نقبّل الأيادي من أجل إجازة .. سئمنا رائحة البارود

مسرحون من الجيش في سوريا: “من نفق مظلم، إلى غرفة مظلمة .. اختلف حجم الظلام فقط”

أسامة يونس

هكذا اختصر أحد المسرحين حديثاً من الجيش السوري حالة القلق على “المستقبل” التي يعيشها معظم الذين غادروا الجيش بعد خدمة إلزامية تجاوزت ثمانية أعوام.

الدورة 102، صارت الأكثر شهرة، رغم أن أفرادها ليسوا ممن قضوا الفترات الأطول في الخدمة العسكرية، وقد بدأت ترتفع أصوات بعض “المنسيين” (كما يصفون أنفسهم) ممن دخلوا في الأربعينيات ومازالوا في الخدمة الاحتياطية (الإجبارية طبعاً).

منسيون

أبرز المنسيين هم من الدورة الأولى احتياط:

بعد نحو شهر على بداية الحرب في سوريا، وتحديداً في العشرين من نيسان عام 2011 أرسلت أولى دعوات الاحتياط، وشملت نحو 3 آلاف مدني، (كما قال بعض أفراد تلك الدورة) خاصة ممن أدوا خدمتهم العسكرية في الشرطة.

المفارقة أن طلبات الاحتياط جاءت تحت اسم “دورة تدريبية” (الدورة حسب القانون لا ينبغي أن تتجاوز الشهر)

تركزت خدمة أولئك في “كتائب حفظ النظام”.

الذين بقوا أحياء من أولئك، مازالوا في الخدمة العسكرية، أي أنهم تجاوزوا الأعوام السبعة في الخدمة، وإذا أضيفت إليها فترة خدمتهم الإلزامية السابقة، المقدرة بسنتين ونصف السنة (لم يكن قد تم تعديل القانون واختصار المدة إلى سنتين)، يكون مجموع ما أنفقوه من حياتهم في الخدمة الإجبارية أكثر من تسع سنوات وسبعة أشهر!

يقول شادي: المنطق أن يتم تسريح دورة الاحتياط تلك، جنباً إلى جنب مع الدورة 102، خاصة أن أعمار أفراد تلك المجموعة تتراوح بين 33 ومنهم من تجاوز 42 عاماً.

يتابع: منذ أن بلغتني دعوة الاحتياط انقلبت حياتي: لا وظيفة، لا بيت، وطيلة تلك السنوات لم أجرؤ على التفكير بالزواج، وتأسيس أسرة، أصلاً لم يكن لدينا متسع من الوقت لنعيش بشكل طبيعي، لنفكر بذلك، الآن أشعر أن لا شيء يمكن أن يعوض عن تلك السنوات، حتى التسريح الذي أنتظره لن أشعر بالسعادة حين يصدر قراره، كما لا يوجد تعويض مادي يعادل تلك السنوات.

يصمت قليلاً ويسأل: كم يمكن أن تكون قيمة التعويض؟ 500 ألف، مليون، عشرة ملايين .. لا يمكن أن تعوضني عن تلك السنوات، مستقبلي أصبح خلفي.

ما يقوله بعض أفراد تلك الدورة، يتقاطع مع ما بدأ يعيشه أفراد الدورة 102 المسرحين حديثاً، الذين يتحدثون بقلق عما ينتظرهم في الحياة القادمة: المدنية.

من الصفر

أفراد الدورة 102 يتحدثون عن سنوات الخدمة الثمانية التي انتزعت من حياتهم، دخلوها دون خبرة في أي شيء، ويغادرونها اليوم إلى حياة لا تقل صعوبة، حيث الغلاء غير المسبوق، مع انعدام فرص العمل، والتراجع الحاد في القدرة الشرائية.

“أشعر أنني أبدأ الحياة بشكل معكوس، أدخلها بعمر 32 سنة، ما عندي بيت، ولا عمل، ومطلوب أبدأ من الصفر”

ما الأكثر صعوبة أو الذي يأتي في المرتبة الأولى من المشاكل؟

يقول غسان:

“كل مشاكلنا لها الأولوية: المشكلة المادية رقم 1، تأمين فرصة عمل، رقم 1، صعوبة الجو المدني المتعثر أصلاً رقم 1، التواصل مع الناس بعد انقطاع 8 سنوات رقم 1، تشعر أنك غريب مهما كنت قريباً ..”

صف العسكر

“أكثر من ثمانية أعوام من الحياة المؤجلة، كل شيء مؤقت، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً، كان هناك هدف واحد: أن نبقى أحياء”

كان يتحدث عن الماضي أكثر مما يتحدث عن المستقبل، عن فترة الخدمة العسكرية، أكثر من الحياة المدنية.

وحين تسأل عن الحياة المدنية، ترى ظلال العسكر فيها: بعضهم أبدى تخوفاً من إمكان استدعائهم للخدمة الاحتياطية:

يقول حسام: “بعد كل هالخدمة ما كتبوا على دفاتر الخدمة: يُعفى من الخدمة الاحتياطية”.

أمر لم يستغربه أحد: “نعم هذا احتمال وارد”، يقول جاسم، “خاصة أن طلب الاحتياط وصل حتى إلى أولئك الذين تجاوزوا سن التكليف”

ويتابع بسخرية: المشكلة أنهم يتعاملون معنا على أساس أننا صرنا “أصحاب خبرة” حتى المدنيين لا ينظرون إلينا إلا كمقاتلين، ومشاريع شهداء، وكأن مهنة القتال كتبت علينا أو كأننا اخترناها بإرادتنا… لا يرون فينا إلا “صف العسكر” الذي يمتهن القتال فقط، كي ندافع عنهم.

دورة تدريبية

الحالة الاستثنائية التي تشهدها البلاد، جرّت معها كثيراً من الممارسات التي لا تتوافق مع القانون أو تخرقه بصورة فجة، منها أن هؤلاء الذين وجدوا أنفسهم محاربين فجأة، ثم جنوداً لفترة طويلة من الزمن، لا يتم التعامل معهم بما ينسجم و”التضحيات” التي قدموها، حسب تعبير بعضهم، من ذلك، هو أن تلك الفترة التي قضوها في الخدمة، ينظر إليها على أنها “دورة تدريبية” ربما بهدف “تقليص” واجبات الدولة تجاههم، أو تقليص قيمة ما يُدفع لهم بعد انتهاء الخدمة.

“أنا لهلق مستغرب إنو كل هالخدمة اعتبروها إنها كانت دورة تدريبية! .. يعني لو فعلاً دورة تدريبية، كانت كافية بهال 8 سنين نتخرج منا رواد فضاء” يقول حسام وهو يشير إلى أن تصنيف خدمة الأعوام الثمانية تلك، على أنها “دورة تدريبية” يستتبع تراجع الحكومة عن كثير من التزاماتها تجاه هؤلاء، ومن ذلك تعويض نهاية الخدمة.

كل الذين تواصلنا معهم ذكروا أنهم غير متأكدين من أن يكون ثمة تعويض أصلاً، إلا أنهم رجحوا ذلك، وبقي الخلاف حول قيمة التعويض، وهو في كل الأحوال لا يتجاوز 700 ألف ليرة، في أفضل الأحوال (نحو 1500 دولار).

يقول حسام: “أشعر وكأن المسؤول يدفع من جيبته، لذلك يتحايل عالقانون والدستور”

“أنا بصراحة ناطر التعويض، لأعمل حفلة العرس”

أسأل: يقولون إن الدولة غير قادرة الآن على دفع فالموارد محدودة؟

يقول غسان: “لو يسحبوا سيارة وحدة من كل مسؤول بتصير قادرة .. يعني يمكنها أن تعيد لنا شيئاً بسيطاً نحن اللي راح عمرنا لتضل الدولة واقفة”

* راح عمرنا! تشعر بذلك فعلاً؟

** “أكيد راح عمرنا .. أنا خسرت دراستي، وما عاد أقدر أمن شغل، وراتب ما عندي، ويمكن تعويض ما في، وإذا في .. ما بيكفيني شهرين”

القانون؟ .. من يسأل؟

قانون خدمة العلم النافذ (الصادر عام 2007) شهد تعديلات عدة ومتلاحقة، في السنوات الماضية، إلا أن المواد المتعلقة بالاحتفاظ أو الاحتياط مازالت غامضة، وبشكل يبدو معه ما يتم تنفيذه في الواقع مخالفاً، أو على الأقل غير متوافق، مع القانون.

لا يرد في القانون ما يسمح بالاحتفاظ، بشكل مباشر، إلا أن ثمة ما يشير إلى اعتبار من تنتهي خدمته الإلزامية، ولا يتم تسريحه، ضمن فئة الاحتياط.

ومن المفارقات في القانون أن بعض الذين تجاوزوا سن التكليف (42 سنة) ما زالوا في الخدمة الاحتياطية، رغم أن المادة 34 من قانون خدمة العلم، تقول إن إحدى حالات تسريح الاحتياطي هي تجاوزه السن القانونية المحددة لرتبته.

صدمة أخرى

مع الفرح وحملة التبريكات التي أعقبت انتشار خبر تسريح الدورة 102، كان بعض هؤلاء يعانون صدمة أخرى، إذ أن التسريح لم يشملهم.

* لماذا؟

** “علينا عقوبات، وعنا “خدمة مفقودة” وحسب الأنظمة والقوانين لا يشملنا التسريح.

هنا يُطبق القانون.

مباركات .. و”نصر”

حملة مكثفة انطلقت على مواقع التواصل الاجتماعي، “خاضها” أفراد من الدورة 102، الذين بدؤوا رحلتهم مع الحياة العسكرية يوم 1/5/2010.

خدمة العلم، كما تسمى قانوناً، لم يكن أحد يعتقد أنها ستطول أكثر مما هو محدد في القانون، وأن ذلك العلم الذي يخدمونه لن يبقى هو الوحيد الذي يرفرف في بلد صار رفع الأعلام الغريبة فيه أمراً اعتيادياً، وجزءاً من لوحة صراع خطر ليس من السهل النجاة منه.

حملة سبقت التسريح، وكانت تخاض كأي معركة، لأن التعابير المستخدمة فيها، كانت من النوع غير المألوف في الحياة العسكرية، حيث الانضباط الصارم.

صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بالتسريح، وبحقوق العسكريين، ومما طُرح:

ـ الوطن ليس لنا فقط، الوطن للجميع .. سئمنا رائحة البارود.

ـ لا يهمنا إذا زاد الراتب أو تحسن الطعام، ما يهمنا أمر واحد فقط، وهو التسريح.

ـ لا يرضينا إلا التسريح.

ـ نقبّل الأيادي لأجل إجازة أو مغادرة، كي نرى أهلنا أو أبناءنا.

ـ “سرّحونا: دورة 102 صف ضباط و104 مجندين وأقدم دورة احتياط”

تلك الدورات السابقة هي التي “جاء دورها” اليوم، كما بدأ منذ فترة ينتشر على مواقع التواصل.

ويُلاحظ أن ثمة دورة منسية أيضاً في الحملات المتزايدة، هي الدورة 103، إذ يتم الحديث حالياً عن الدورة 104، وقد بدأت تظهر صفحات باسمها، كما كانت باسم الدورة 102.

أسأل أكثر من عسكري عن سبب ذلك. وقد التقت معظم التفسيرات حول أن عدد أفراد تلك الدورة ليس كبيراً، وربما قضى كثير منهم في المعارك.

****

وبينما كانت التبريكات تنتشر في مواقع التواصل، كان الإعلام السوري ينظر إلى الأمر بطريقة أخرى، إذ بثت قناة الإخبارية تقريراً يقول:

“وفي ظل التقدم الميداني والانتصارات المتلاحقة، يأتي القرار بتسريح الدورة 102 كمؤشر إضافي على قوة الدولة السورية وقدرتها على الإمساك بأوراق الميدان، ومدى القوة والجاهزية التي يتمتع بها الجيش العربي السوري”

ثم، استطلاعات لرأي الناس على الإخبارية، يصفون قرار التسريح:

ـ بلشت ملامح النصر تبين

ـ خبر جيد جداً

ـ خطوة جبارة وقوية كتير.


هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.