نظام سياسي ودستور جديد.. بوادر تهدئة لتجاوز الأزمة السياسية في تونس

عكست دعوة الرئيس “قيس سعيد” الذي يواجه انتقادات واسعة، واتهامات بمحاولة الانفراد بالسلطة وعدم تسليمها، لإجراء “حوار وطني” شامل، بوادر تهدئة لتغيير مستقبل المشهد التونسي، المتأزم سياسيا واقتصاديا.

الرئيس التونسي “قيس سعيد” خلال اجتماعه أمس الثلاثاء، برؤساء الحكومات السابقين ورئيس الحكومة الحالي “هشام المشيشي” وبعد أشهر من القطيعة بين رأسي السلطة التنفيذية، بعث برسالة طمأنة إلى التونسيين بشأن انطلاق “حوار وطني” دون شروط مسبقة.

حوار شامل..

وقال رئيس الدولة: ”لندخل في حوار جدي يكون مرحلة انتقالية لحوار يمهد لحوار آخر يتعلق بنظام سياسي جديد وبدستور حقيقي لأن هذا الدستور قام على وضع الأقفال في كل مكان ولا يمكن أن تسير المؤسسات بالأقفال وبالصفقات”. موضحاً أن ‘”طريق الحوار واضحة فمن شاء أن يسكلها ومن أصر على أن يتابع في هذا النهج المغلوط فليتحمل مسؤوليته وليتأكد أن مآله قمامة التاريخ”.

كما أكد الرئيس “سعيد” أن ”الحوار سيعمل على الإبقاء على مؤسسات الدولة مهما كانت الترتيبات ومهما كانت الصفاقات والمؤامرات”، مضيفا ”أرجو أن نكون جميعا في مستوى هذه اللحظة التاريخية.. تونس والشعب التونسي لديه من الإمكانيات الكثير ولديه من الارادة الصلبة التي تجعله يواجه كل العقبات”.

ولفت بيان الرئاسة التونسية إلى أنه “تم الاتفاق على أنه لا يمكن معالجة الوضع في تونس بالطرق التقليدية، وأنه يجب بلورة تصور جديد يقوم على إدخال إصلاحات سياسية جوهرية ومن بينها القانون الانتخابي إلى جانب بعض الأحكام الواردة في نص الدستور”.

وكان سعيد قد أكد في تصريحات سابقة أن “صلاحيته كقائد أعلى للقوات المسلحة تشمل أيضا قوات الأمن الداخلي وليس فقط الجيش، في تصعيد لخلافه مع المشيشي بشان الصلاحيات ويعتمد على فصول من الدستور مثيرة للجدل”، بينما يؤيد حزب النهضة الذي حصل على أغلبية برلمانية مؤخرا، إقامة نظام برلماني خالص يستطيع فيه السيطرة على الحكم.

تحول مفاجئ..

إلى جانب ذلك، يرى مراقبون أن “الرئيس سعيد تراجع خطوةً إلى الوراء في محاولة لإظهار حسن نواياه بشأن الحوار الوطني لإنهاء الأزمة التي ترزح تحت وطأتها البلاد”، مشيرين إلى أنه “لا يمانع في بقاء المشيشي على رأس الحكومة مع إجراء تعديل وزاري جديد أو الاتفاق على استبعاد عدد من الوزراء الذين رفضهم سابقا، وبالتالي القبول بالتعديل الذي جرى تمريره في يناير الماضي أمام البرلمان”.

وأكد رئيس حركة النهضة “راشد الغنوشي” في تصريح اعلامي أمس الثلاثاء على هامش تنصيب لجنة تحقيق برلمانية ، أن “حركة النهضة متمسكة بالحوار وترفض الإقصاء على اعتبار أنها كانت لمدة طويلة ضحية الإقصاء والحوار لا يجب ان يقصي اي طرف”.

“الفنوشي” أوضح أن “أمين عام اتحاد الشغل أبلغه بأن قيس سعيد قبِلَ أن يشرف على الحوار الوطني ونحن ننتظر الدخول في تفاصيل وشروط ومرتكزات هذا الحوار على اعتباره الحل الوحيد لحل مشكلات تونس مع تمسكنا بعدم إقصاء أي طرف”.

بدوره، اعتبر رئيس مجلس شورى حركة النهضة “عبد الكريم الهاروني”، أن “الدعوات إلى رحيل رئيس الحكومة هشام المشيشي مقابل تنظيم حوار وطني لإخراج البلاد من أزمتها السياسية هو أمر مرفوض”، مؤكداً أن “الحركة منفتحة على الحوار وتُشجع عليه لكنها ترفض أي توظيف أو أي شروط مسبقة من أجل تنظيمه”.

ولفت “الهاروني” إلى أن “حركة النهضة تُسجل بكل إيجابية وجود استعداد للتقدم في الحوار، مثمنا ما تحدث عنه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي عقب لقائه رئيس الدولة يوم الجمعة الماضي”. مشدداً على أن “النهضة يجب أن تكون جزءً من الحل وتكون عاملا مساعدا على الحل بالتعاون بين الجميع مشددا على أن الحل السياسي سيكون بمشاركة الجميع”.

كما، أكد القيادي بحركة النهضة وعضو مجلس الشورى للحزب، “سمير ديلو”، أنّ “قبول رئيس الجمهورية، قيس سعيّد بإجراء الحوار الوطني، مؤشر إيجابي وخطوة أوليّة جيّدة، تشترط أن تتبعها بقيّة الخطوات اللازمة ليكون الحوار ناجحا ومثمرا”.

وأوضح ” ديلو” في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أنّ “نجاح هذا الحوار يتوقّف على مدى إمكانية مشاركة كلّ الفاعلين السياسيين الرئيسيين في المشهد السياسي والمواضيع التي سيتناولها بالنقاش والتي سيكون فيها نقاط عاجلة، على غرار التحوير الوزاري والاحتقان الاجتماعي والانتهاكات الحاصلة في الفترة الأخيرة”.

يذكر أن الدستور التونسي الذي أقره البرلمان في العام 2014 عقب ثورة 2011 حظي بإشادة دولية واسعة، لكن أغلب الساسة يقرون بأنه يتضمن الكثير من النقاط الجدلية التي تحتاج إلى التعديل خاصة في ما يتعلق بتوزيع الصلاحيات وحدود الصلاحيات بين الرئيس ورئيس الحكومة والبرلمان، وأدت خلافات حول تأويل الدستور إلى أزمات سياسية متكررة منذ العام 2016.

الحوار والمنظومة الفاشلة..

في المقابل أبدت الأحزاب التي تدعم الرئيس سعيد “حركة الشعب القومية والتيار الديمقراطي” اعتراضها على ألية الحوار، اذ رفض الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي “غازي الشواشي” الحديث عن حوار وطني في ظل المناخ الذي يسود البلاد.

بينما أكد النائب البرلماني عن حركة الشعب “هيكل المكي” أن “حركة الشعب مع تفنيد كل الإشاعات التي يطلقها الإخوان المسلمون في تونس بشأن عدم قبول الرئيس سعيد بالحوار واتهامه بالانغلاق على نفسه، والحكومة ليست إلا أداة”، موضحاً أن “الحوار يجب أن يكون بشأن هذه المنظومة التي فشلت وحكومة المشيشي انتهت أخلاقيا وسياسيا ولم تقدم شيئا غير الفشل”.

وكان الاتحاد العام التونسي للشغل قد أطلق مبادرة للحوار الوطني يُشرف عليها الرئيس سعيد منذ ديسمبر الماضي قبل أن يزيح منذ أيام الأمين العام للاتحاد الغموض الذي يلف مصير تلك المبادرة اذ شدد على أن هناك بوادر إيجابية ترجمها اجتماع أمس الثلاثاء.

يذكر أنه غاب عن الاجتماع، ثلاثة رؤساء حكومات سابقين هم “حمادي الجبالي” و”مهدي جمعة” لوجودهما خارج تونس، بينما لم يتمكن الحبيب الصيد من الحضور بسبب وضعه الصحي.

وفي نهاية مايو/ آيار الماضي وتحت عنوان “مبادرة حل.. الأمل الأخير لإنقاذ تونس”، نشر العميد مختار بن نصير، الرئيس السابق للجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، مبادرة وقع عليها عدد من الضباط المتقاعدين، طالبوا خلالها بإعادة البلاد إلى المسار الصحيح وتجنب أي مخاطر قد تطرأ نتيجة أي صراع سياسي، مشددين على أن دافعهم الأول لتلك الرسالة هو “المخاطر الجسيمة التي تهدد البلاد”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.