ميناء الفاو الكبير في العراق.. تحديات وعراقيل وحلم يستمر

تحمل الموانئ أهمية كبرى لأي بلد يريد حجز مكانة على الخارطة العالمية، حيث تشكل منفذا ومتنفسًا لذلك البلد يمنع عنه العزلة الجغرافية والارتهان للتوازنات المحيطة عبر حرية تصريف بضائعه واستيراد مسلتزماته دون أي تعقيدات أخرى.. وهذا الحال ينطبق على الدولة العراقية التي تتمتع بساحل صغير نسبيًا على الخليج العربي، جعل الإشكاليات تتراكب في بلد نفطي من الطراز الرفيع يعتمد على تصدير نفطه عالميًا وجلب مختلف المستلزمات التي تحتاجها البلاد، فكانت فكرة الميناء المتخصص حاضرة وبقوة منذ عقود، لكن عراقيل كثيرة منعت إنجازها رغم أن السنوات الأخيرة شهدت نقلات نوعية لتحقيق ذلك الحلم ذي الفوائد الكبرى على العراق فبدأت الخطوات الفعلية مع توقيع عقد مع شركة كورية لإنجاز مشروع ميناء الفاو الكبير الذي يستفيد من طموح الصين بإنجاز طريق الحرير العالمي ومخططات بغداد في تحقيق نجاحات اقتصادية فعلية.. لكن تبدو العراقيل مستمرة ولعل ما يبرز على الساحة انتحار مدير المشروع الكوري مؤخرًا وارتفاع حدة الجدل في الكواليس السياسية في بغداد حول ضرورة الإسراع بإنجاز الميناء..

تهديد رسمي غريب

أطلق وزير النقل العراقي ناصر حسين، أمس الأربعاء تهديدًا مباشر للأحزاب العراقية، باللجوء للتيار الصدري وزعيمه “مقتدى الصدر” لانهاء تدخلها في اختيار الشركة التي تنجز ميناء الفاو.. في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي العراقي.

وأعلن الوزير أن شركة “دايو” الكورية ستنفذ خمسة مشاريع أساسية في ميناء الفاو، ليشير إلى أن موقع الميناء استراتيجي ولا يؤثر على أي ميناء آخر.

وعن أهمية الميناء قال حسين، إن “ميناء الفاو يمثل مستقبل الأجيال المقبلة وجميع المراحل التي مر بها ميناء الفاو في السنوات السابقة لا تؤهلنا القول بوجود ميناء”.

كما أوضح أن “قرار 63 ل‍مجلس الوزراء يؤهل شركة دايو للعمل بميناء الفاو”، معتبرًا في حديثه أن “موقع ميناء الفاو هو استراتيجي ولا يؤثر على أي ميناء آخر”. في تعريض مباشر بأزمات إقليمية اشتعلت مع قرار إنشاء الميناء خصوصًا مع الجارة الكويت التي يمثل ميناء مبارك الكبير، منافسًا فعليًا سابقًا لميناء الفاو الذي يتوقع أن يسلبه مكانته في حال نجاح مخططاته..

وزير النقل العراقي نوّه أن “شركة دايو ستنفذ خمسة مشاريع أساسية في ميناء الفاو ونأمل في الجلسة المقبلة ل‍مجلس الوزراء التصويت على منح الصلاحية للتوقيع مع دايو”.

ثم أوضح بعض الملابسات التنفيذية بقوله إن “الوزارة أصرت على عمق 19 متراً لأنه يساعد في دخول أكبر البواخر للميناء وما حصل مع الشركة الصينية هو استئناس بالرأي فقط”، ليشدد بالقول “تغريدة الصدر بشأن ميناء الفاو داعمة لإنجاز المشروع”، في تحذير مبطن وتهديد للأحزاب التي تريد حصتها من “كعكة” المشروع..

مخطط قديم

بات معروفًا أن مشروع ميناء “الفاو الكبير” الدولي ليس بالحلم الجديد للعراقيين، حيث حاولت الملكية في العراق عام 1932 أن يكون لها منفذ فعال على البحر خلال الخليج العربي، سميّ حينها بـ “ميناء العراق الكبير”..

حيث عمل رئيس الوزراء حينها “نوري السعيد”، على ترسيخ فكرة المنفذ الكفوء للعراق على الخليج العربي، إلا أن الرغبة العراقية اصطدمت باستراتيجيات إقليمية ودولية في المنطقة.. ليبقى حلمًا معلقًا خلال العقود اللاحقة.

ورغم قوة عهد “صدام حسين” ونظام البكر حينها، لم يتمكن من بناء هذا الميناء بسبب صراعه مع إيران.. فتم إنشاء ميناء “البكر” العائم عام 1975 ليُمكّن السفن العملاقة من الرسو لتصدير النفط الخام ، وليؤمن وصول ناقلات النفط العملاقة لمياهه.

ليأتي عام 2010 ويضع رئيس الوزراء الأسبق “نوري المالكي” في شهر أبريل نيسان عندما وضع حجر الأساس لهذا الميناء الاستراتيجي، الذي يطل مباشرة من الساحل العراقي على الخليج العربي، دون الدخول بتعقيدات المرور بخور عبد الله الكويتي، الذي جعلته القرارات الأممية ممرًا ملاحيًا مشتركًا مع دولة الكويت..

ليشهد هذا المشروع وقفات طويلة وحاليًا يعاني المشروع تمويلاً محدودًا من الموازنة العراقية، ولأسباب فنية وإدارية، لا يوجد توسع في المشاريع الخاصة به.. بالإضافة لعدم تصدره أولويات الكتل السياسية الحاكمة في بغداد، فغياب الإرادة السياسية وسيطرة جهات حزبية على النشاط الاستيرادي في البلاد، والذي يصل إلى حدود 60 مليار دولار سنوياً تسبب في تعطيل متعمد لاتمامه.

تجدر الإشارة، أن العراق يمتلك خمسة موانئ تجارية كلها تقع في البصرة هي، أم قصر الشمالي، وأم قصر الجنوبي، وخور الزبير، وأبو فلوس، والمعقل.

ميزات فنية مهمة

وأبرز ما يميز ميناء الفاو الكبير عنها موقعه الإستراتيجي، إذ يشرف في شكل شبه مباشر على الخليج، خلافاً للموانئ الأخرى التي تقع إلى جانب قنوات ملاحية داخلية. لكن الميناء يبقى مجرد حلم عراقي كبير لم يُضمن تحقيقه لغاية الآن خمسة وزراء تعاقبوا على وزارة النقل منذ وُضع حجر الأساس له.

أما درسات الجدوى الاقتصادية فتحدثت عن فرص عمل كثيرة لآلاف الشباب العراقي، دون أن تهمل واردات تدعم أموال النفط التي يعتمد عليها العراق في موازنته بشكل يسهم في إنعاش الاقتصاد العراقي المثقل بالديون والقروض وضعف السيولة.

دوليًا، ينتظر أن يحقق المشروع قفزة على مستوى النقل البحري بين الشرق والغرب في حال إنجازه وربطه بخطوط سكك الحديد التي تستخدم في شحن البضائع الآسيوية إلى أوروبا مرورًا بتركيا.. فالمشروع الطموح يربط الشرق بأوروبا من خلال ميناء الفاو وعبر طريق بري “سكة حديد” بين العراق وتركيا وسوريا، وطريق الحرير البري من الصين عبر العراق بشبكة قطارات سريعة تقطع حوالى ألفين كيلومتر.. وتؤمن وصول البضائع والسلع من موانئ بحر العرب والخليج نحو الأرض اليابسة في البصرة وصولاً لتركيا ومنها إلى أوروبا، حيث يتوقع أن يجني العراق مليارات الدولارات بعد إنتهاء المشروع ومد سكك حديد بين مينائه الجنوبي ودول جواره عبر أوروبا.

المرحلة الأولى من المشروع ، تتضمن إنشاء خمسة أرصفة عملاقة ونفق يربط الميناء بناحية صفوان، ومن ثم بالطريق السريع الذي يربط مدينة البصرة ببغداد ومدن محافظة الأنبارالغربية حتى الحدود الأردنية.

في أغسطس 2020 دخل كاسر الأمواج الغربي، الذي صُمم ليؤمن انسيابية المياه، بمشروع “الفاو” موسوعة “جينس” للأرقام القياسية كأطول كاسر أمواج في العالم حيث تجاوز طوله أكثر من 14 كم بتكلفة قاربت الـ 600 مليون دولار.

ومع تمكن بغداد من انجاز كاسر المياه لكن الأعمال الأخرى توقفت بسبب نفاد المخصصات المالية للمشروع، بعـد أن دخلت البـلاد في صـراع مع الجماعات المسلحة وتعثر الخطوات لدى الحكومات المتعاقبة لإتمام المشروع في الأوقات المحددة.

وفي تصريحات قبل عام، قال أسعد عبد الرحيم، مدير مشروع ميناء الفاو الكبير إن “شركة يونانية أنجزت كاسر (حاجز) الأمواج الشرقي، وأوشكت شركة كورية على إنجاز كاسر الأمواج الغربي، وحاليًا نعتزم التعاقد مع شركة أجنبية أخرى لحفر حوض الميناء”، ليوضح أن “الحكومة العراقية خصّصت لهذا المشروع ضمن الموازنة العامة للعام الحالي 400 مليار دينار عراقي، ما يساوي 10في المئة من التخصيصات المالية المطلوبة لإنجازه”.

اتهامات وعرقلة

في شهر نوفمبر تشرين ثاني الماضي، اتهم بيان لوزارة النقل العراقية، شركة دايو الكورية الجنوبية بالمسؤولية عن انهيار اتفاق لبناء ميناء الفاو الكبير، المشروع الذي كانت تعقد الآمال على البدء بإنشائه قريبًا.

البيان ذكر حينها أن الشركة الكورية قامت برفع سعر تنفيذ المشروع بمبلغ 430 مليون فوق سعره الأصلي المقدر بـ 2 مليار وثلاثمئة وسبعين مليون دولار، ليصبح المبلغ مليارين وثمانمئة مليون دولار.. لتوضح الوزارة أنها رفضت طلب الشركة، كما رفضت زيادة مدة التنفيذ.

بيان الوزارة قال إن الاتفاق جرى “مع المدير السابق للشركة وكادرها المتقدم”، لكن “بعد تعيين المدير الجديد لمشروع ميناء الفاو حضر الجانب الكوري المتمثل بشركة دايو وعلى رأسهم معاون مدير شركة دايو القادم من سيول، إذ طالبت شركة دايو برفع سقف مبالغ التنفيذ” وفق ما نقله موقع الحرة.

“علاء نشوان” الخبير القانوني، وفي تعليق لموقع “الحرة” قال إن الاتفاقيات الأولية غير ملزمة، وهي عبارة عن مسودات تعرض للمناقشة، موضحًا أن العراق على حق “باستيائه” لأن كون الاتفاقيات غير ملزمة قانونًا لا يعني أنها “عروض غير جادة”.

ليؤكد الخبير أن “ارتفاع المبلغ بأكثر من 12 بالمئة من السعر الأصلي ليس أمرًا بسيطًا يمكن التغاضي عنه بسهولة”.

أما الخبير الاقتصادي حسين جمعة وفي حديث لذات الموقع، قال إنه “يعتقد أن العراق كان يجب عليه أن يقبل الصفقة” حتى مع ارتفاع الأسعار.

ووفق جمعة فإن “الجدل الدائر وتأخير بناء الميناء يضعف قيمته التجارية، والتوقيت الآن مناسب بعد إيقاف الكويت لأعمال ميناء مبارك”، موضحًا “لا يمكن أن نقول أن الشركة الكورية أرادت التراجع ببراءة، وربما تمارس عليها ضغوط دولية كان يجب أن يلتفت لها العراق ويضحي بقليل من المال لإبطالها”.

اللافت حينها، ما جرى تداوله عن “مؤامرة” تستهدف عرقلة إنشاء الميناء أو تقليل عمق الرسو فيه ما يجعله غير ذي جدوى اقتصادية كبيرة، وقتئذٍ هددت النائبة في البرلمان العراقي عالية نصيف بـ “اللجوء إلى القضاء”.

إشكالية إقليمية

صنفت تقارير مختصة خطوة إنشاء الكويت لميناء “مبارك الكبير” بعد الاتفاق مع حكومة نوري المالكي حينها، كتهديد محتمل لمستقبل المشروع العراقي الطموح، في ظل مخاوف عراقية أن تكون موانئ الكويت، خصوصًا ميناء مبارك، بديلاً عن ميناء الفاو، كما استغرب عدد من نواب البرلمان الكويتي بجدوى المشروع الكويتي معتبرين من جهتهم الميناء الكويتي لا مستقبل له في حال استكمال الميناء العراقي.

إلا أن مشروع ميناء “مبارك الكبير” أنتج مشاكل وتوتر بين بغداد والكويت خلال السنوات الماضية، لأنه يعمل على تضييق مساحة مرور البواخر الى العراق.. هذا ما ذكره – بحسب إندبندنت عربي- المدير العام لمؤسسة الموانئ الكويتية يوسف العبدالله الصباح، والذي قال، ان”المشروع تسبب بمشاكل جيوسياسية مع جيراننا”.

لتوقف الكويت أعمال التشييد في مينائها، بالتزامن مع إعلان العراق توقيع اتفاق مع شركة دايو الكورية لتشييد الميناء بأعماق كبيرة، حيث توقع الكثيرون أن تكون هذه الصفقة إحدى علامات النجاح لحكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.. لكن الحدث الأخير الذي مثله مقتل مدير شركة دايو في البصرة -شنقًا- جدد المخاوف من عدم تنفيذ الميناء، حتى بعد أن قالت وزارة الداخلية العراقية أن مقتله كان انتحارًا.

وشهد شهر تشرين أول أكتوبر الماضي، قبيل توقيع حكومة مصطفى الكاظمي عقد إنشاء المرحلة الأولى من ميناء “الفاو” ، الإعلان عن انتحار بارك شل هو، المدير التنفيذي لشركة (دايو) الكورية المنفذة لمشروع ميناء “الفاو الكبير” في محافظة البصرة الجنوبية.

الجارة الشرقية “إيران” والواقعة على طريق الحرير، ترجو بدورها إنشاء خط سكك حديد مع العراق لنقل المسافرين والبضائع التي تنقل إلى الغرب عبر الأراضي الأردنية عن طريق ميناء العقبة الأردني.

يشار هنا أن توقف مشروع إنشاء الخط السككي أيضًا، وراءه أسباب سياسية مرتبطة بالخلاف الحدودي البحري بين العراق وإيران، بالإضافة إلى وجود الألغام على الطريق من الشلامجة إلى محافظة البصرة

وقبل فترة، ذكرت وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الخارجية العراقية، عن مراسلة الجانب الصيني للاستعلام عن موقف بيجين فيما يتعلق برغبتها بانشاء ميناء الفاو.

حيث فاتح العراق رسميًا الصين حول امكانية تنفيذ ميناء الفاو الكبير من قبل الشركة الصينية Cmec التي سبق وأن قدمت عرضًا لانشاء ميناء الفاو الكبير عام 2011.

ليشير “نبيل المرسومي” الخبير النفطي في تدوينة نقلها عنه موقع “يس عراق”، إن “العرض الصيني قائم على طريقة تسليم المفتاح وبكلفة 6 مليارات دولار تدفع على شكل نفط خام بعد 6 سنوات من افتتاح الميناء وبسعر يوم التحميل علمًا ان سعر الفائدة لتي طلبتها الشركة الصينية هي واحد بالالف وضمان سيادي من وزارة المالية ويكون العمل وفق التصميم الايطالي”.

ومن مميزات العرض الصيني أنه اعطى الحق للعراق ان “يقوم بتعيين شركة استشارية عالمية لمراقبة التنفيذ”.

ليوضح الخبير أنه “مع ان العرض قد تم رفضه آنذاك من قبل الجانب العراقي، إلا ان الشركة الصينية على استعداد لتجديد العرض مرة اخرى”، مبديًا رأيه حول العرض بأنه “عرض مثالي بالنسبة للعراق الذي يعاني حاليا من ازمة مالية خانقة ومن ثم فإن القبول بالعرض الصيني من شأنه ان يوفر للعراق نحو نصف مليار دولار كان يتوجب دفعها الى شركة دايو الكورية للبدء في تنفيذ مشروع ميناء الفاو الكبير”.

لكن كشفت وثيقة اخرى صادرة عن وزارة النقل خاطبت به وزارة الخارجية لتبلغها “بانتفاء الحاجة الى مضمون كتابها السابق” الذي يشير الى مفاتحة السفارة الصينية بشأن انشاء الميناء، وذلك بعد 4 أيام من تاريخ الوثيقة الاولى.

حسم قريب

“مضر خزعل” النائب في البرلمان العراقي، توقع أن تحسم الحكومة العراقية في اجتماعها الأسبوعي موقفًا يدعم خطوات شركة “دايو” الكورية الجنوبية لبناء الميناء.

وصرّح النائب، عضو لجنة الخدمات في البرلمان العراقي، لصحيفة “الصباح” الرسمية في عدد يوم الثلاثاء الماضي، أنّ: “المعطيات التي قدمت إلى لجنة الخدمات البرلمانية خلال اجتماعها مع وزير النقل ومدير شركة الموانئ العراقية لعرض مؤهلات الشركتين الكورية والصينية المتنافسين على عقد انشاء ميناء الفاو الكبير أفضت إلى شركة دايو الكورية الجنوبية لكفاءتها وقدرتها وسرعتها على تنفيذ المشروع”.

ليؤكد أن مجلس الوزراء يتجه للتصويت لصالح الشركة الكورية وتخويل وزارة النقل بتوقيع العقد معها لإنشاء الميناء الذي ينتظره العراقيون وفق المواصفات التي ثبتها الاستشاري الايطالي في صيغة العقد بعمق يتجاوز 19مترًا وبقيمة مليارين و625 مليون دولار”.

مبينًا أنّ وزارة النقل أنجزت جميع أوراق العقد، متوقعاً بدء العمل في انشاء الميناء “خلال أسبوع من تاريخ التوقيع الذي يتضمن خمسة عقود تكميلية ستمكن الميناء من العمل بكفاءة وقدرة على استقبال الناقلات الكبيرة وبدء العمل بطريق الحرير وانشاء القناة الجافة”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©