مليونية وإجراءات عسكرية.. تحذيرات من حرب أهلية في السودان

مع الإعلان عن تشكيل مجلس السيادة الجديد في السودان تتجه الأوضاع إلى المزيد من التوتر مع إعلان أطياف سياسية سودانية في مقدمتها قوى التغيير رفضها للمجلس الجديد وقرارات قائد الجيش السوداني، “عبد الفتاح البرهان”.

ويعتبر مجلس قوى التغيير أن تشكيل المجلس الجديد بمثابة مؤشر على ابتعاد المجلس العسكري وقراراته عن مطالب الشارع السوداني وقواه الحية، على حد تعبيره، متهماً القوى العسكرية بالاستمرار في الاجراءات الأحادية بذات نهج النظام البائد، في إشارةٍ إلى نظام “عمر البشير”.

يشار إلى أن أعضاء المجلس الجديد أدوا اليمين الدستورية يوم الجمعة، أمام رئيس المجلس “عبد الفتاح البرهان”، وسط دعوات دولية للتهدئة والبحث عن مخرج للأزمة الحاصلة.

في ذات السياق، تتهم قوى التغيير السودانية في بيانٍ صادرٍ عنها، المجلس العسكري بالاستمرار في ما وصفته بـ”الكذب”، معتبرةً أن القرارات الأخيرة للمجلس لم تكن مرتبطة بالإصلاح وإنما بالتمسك بالسلطة وإقصاء الشريك المدني.

توعد بالتصعيد وغياب أمل الحلول السلمية

تعليقاً على التطورات الأخيرة، يلفت المحلل السياسي “سوار الذهب عزام” إلى ان السودان بات بعيداً تماماً عن أي مناخ يمكن أن يولد حلولاً سلمية أو توافقية، وأنه أقرب إلى ساحة المواجهة بين القوى المدنية والعسكرية، مشيراً إلى أن بيان قوى التغيير يكشف بشكل مباشر أنها لن تقبل بقرارات المجلس العسكري تحت أي ظرف وأنها ستتجه نحو التصعيد ضد مجلس العسكري وقادته ضمن ما وصفته بـ “الانقلاب”.

يشار إلى ان بيان قوى التغيير قد أكد عزمه المضي قدما في مقاومة ما وصفه بـ “النظام الإنقلابي” حتى إسقاطه، مضيفاً: “سنمضي في هذا الطريق موحدين خلف راية ثورتنا المجيدة حتى النصر، مع ضرورة التمسك بخيارات بالتظاهر والاحتجاج في الشوارع ضد استيلاء الجيش على السلطة”.

ويشدد “عزام” على أن المشهد السوداني الحالي يظهر أن العلاقة بين الشريكين القديمين في مجلس السيادة السابق وصلت إلى طرق مسدودة لا يمكن من خلالها التوصل إلى أي تفاهمات، مؤكداً على أن البلاد دخلت مرحلة كسر العظم بين السياسيين والعسكر، بانتظار النتيجة النهائية للصراع الحاصل.

كما يعتبر “عزام” أن تجربة جمع العسكر والمدنيين في الحكم أثبتت فشلها في السودان خاصةً مع الاختلاف الكبير في وجهات النظر بين الطرفين، والتي قادت فعلياً باتجاه الصدام المباشر، لافتاً إلى أن طول مدة الفترة الانتقالية وعدم الشروع المباشر والسريع بخطوات الانتقال الديمقراطي من خلال إجراء الانتخابات كان سبباً محورياً في الأزمة السودانية.

يذكر أن مجلس السيادة المنحل كان قد شُكل خريف العام 2019، باتفاق بين القوى المدنية والعسكرية، لحكم البلاد بعد إسقاط نظام “البشير”، وأفرز بعدها عن تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة “عبد الله حمدوك”.

مليونية وتحركات عسكرية

أمام تصاعد الأزمة والتهديد باللجوء إلى الشارع بمليونيات لرفض قرارات المجلس العسكري وما رافقها من تحركات للجيش السوداني في العاصمة، يحذر الباحث في شؤون القارة الإفريقية “سعد الدين التوجان” من تطور الأمور إلى صدامات بين الشارع السوداني والجيش، معتبراً أن تلك المسألة ستنقل البلاد إلى مرحلة لا تحمد عقباها ولا يمكن فيها إيجاد أي سبيل من سبل التسوية.

يشار إلى ان الجيش السوداني قد أعلن في وقتٍ سابق من يوم أمس الجمعة، إغلاق معظم الجسور المؤدية إلى العاصمة السودانية الخرطوم، وذلك عقب دعوات لجان المقاومة الشعبية بالعاصمة الخرطوم للمشاركة والحشد فيما أسمته “مليونية الغضب”، رفضا لإطاحة الجيش السوداني بالحكومة الانتقالية وللمطالبة بإبعاد المكون العسكري عن السلطة، داعية إلى “مليونية” تحت شعار “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية”.

إلى جانب ذلك، يتهم “التوجان” كافة الأطراف السودانية بالمسؤولية عن توتر الظروف وتعطل المرحلة الانتقالية بسبب ما أسماه “التصلب في المواقف وعدم القابلية لتقديم تنازلات فيما بينها” مقابل الخروج من المأزق السياسي، مشيراً إلى أن استمرار هذه الظروف قد تؤدي إلى اندلاع حرب أهلية طاحنة في السودان، لا سيما مع دخول بعض الأطراف المسلحة على خط الأزمة.

وكانت حركة جيش تحرير السودان قد أعلنت الجمعة عن دعمها للتحركات المناهضة للحيش السوداني واستيلائه على السلطة على حد وصفها، ومساندتها للمليونية التي دعا إليها تجمع المهنيين السودانيين السبت، متهمةً القوى العسكرية بتحريف الثورة عن مسارها وأهدافها وإدخال السودان في نفق مظلم.

في ذات السياق، يرى “التوجان” أن القوى السودانية عموماً مطالبة بإدراك أن سياساتها الحالية ورفضها الجلوس على طاولة حوار شاملة باتت بمثابة أكبر تهديد يحيط بالسودانيين ويعيد إليهم ذكريات أزمة دارفور عام 2003، مشدداً على أن الوضع السياسي والاقتصادي والمعيشي في البلاد لا يحتمل مثل تلك الأزمات.

مواقف دولية

انعدام نقاط الالتقاء والثقة بين الأطراف السودانية، يدفع باتجاه ضرورة وجود تدخل دولي وعربي قوي في الأزمة السودانية، وفقاً لما يراه المحلل السياسي، “عبد الله النوبي”، لافتاً إلى ضرورة توفر ضغط كاف على القوى السودانية للدخول في الحوار.

كما يلفت “النوبي” إلى أن الجهود التي بذلها وفد الجامعة العربية إلى السودان الأسبوع الماضي، لم تكن بالقدر الكافي، الذي يمكن من خلاله إقناع الأطراف السودانية بضرورة اللجوء إلى الحوار وتبني وجهات نظر توافقية، مشدداً على أن أي اتفاق محتمل بين تلك القوى يجب أن ينص على إجراء انتخابات عامة في البلاد بأقرب فرصة وعدم إطالة فترة الحكم الانتقالي، على اعتبار أن أي حل لا يتضمن تلك النقطة سيكون بمثابة إبر مسكن لا تساعد على علاج الأزمة.

من جهتها، تبين الولايات المتحدة من خلال سفارتها في الخرطوم متابعتها لتطورات المشهد السوداني، خاصة ما يتعلق بالمظاهرات المليونية التي من المقرر أن تخرج السبت، معربة عن قلق الإدارة الأمريكية البالغ بشأن عمليات الاعتقال للسياسيين والمواطنين.

كما تشير سفارة الولايات المتحدة إلى دعم حق الشعب السوداني في التعبير السلمي عن مطالبه، وإدانتها استخدام العنف بما فيه استخدام الرصاص الحي والاستخدام المفرط للغاز المسيل للدموع مشددة على التزام الولايات المتحدة تجاه الشعب السوداني في سعيه من أجل سودان سلمي ديمقراطي.

تزامناً، يرى مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى السودان “فولكر بيرتس” أن تشكيل مجلس السيادة الجديد حمل تعيين أحادي الجانب لأعضاء المجلس، معتبراً أن ذلك يزيد من صعوبة العودة إلى النظام الدستوري”.

يذكر أن “بيرتس” يعمل ضمن الأطراف الساعية للوساطة بين الأطراف السودانية، بهدف تأمين إطلاق سراح محتجزين والتوصل إلى أسلوب تفاوضي، للخروج من الأزمة عبر العودة إلى تقاسم السلطة بين الجيش والمدنيين. لكن هذه الجهود تعثرت وسط مؤشرات على أن الجيش يتجه صوب تعزيز قبضته على الحكم.

وكانت مصاد مقربة من رئيس الحكومة السودانية المعزول، “عبد الله حمدوك” قد كشفت في وقتٍ سابق، عن تعثر المفاوضات بينه وبين المجلس العسكري بسبب رفض الأخير طلباتً قدمها “حمدوك” بينها الإفراج عن الموقوفين والمعتقلين والعودة إلى المسار الانتقالي المتفق عليه سابقاً.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.