موسكو وواشنطن.. صراع التوغل والنفوذ شمال شرقيّ سورية

فلاديمير بوتين ودرونالد ترامب أوساكا 2019

حمل اليومان الماضيان، عودة التوتر الميداني بين القوات الأمريكية والقوات الروسية المتواجدة في الشمال الشرقي من سورية بالقرب من الحدود التركية.

محاولات متكررة

عاد التصعيد بين الجانبين بعد أن شهد الأسبوع المنصرم محاولات روسية لإقامة قاعدة عسكرية بالقرب من رميلان الغنية بالنفط، حيث تصدت القوات الأمريكية لتلك القافلة وأجبرتها على العودة.

وشهد السبت الماضي محاولة دورية عسكرية روسية الوصول لمعبر سيمالكا على دجلة في الحدود العراقية السورية.

دخول روسي

كانت منطقة الشمال الشرقي من سورية تحت سيطرة القوات الأمريكية ضمنيًا وتحت إدارة حليفتها، قوات سورية الديمقراطية “قسد” دون أي وجود روسي في مناطق ما يعرف بشرقي الفرات.

إلا أن إعلان تركيا عن اجتياحها لتلك المنطقة واطلاقها لعملية نبع السلام، لمواجهة التهديدات التي تصفها أنقرة بالارهابية من قبل الوحدات الكردية.. وبعد قرار إدارة الرئيس ترامب سحب الجنود الأمريكيين من سورية، تسبب ذلك كله وخلال الشعور الثلاثة الماضية بدخول الشرطة العسكرية الروسية في العديد من النقاط في شرقي الفرات، وكانت بعض تلك النقاط قواعد تحوي قواتٍ أمركيية، انسحبت منها بعد بدء الاجتياح التركي.

وتسبب اتفاق سوتشي المتزامن مع بدء “نبع السلام” بتوصل أنقرة وموسكو لتفاهمات خاصة انتشرت بعدها القوات الروسية في بعض المناطق مستغلة تراجع الدور الأمريكي المبدئي حينها.

عودة واشنطن

تراجع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن قرار سحب جميع قوات بلاده من سورية، وفضّل إبقاء قسم من تلك القوات لحماية حقول النفط في الشمال السوري.

واعتبر ترامب أن حماية قواته لتلك الحقول، ستمنع سقوطها بيد إرهاب داعش من جهة، وتسمح الأمريكان بتمويل عمليات مكافحة الإرهاب ودعم حلفائهم في قسد.

وعلى المستوى الأعمق يتقصد ترامب حرمان نظام الأسد وروسيا من ثروات تلك المناطق لأهداف عديدة تتقاطع مع خطة الحصار والضغط الاقتصادي المفروضة على دمشق أمريكيًا للتوصل أو إطلاق الحل السياسي.

هذا وحذرت وزارة الدفاع الأمريكية الروس والنظام السوري، من أي اقتراب من آبار النفط الموجودة في منطقة شرق الفرات كلها، تحذيرات أطلقها قبل شهور وزير الدفاع الأمريكي ” مارك اسبر” الذي هدد بالتصدي العنيف لأي محاولة لانتزاع السيطرة على حقول النفط من أي جهة كانت!.

رفض روسي

حمّل اجتماع أستانا 14 في العاصمة الكازاخية في ديسمبر/ كانون الأول المنصرم، رفضا روسيا واضحًا للتواجد الأمريكي في سورية، حينها اعتبر المبعوث الرئاسي الروسي “ألكسندر لافرينتيف” أن مشاركي لقاء أستانا، يبحثون جميع القضايا المتعلقة بسورية بما فيها التواجد الأمريكي الغير شرعي – وفقًا للمبعوث الروسي – الذي اعتبرته روسيا سعيًّا وراء استغلال موارد سورية الطبيعية.

وفي وقت قريب، أعلن “سيرغي ريابكوف” نائب وزير الخارجية الروسي، في الأمس، أن موسكو تأسف لعدم تغيير واشنطن موقفها تجاه وجودها الغير قانوني في سورية.

وسبق أن صرّح رأس النظام السوري، برغبته تقديم شكوى في مجلس الأمن ضد ما أسماه السرقة الأمريكية للنفط السوري.

لقاء القوتين على الأرض

تسبب ظهور داعش المنظم واستيلاء التنظيم على مساحات شاسعة من سورية، لتعزيز التدخل الأمريكي.

ومع تقدم قوات “قسد” ضمن حرب إنهاء التنظيم، وصلت القوات الكردية للسيطرة على ريف دير الزور شرق نهر الفرات، فيما تقدم النظام والروس ومن ورائهم الميليشيات الإيرانية، ليسيطروا غربي النهر، بحيث أصبح النهر حاجزا طبيعيًا وقاسم نفوذ بين القوتين.

وتصدت القوات الأمريكية لمحاولات روسية عديدة لعبور نهر الفرات، كانت تجابه بضربات جوية عنيفة وتسبب عشرات القتلى.

يبدو أن الدخول في الشمال الشرقي قد أعاد الصدام القديم مع طمع كلا القوتين بالسيطرة على موارد الشمال الغني بالنفط والزراعة بالإضافة لأهمية تلك المناطق جيو استراتيجيًا عبر تحكمها بطريق دولي واصل بين العراق وسورية مغاير للطريق الدولي في مهب القائم – البوكمال، وتعتبر السيطرة على ذلك الطريق مكسبًا مهمًا لكل قوة تسعى لبسط نفوذها هناك.

مواجهات متسلسلة

واصلت الدوريات الأمريكية تكثيف جولاتها على الطريق الدولي بين منطقتي تل تمر والقامشلي، لقطع الطريق أمام أي محاولة روسية الوصول لحقول النفط. ووصلت بعض القوات الأمريكية لمحيط القاعدة الروسية في تل تمر.

هذا وأوقفت القوات الأمريكية قافلة عسكرية حولت الوصول لرميلان، ولاحقًا تصدت لقافلة روسية حاولت وصول الحدود العراقية السورية في معبر فيش خابور – سيمالكا.

وأشارت مصادر حقوقية، لتوجه رتل من 40 سيارة لبلدة تل تمر، اعترضته الدورية الأمريكية مما تسبب بتوتر بين الجانبين، حتى غادرت القوات الروسية نحو بلدة عين عيسى بعد وساطة من قوات سورية الديمقراطية!.

واعترضت إحدى الدوريات الأمريكية، دورية روسية حاولت المرور عند مفرق حطين على الطريق الدولي الواصل بين الحسكة والقامشلي “كبرى مدن شمال شرق سورية” لتقع مشادات كلامية انتهت بانسحاب الروس بعد منعهم من استخدام الطرق الدولية.

توتر روسي أمريكي متصاعد يؤكد أهمية منطقة شرقي الفرات، وتحولها لعقدة فعلية في مسارات وخطط المستقبل حول الملف السوري، حيث يبدو أنها ستبقى نقطة التغيير القادم في سورية وصراع القوى المتداخلة رغم محاولات الأسد حسم الصراع في الداخل لصالحه.

لكن القوى الكبرى – فيما يبدو – تحمل رأيًا مغايرًا.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.