم في ثورات الربيع العربي كذلك. إنّ تسلل الجيش الى السلطة السياسية وتفشيل العملية الديمقراطية جاء من باب العقائد السياسية الشمولية والأدلجة.. إذ تتحوّل الدولة وآلياتها إلى مجرد وسيلة في سبيل انتصار العقيدة وتحقيق غاياتها. تحاول هذه الورقة استقراء قوانين التغيير السياسي/الاجتماعي والبحث في صيرورة وإمكانات التغيير الحيوي عربياً. 

المحتويات

  • توهم الحتميات التاريخية واعتقادات آخر النفق.
  • استقراء نموذجين للتغير الاجتماعي/السياسي.
  • تعثر المسار الديمقراطي/الحداثي عربياً.
  • محورية دور العسكر في تأمين/تفشيل الانتقال الديمقراطي.
  • كيف حكمنا العسكر، دروس مستفادة.
  • إعادة الاعتبار للسياسة والفكر السياسي.
  • الوعي الديمقراطي لا الانتخابات فقط!
  • التغيير بالقدور، القابلية للتغير، خطاب المحبّة
  • من أين نبدأ؟
  • ثالوث التغيير الحيوي

توهّم الحتميات التاريخية واعتقادات آخر النفق..

لا تسير الحياة أو الاجتماع البشري السياسي وفقاً لقوانين ميكانيكية صارمة على طريقة الرياضيات والعلوم الطبيعية ، فكل الفلسفات والعقائد الدينية/السياسية التي تؤمن بالحتميات التاريخية هي في الحقيقة تبيع الوهم وتقدّم اعتقادات خادعة للناس تزّين لهم عطالة المهدي المنتظر بعباءته المختلفة ، سواء كانت عباءة سنّية أم شيعية أم مسيحية أم يهودية أو حتّى ماركسية ( الحتمية التاريخية ) أو قومية ..الخ ، أوهي تزيّن لهم خصيصة الموت والجهاد والنضال المضمون النتائج في سبيل الخلاص وانتصار جماعة المؤمنين (عقائد دينية أو دنيوية) على مسرح التاريخ قبل إغلاق الستارة! بناء عليه ينبغي للباحث توخي الحذر في الحكم على حالة الصراع الاجتماعي/السياسي، وأن يتحلّى بخصيصة النسبية والتواضع والإقرار بصعوبة تقديم مشروع متكامل للنهوض الحضاري أو حتى السيناريوهات الأكثر احتمالاً للتغيير السياسي مستقبلاً. التغيير الاجتماعي/السياسي ظاهرة غير معيارية، هو صيرورة معقدة متعددة، ومتفاعلة العوامل، وربما يكون المجهول فيها أكثر من المعلوم. ثمّة مغالطة منطقية شائعة في تبسيط موضوع الثورة والتغيرات الثورية، إذ تشبَّه الثورة بنمط محدّد من المظاهر الطبيعية أو الاجتماعية. فتشبَّه الثورة بالولادة الصعبة والمخاض العسير.. وتنتهي صعوبات الثورة بمجرد انتهاء الولادة، وقدوم المولود الجديد.. يفرح الجميع وتعلو الابتسامة الحنونة وجه الأم مختلطة ببكاء الطفل الجميل، أو تشبَّه الثورة بالعاصفة حيث تتلبد الغيوم الركامية في السماء مؤذنة بقدوم العاصفة ثمّ تأتي العاصفة مترافقةً بالخراب والدمار ريثما ينتهي كل شيء، وتشرق الشمس صافية من جديد، وكأنّ شيئاً لم يكن! ويطيب لكثير من الباحثين تشبيه الثورة بالطنجرة البخارية واحتمالات انفجارها!

يوجد ظروف لا يمكن التنبؤ بها، متروكة للصدفة، يمكن توقعها في مسار وانفتاحات التاريخ، كأن يقوم انقلاب على سلطة ديكتاتورية، ويقرِّر قادة الانقلاب البدء بعملية انتقال ديمقراطي (عبد الرحمن سوار الذهب في السودان 1985) أو أن يقرر قادة العسكر الإفساح في المجال للبدء بعملية انتقال ديمقراطي (ثورة 25 يناير 2011 وقرار المجلس العسكري بقيادة طنطاوي وسامي عنان) أو أن يموت الديكتاتور بما يفسح في المجال للانتقال الديمقراطي (موت فرانكو في إسبانيا 1975) أو تدخّل وتوافق دولي فاعل للبدء بعملية انتقال ديمقراطي عقب حروب وصراعات أهلية مدمرة.. الخ هذه فرص تاريخية يمكن للشعوب والنخب السياسية الاستفادة منها أو هدرها وتضييعها. إنّ خيارات وإمكانات، واستراتيجيات التغيير السياسي الديمقراطي تختلف طروحها وفقا للظروف وموقع الشخص أو المجموعة التي تقدّم الطرح. مَنْ هو في موقع السلطة لاتخاذ قرار سياسي أو التأثير في القرار السياسي يختلف عمّن هو خارج دائرة الفعل.. أو الطامح لفعل سياسي مستقبلي.. أو الزاهد في العمل السياسي بالخاصّة، لا يوجد مسطرة مسبقة أو سيناريو واحد للانتقال الديمقراطي النهضوي في المسرح السياسي. 

استقراء نموذجين للتغيير الاجتماعي/السياسي

أ- نموذج التغيير من الأعلى في وجود قرار من النخبة السياسية الحاكمة، بوجوب إحداث تغيير جذري في المجتمع باتجاه نهضوي حضاري (استدلالاً بالغرب الأوربي). إنّ نموذج التغيير من الأعلى ليس قليل التردد في العصور الحديثة، ويمكن تصنيف تجارب محمد علي باشا- بورقيبة – أتاتورك، أو تجربة بطرس الأكبر (1672- 1725) عادة بالتغيير قليل التكلفة بالمقارنة مع التغيير من الأسفل. إن نموذج التغيير من الأعلى لا ينجح في حالة وجود معاوقة اجتماعية شديدة له من قوى القصور، ويحتاج لفترة طويلة نسبياً (على الأقل مدة جيل واحد 30 سنة تقريبا) من استقرار السلطة السياسية كي تسمح بتنفيذ خطط التغيير الاجتماعي/السياسي. يمكن معادلة نموذج التغيير من الأعلى في الثقافة العربية الإسلامية بمفهوم المُستبد العادل، رغم إدراكي المسبق بإشكالات الشحنات السلبية المرافقة لهذا المصطلح. لكن في النهاية يمكن وفقاً لمبدأ تعدد الأدوار والاحتمالات ونسبية المصالح. وفي العادة يلعب المثقف (التغييري) في هذا النموذج دور القيّم الرمزي والمُساعد والمروِّج للتغيير الاجتماعي/السياسي.. بقليل أو كثير من الاقتناع والانتفاع. 

ب- نموذج التغيير من الأسفل: أي النموذج الثوري، ونجد تعبيراته عالمياً في الثورة الفرنسية والثورة البلشفية 1917، يرافق هذا النموذج عنف ومخاطر أكثر. كان النموذج الثوري يحظى باحترام وتقدير كبيرين في الإيديولوجيات الماركسية والقومية العربية عموماً، وكذلك اتجاهات الإسلام السياسي ما بعد انتصار ثورة الخميني 1979، وتم إسباغ نوع من القداسة على مفاهيم: الثورة/الثورية.. الخ. من المفارقة أن مفاهيم الثورة والثورية نفسهما لا تحظيان بالتقدير والاحترام في الثقافة الغربية الليبرالية، إذ تكتسب مصطلحات الإصلاح والتحديث والانتقال الديمقراطي احتراماً وشعبية أكبر.

أحد الدروس المُستفادة من تجارب الربيع العربي، حتى الآن على الأقل، هو فشل نموذج التغيير من الأسفل عربياً، مع استثناء تونسي ينبغي قراءته في سياق الجغرافيا السياسية وميراث تجربة بورقيبة. في نماذج التغيير من أسفل يلعب المثقف (التغييري) دوراً أكثر مسؤولية وانخراطاً في عملية التغيير باعتباره مثقفاً عضوياً أو منظراً ثورياً أو سياسياً مستقبلياً مقارنة بنموذج التغيير من الأعلى.

تعثر المسار الديمقراطي/الحداثي عربياً

باستقراء التجارب السياسية العربية، للانتقال الديمقراطي في مرحلة ما بعد الاستقلال أو ما بعد الديكتاتوريات أو حتى مؤخراً بعد الثورات نجد أن ذلك الانتقال لم يحدث أو لم ينجح. يمكن استقراء ذلك في: سورية ما بعد الاستقلال وصولاً إلى الوحدة مع مصر 1958 ومن ثمّ انقلاب/ ثورة 1963- فشل محاولات الانتقال من نظام المحاصصة الطائفية في لبنان ما بعد الاستقلال 1946إلى نظام ديمقراطي حقيقي.

إنَّ انقلاب عبد الرحمن سوار الذهب في السودان 1985 على ديكتاتورية جعفر نميري، وتسليمه الحكم لسلطة مدنية منتخبة، ثم انقلاب تحالف العسكر الإسلاميين على العملية الديمقراطية، ومحاولة الانتقال الديمقراطي في نهاية عهد الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد 1991 وإعادة هيمنة العسكر والمجازر بعد علائم فوز الإسلاميين، وفشل محاولة الانتقال الديمقراطي في العراق ما بعد الاحتلال الأمريكي والقضاء على حكم صدام حسين 2003! وفشل محاولات الانتقال الديمقراطي في سياق ثورات الربيع/الخريف العربي 2010 وانتهاء هذه التجارب إلى إعادة إنتاج الديكتاتورية في مصر أو دخول البلاد في صراعات سياسية وطائفية واحتلالات مدمّرة للنسيج الاجتماعي، مع استثناء الحالة التونسية.

لماذا فشلت التجارب السابقة؟ يمكن أن نعزو ذلك إلى ثلاثة عوامل: 1- تدخل خارجي دولي أو إقليمي سلبي 2- انقلاب العسكر على العملية الديمقراطية 3- هيمنة قوى طائفية وميلشياوية على الحياة السياسة.. وهي قوى لا تؤمن بدولة المواطنة والانتقال الديمقراطي أساساً.

محورية دور العسكر في تأمين/ تفشيل الانتقال الديمقراطي

المؤسسة العسكرية في البلاد العربية هي المؤسسة الأكثر تنظيماً والأكثر قدرة على امتلاك مفاتيح القوة في هذه المجتمعات، وبالتالي هي الأكثر قدرة على فرض توجهاتها على المجتمع، وقد أظهرت موجة الثورات القومية الاشتراكية في الخمسينيات والستينيات سابقاً، وثورات الربيع/الخريف العربي حاضراً عدم وجود ممانعة مجتمعية قوية لتدخل العسكر في الشأن السياسي.. مصر الضباط الأحرار.. ومصر السيسي نموذجاً.. إضافة لتجارب الانقلابات السورية ما بعد الاستقلال.

إنّ العامل الحاسم في نجاح الثورة التونسية مقارنة بالثورة السورية مثلاً كان موقف المؤسسة العسكرية من الثورة وقوى الثورة. في تونس لم يكن الرئيس زين العابدين بن علي مُهيمناً على المؤسسة العسكرية، لم تتدخل المؤسسة العسكرية لإنقاذ سلطة زين العابدين بن علي، وأفسحت المجال لممارسة الحياة الديمقراطية. بينما في الحالة السورية كان الجيش السوري مؤسسة مفرطة الضبط مخابراتياً، كان الجيش السوري بمثابة جيش خاص لعائلة الأسد يقوم على أساس ولاء شخصي وطائفي، ولم يكن جيشاً وطنياً للسوريين، وهذا ما سوف يفسّر لنا فشل الثورة وتدمير قوى الثورة وتجريف المجتمع السوري بشكل عام. إذا أردنا أن نقدّر إمكانية نجاح التغيير الثوري/التغيير من أسفل في الدولة، لننظر في مقدار تماسك النخبة السياسية/العسكرية وتوحدها في موقع السلطة، وإن نجاح الثورات يكون عادة بسبب انقسام وتوهّن السلطة الحاكمة، إذ تكون الثورة الشعبية على الأغلب بمثابة الزناد الذي يقدح شرارة التغيير ليس أكثر! في سورية السبعينيات، وبداية الثمانينيات استطاعت السلطة الأسدية المتماسكة البطش بكل خصومها السياسيين والقوى الحيّة للشعب السوري، في ظل تحكّم سلطة عسكرية تسلطية متمسكة برقبة شعب من الشعوب سوف يغدو العمل والدعوة للتغيير السياسي نوعاً من الجنون والعبث والانتحار ربّما! قد يبدو السياق السابق للحِجاج قاتماً يبعث على الأسى والقنوط والعقل المستقيل! من هنا سوف نبرِّر الحديث عن مفهوم اللحظة التاريخية للتغيير الديمقراطي

كيف حكَمَنا العسكر دروس مستفادة

كيف سَمح المجتمع لأقلّية من العسكر بالسيطرة على البلاد والهيمنة على مفاصل الدولة! هذا سؤال مفيد موضوعه التاريخ، ولكنه راهن بما يكفي لفهم ما جرى ومنع تكراره مستقبلاً…!

على قوى التغيير الوطني الديمقراطي الانتباه إلى خطورة تدخّل العسكر في الشأن السياسي، وكيف نستطيع تجنّب ذلك؟ نلاحظ أن تسلل الجيش إلى السلطة السياسية وتفشيل العملية الديمقراطية جاء من باب العقائد السياسية الشمولية والأدلجة.. حيث تتحوّل الدولة وآليات الدولة إلى مجرد وسيلة في سبيل انتصار العقيدة وتحقيق غاياتها. من باب الإيديولوجيات القومية الاشتراكية وتحرير فلسطين هيمن العسكر على الحياة السياسية السورية في مرحلة الوحدة ومن ثمّ انقلاب/ ثورة آذار 1963 وحتى الآن. ويتكرر الأمر مع الإيديولوجيا الإسلامية السنية أو الشيعية أو غيرها.

تقوم المؤسسة العسكرية بطبيعتها على مبدأ المركزية والانضباط وتسلسل حلقة الأوامر، وهذا يتنافى مع مفهوم السياسة في النظم الديمقراطية. والمؤسسة العسكرية وسيلة للدفاع عن مصالح الشعب، والدولة باستخدام العنف عند اللزوم. السياسة الداخلية في النظم الديمقراطية تستثني أساساً مبدأ العنف من التداول…! من هنا تبدو جريمة السماح بتدخّل العسكر في السياسة. تقوم الديمقراطية أساساً على مبدأ الشعب يختار من يحكمه بتفويض مُحدَّد، بينما الشعب لا يختار المؤسسة العسكرية فهي تخضع افتراضاً لمعايير إدارية، ومهنية بحتة. أو هي تخضع لمعايير الولاء في المجتمعات القاصرة، وهذا ما سوف يطعن في شرعية حكم الدولة من قبل المؤسسة العسكرية. اقتراحات لتجنّب إعادة إنتاج الديكتاتوريات العسكرية أو الشموليات العقائدية المُستقوية بالعسكر:

  1. دولة مواطنة متساوية، ديمقراطية، علمانية.
  2. تضمين الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في دستور الدولة وميثاق الأحزاب السياسية المُرخَّص لها.
  3. عدم السماح بتسييس الجيش، وممارسة العمل السياسي الحزبي ضمن المؤسسة العسكرية.
  4. إخضاع الجيش والاستخبارات لسلطة الوزارات، مع رقابة مباشرة من البرلمان بما يشمل تحديد الميزانية، وقرارات الحرب والسلم.
  5. أن يكون وزير الدفاع شخصية مدنية، وليس في منصب عسكري.
  6. سياسة خارجية مُتعاونة مُنفتحة غير صِدامية، مع تجميد أو تخفيف حدة الصراع مع إسرائيل دونما تنازل عن الحقوق الوطنية والسيادة، وذلك لغرض الانتباه والاستثمار في التنمية البشرية (صحياً- تربوياً- علمياً- اجتماعياً – اقتصادياً) للشعب.
  7. التركيز في المدارس والجامعات على مادة الحقوق المدنية وحقوق الإنسان، بدلاً من التربية الدينية والتربية القومية الاشتراكية الماركسية المؤدلجة.
  8. جيش مهني غير كبير جيد التدريب متطور التسليح.

إعادة الاعتبار للسياسة والفكر السياسي

من الضروري إعادة الاعتبار للسياسة والشأن العام ضمن اهتمامات السوريين، السياسة تقوم على النسبية والمُمكن وتفهم مصالح الذات والآخر والجماعة، السياسة تقوم على إدارة مصالح الناس بمقتضى الحكمة والمنفعة العمومية. مقابل المفهوم الحيوي للسياسة يوجد ثلاثة نماذج سلبية منتشرة في مجتمعاتنا ينبغي معالجتها

الشخصية المستقيمة الزاهدة في السياسة والمصالح العمومية، فهي تنظر إلى السياسة كمرادف للرجس والنجاسة، لهؤلاء نقول: إنّ هجران الأخيار والطيبين لحقل السياسة سوف يؤدي الى تكاثر أعداد السياسيين الانتهازين.

الشخصية الوصولية الانتهازية التي تجد في السياسة ضالتها، لممارسة التسلط، وتوسيع نفوذها الاجتماعي والتجاري الخاص مقابل المصلحة العمومية للشعب.

الشخصية العقائدية المتزمتة، وهؤلاء يطابقون ما بين معتقداتهم المؤدلجة والمصلحة العمومية للشعب، أو هم لا يؤمنون أصلاً بمصالح الشعب ودولة المواطنة…! وفي هذا الباب يمكن تصنيف الإسلامويين من شيعة وسنة (لا المسلمون) والطائفيين والقبليين وكذلك أصناف القومويين، والعلمانويين (لا القوميون والعلمانيون) وغيرهم. لنتذكر بأن لا شيء يوازي العمل السياسي الحيوي، وفي هذا المقام نمثِّل: نلسون مانديلا- المهاتما غاندي- مارتن لوثر كينغ- مالكوم أكس– رجالات الكتلة الوطنية وتوحيد سورية واستقلالها (هاشم الأتاسي، سعد الله الجابري، جميل مردم، شكري القوتلي، إبراهيم هنانو، سلطان باشا الأطرش، فارس الخوري، صالح العلي، نجيب البرازي، فخري البارودي)، رجب طيب أردوغان (حزب العدالة والتنمية في مرحلة ما قبل الانقلاب) المنصف المرزوقي.

الوعي الديمقراطي لا الانتخابات فقط…!

في حال كان المجتمع متأخراً يقوم على شبكة ولاءات عائلية وعشائرية وطائفية/دينية ومناطقية، في ظروف انتشار الفقر والعوز والأمية بما يشمل الأمية الثقافية، لن تعطي الانتخابات والتجربة الديمقراطية ثمارها، الديمقراطية هي فقط آلية لإنتاج السلطة، وضبط الصراعات في المجتمع، ولكن في حال كان المجتمع مُتأخراً سوف تُنتِج الانتخابات أيضاً سلطة متأخرة، إذ نجد غالب الناس يصوتون لأحزاب طائفية/دينية، ويصوتون لزعامات قبلية ورجال أعمال يشترون أصوات الناس. ما قصدته بأنّ التجربة الديمقراطية لا تؤتي ثمارها إلا بوجود درجة معينة من الوعي الاجتماعي/السياسي للشعب، وتقدير لمفهوم الحرية واستقلالية الفرد وقبول التعددية، عبر أطر قانونية/دستورية تقيّد تسلّل قوى القصور من الباب الخلفي عبر الانتخابات. يمكن ذلك عبر مجموعة من القوانين تمنع مثلاً تشكيل الأحزاب على أسس دينية/طائفية، وكذلك عبر ربط الديمقراطية بمنظومة المواطنة المتساوية بما يشمل معيار العلمانية وحقوق الإنسان. من هنا يبدو سؤال التغيير والانتقال الديمقراطي سؤالاً صعباً وعملية معقدة يستلزم نجاحها وجود تمهيد ودرجة معينة من الوعي السابق المحايث، وهذا ما يفسر مثلاً النجاح النسبي للتجارب الديمقراطية في تركيا وتونس مثلاً.. بسبب وجود تأسيس نهضوي سابق اشتغل عليه كمال أتاتورك والحبيب بورقيبة.

التغيير بالقدور، القابلية للتغيير، خطاب المحبّة (ملاحظة مرَّ ذكرها)

يأتي التغيير عموماً عن طريق القدوة والكاريزما، أكثر تأثيراً، وأجدى من طريق الحوار والاقتناع الشخصي، خاصة في المجتمعات التي لم تنمُ فيها استقلالية الفرد بشكل كاف. لنأخذ على سبيل المثال الحوار، والنقاشات الفقهية والفلسفية حول موضوع الحجاب نادراً ما تؤدي الى اتخاذ المرأة المُحجبة قراراً بعدم ارتداء الحجاب، بينما الكثير من النساء في فترة الخمسينيات والستينيات في حواضن المشروع الناصري تأثرن بزوجة الزعيم جمال عبد الناصر الكاشفة لشعر الرأس، ومنه كذلك تقليد الكثير من النساء لأزياء وتسريحات وشخصية نجوم الإعلام والفن. إنّ السلوك والثيمات الاجتماعية الحضارية المنفتحة تنتقل بالتقليد والعدوى بين الناس، وهذا ينطبق على موضوع حديثنا في الانتقال الديمقراطي وانتشار قيم حقوق الإنسان.

إنَّ غالبية الناس تحمل ميلاً كبيراً للتغيّر باتجاه الخير أو الشر تبعاً للظروف، والارتكاس الاجتماعي، والاتجاه الغالب للقيم في المجتمع، بينما يتجمع على طرفي القطعة المستقيمة فئة الأخيار (بالطبع) من جهة، وفئة الأشرار (بالطبع) من الجهة الأخرى، أو لنقل فئة التقليد بالطبع من جهة، وفئة التمرد بالطبع من الجهة الأخرى، من هنا يمكن المراهنة على نجاح التغيير الديمقراطي اجتماعياً وسياسياً، عندما يتوفر جو عام مشجّع على التغيير وعندما يلمس عموم الشعب فائدة التغيير. عندئذ نتوقع معاوقة ضعيفة لهذه العملية. إنّ نفس الفكرة يمكن تقديمها بأشكال مختلفة، إن طريقة التعبير والتواصل حاسمة في نجاح عملية التغيير، وفي الحقيقة فإنَّ غالبية الشعب لديها مصلحة حقيقية في الانتقال الديمقراطي، والعلمانية، ومشروع دولة المواطنة المتساوية، ويبدو لي أن غالب الرفض ناشئ عن إعاقة سريان الفطرة الانسانية السليمة فطرة الحياة والعدل والحرية، وهذه الإعاقة لا تكون بفعل عوامل وراثية أو طبيعة جوهرانية تختصّ بالعرب والمسلمين مثلاً، بل هي بفعل قصور ثقافي مكتسب من الماضي ومرحلة الطفولة وصناعة رأي عام سلبي يشيطن الجديد والمختلف. لنميز بين مفاهيم جلد الذات أو احتقارها أو الهجاء أو الاستلاب الفكري وبين مفاهيم التفكير النقدي والإبداعي المهموم بهاجس التغيير والنهوض الحضاري، بما يتضمن نقد القصور العقائدي، الثقافي والاجتماعي/السياسي. الأول فعل هدم والثاني فعل بناء والمحبّة هي عنوان النقد. ولسان حال المثقف الحيوي يقول: (لأنّي أحب أهلي وشعبي ووطني وأتمنّى لهم الأفضل.. أقوم بنقد قصورهم بمن فيهم أنا أيضاً).

من أين نبدأ؟

تنظيم مجموعات صغيرة من الأفراد السوريين، مجموعات ذات نشاط أو أهداف سياسية/ ثقافية/اجتماعية متقاربة ومُحدّدة، وقد سهّلت وسائل التواصل الاجتماعي ذلك. وسط حالة الفوضى والتشرذم والانتهازية والارتهان للدولار والبترو/دولار سيكون العمل المخلص المنظم في هذا الاتجاه أمراً مفيداً وحيوياً وذا صدى ايجابي، مع مراعاة العمل التخصصي: مجموعات توثيق انتهاكات حقوق الإنسان- مجموعات العمل الثقافي والفني والأدبي المناهض للاستبداد والاحتلالات. مجموعات حقوق المرأة والأطفال. مجموعات إعلامية (الإعلام البديل) بخطاب إعلامي إنساني ينفذ عالمياً، مجموعات دعم طبي ونفسي لضحايا الحرب- مشاريع خدمية لتسهيل حياة السوريين في الداخل والخارج، مجموعات التعليم عن بعد، مجموعة مناهضة التعصب الديني، وخطابات الكراهية، مجموعات منظمة للنشاطات المدنية والسياسية كالوقفات الاحتجاجية والتظاهرات والعرائض والحملات الإنسانية والإعلامية. كما ينبغي التركيز على البعد الاجتماعي النفسي التكافلي لتأسيس حالة سورية مشابهة بالشكل لا بالمضمون لحالة اللوبي الصهيوني عالمياً. مع استثناء الشخصيات الأنانية والمثيرة للمشاكل أو المتطرفة فكرياً في أي اتجاه كان إسلامياً أو قومياً أو ماركسياً أو ليبرالياً. التدرب على حصر نقاط الاتفاق والاختلاف ضمن المجموعة، أن تكون النقاشات والحوارات موجّهة لغرض تجاوز نقاط الخلاف وتقريب الآراء بعضها من بعض، التدرب على الحوار الحضاري دون شخصنة أو تجريح، واعتماد لغة تواصلية مُتفهّمة والابتعاد عن الاستفزاز المقصود والمشاكسات. محاولة فهم أسباب الاختلاف، وتفسير دوافعها: هل هي ثقافية مكتسبة أم مصلحية انتهازية.. الخ؟! الابتعاد عن التخوين والتكفير وآليات صناعة الأعداء.. وعدُّ التخوين والتكفير مُحرّمات ثقافية/سياسية. التدريب على العمل التطوعي وثقافة التطوع وتقنين الموارد المالية والاعتماد على النفس.

ثالوث التغيير الحيوي

أولاً- المعرفة: إمكانات التغيير ونقاط القوة والضعف فيه، وهذه المعرفة الموضوعية مهما بلغت دقتها لا تكفي لإحداث التغيير، ومجال المعرفة هو علوم الفلسفة السياسية: (الاجتماع السياسي، الاجتماع، السياسة، الاقتصاد، القانون، الموارد البشرية.

ثانياً- العمل: يجب استخدام هذه المعرفة وتوظيفها في إطار اجتماعي سياسي إداري قيادي، تنظيمي، تخطيطي للعمل يسمح لها بالفعل والانخراط في الواقع.

ثالثاً- المحيط والظروف المناسبة: تكون في غالب الحالات عُرضة للاحتمالات بما يؤدي إلى نجاح أو فشل أو تسريع أو تأخير.. أكثر أو أقل للتغيير الاجتماعي السياسي.

رغم حضور مبدأ الاحتمال والحدود بقوة في عملية التغيير إلا أنّ الفرد/المجموعة قادر على خلق ظروف أفضل للتغيير، وهو قادر على التأقلم مع ظروف معينة، وتطويعها إيجابياً، من هنا تأتي أهمية الإرادة، والتطوير اعتماداً على مبدأ التجربة والخطأ وإعادة التقييم.


هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.