هجرة اللاجئين في تركيا إلى أوروبا! الأسباب والدوافع 3/3

دراسة استطلاعية

الملخص التنفيذي:

نتابع في هذا الجزء الثالث والأخير من دراسة أوضاع اللاجئين في تركيا؛ والأسباب التي تدفعهم اليوم للهجرة منها إلى الإتحاد الأوروبي الذي يعاني من مشكلات اقتصادية كبيرة وسياسية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.

حيث نقف عند الحملات الانتخابية التركية والصراع على السلطة؛ والتي يذهب ضحيته اللاجئون في تركيا من مختلف الجنسيات وعلى رأسهم اللاجئون السوريون، والضغوط التي تقوم بها الحكومة التركية اليوم على هؤلاء اللاجئين؛ ونطرح التساؤل التالي: لماذا لا يعود اللاجئون إلى بلدانهم الأصلية؟ ونتوقف عند استغلال جنسيات مهاجرة لهجرة السوريين إلى أوروبا نتيجة ظروف الحرب في بلادهم للوصول إلى أوروبا، ونلتقي مع مهاجرين وصلوا أوروبا من خلال رحلة الموت؛ ليحدثونا عما لاقوه في رحلتهم تلك، ثم نقدم الخلاصة والتوصيات.

كل ذلك نتناوله من خلال المحاور التالية:

  • ما دور الحملات الانتخابية التركية في هجرة اللاجئين من تركيا إلى أوروبا؟
  • ما دور الضغوط التركية على اللاجئين السوريين وترحيلهم إلى الداخل السوري؟
  • لماذا لا يعود اللاجئون إلى بلادهم الأصلية؟
  • استغلال جنسيات مختلفة لاجئة بتركيا لهجرة السوريين إلى أوروبا!
  • رحلة الموت من أجل الحياة في الطريق إلى أوروبا!
  • الخلاصة والتوصيات

الحملات الانتخابية ودورها بهجرة اللاجئين من تركيا إلى أوروبا

مما تقدم يتبين لنا أن هناك عاملين رئيسين؛ كانا السبب في دفع اللاجئين في تركيا للهجرة منها تجاه أوروبا؛ الأول الحملات الانتخابية التي اشتعلت مؤخراً بين الأحزاب التركية؛ وما ترافق معها من حملات عنصرية شبه ممنهجة ضد اللاجئين عموماً والسوريين خصوصاً، وتغيير الخطاب السياسي لأردوغان تجاه الأنظمة التي يتبع لها هؤلاء اللاجئين.

كما أن هناك نقطة لا بد من التوقف عندها في هذا الصدد؛ وتتمثل بمعركة كسب أصوات الناخبين الأتراك المعارضين لسياسة أردوغان؛ والتي يشكل الأكراد والعلويون الأتراك القاطنون في الجنوب التركي؛ وهؤلاء متضررين بشكل أو آخر من كثرة اللاجئين في مناطقهم من جهة، ولهم موقف سياسي من أردوغان والمعارضة السورية من جهة أخرى.

فركز خطاب المعارضة التركية على هؤلاء لكسب أصواتهم؛ مما دفع أردوغان للتوجه لهم كذلك؛ حيث عقد اجتماعاً مع وجهاء الطائفة العلوية المقيمة غالبيتها في الجنوب الغربي من تركيا؛ وتقديم جزرة لهم ليكسب أصواتهم.

وبقيت ورقة الأكراد الأتراك لصالح المعارضة التركية؛ إذ لم يستطع أردوغان أن يجد لها حلاً حتى الآن؛ دون أن ننسى أن معظم الأصوات التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات السابقة؛ كانت تعتمد على أصوات المناطق النائية والريفية؛ وهذه معضلة كبيرة أمام أردوغان؛ إنْ أراد الفوز بالانتخابات القادمة؛ وتشكيل حكومة من حزبه دون أن يضطر للتحالف مع آخرين لتشكيل حكومة ائتلافية؛ إنْ فاز بالانتخابات القادمة.

هذا كله كان على حساب اللاجئين في تركيا؛ الذين لم يعد لهم مكان في خطابات أردوغان العاطفية؛ الذين أصبحوا يصرخون بصوت عالٍ (لقد خدعنا السلطانُ) لتبدأ رحلة الموت بالهجرة إلى أوروبا من تركيا عبر اليونان وبلغاريا.

من الضغوط التركية على اللاجئين السوريين وترحيلهم إلى الداخل السوري:

في الفترة الأخيرة وتحديداً مع بدء النصف الثاني من العام 2022 بدأت السلطات التركية بالضغط على اللاجئين السوريين؛ وترحيل بعضهم إلى مناطق سيطرة الجماعات المسلحة (المناطق المحررة من سلطة النظام السوري)؛ حيث التقى مندوبنا بعدة أشخاص ـــ كما أسلفنا ـــ تم ترحيلهم إلى مدينة إعزاز وجرابلس السوريتين؛ وملخص إجراءات الترحيل كانت بسبب ما يلي:

  • عدم امتلاك تصريح إقامة (كيملك) الذي بات الحصول عليه شبه مستحيل؛ إلا إذا حصل على كفيل تركي يضمنه؛ وهذا شبه مستحيل اليوم، أو يكون قد حصل على إقامة من أجل فتح مشروع استثماري في تركيا.
  • يمتلك الشخص تصريح إقامة (الكيملك) ولكن يتم القبض عليه يعمل خارج نطاق الولاية التي حصل على تصريح إقامة فيها. فيتم ترحيله.
  • بعضهم أفاد لنا بأن المخالف بالعمل بولاية أخرى له ثلاثة تنبيهات قبل ترحيله؛ إنْ كان يحمل تصريح إقامة (الكيملك).
  • توقيع المرحل بأنه قد تم ترحيله طوعياً، وهذا ما كشفه لنا عدد من المُرَحلين الذين وقعوا على ذلك التصريح تحت الضغط والإكراه.

لماذا لا يعود اللاجئون إلى بلادهم الأصلية؟

هذا تساؤل مشروع من قبل الشارع التركي؛ رغم أنه تساؤل يخفي طياته غباء بعدم معرفة الأسباب التي دفعت هؤلاء اللاجئين بالقدوم إلى تركيا لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية في بلادهم؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حكومة حزب العدالة والتنمية بخطابها العاطفي الذي صوَّر تركيا أردوغان بالأخ الأكبر والوصي على المستضعفين في شرقنا البائس؛ دفع هؤلاء لهجرة بلدانهم والقدوم إلى تركيا.

تشير بعض الإحصاءات والدراسات الاستطلاعية “إلى أنّ بعض السوريين غيّروا رأيهم مما يجري ببلدهم، بسبب فقدانهم الأمل من سورية. وعلى الرّغم من أنني أقف على مسافة بعيدة من الثقة في استطلاعات الرأي والتسليم بها، فإني أرى أن هذه الإحصاءات التي كشفت عنها هذه الدراسة هي على الأقل نقطة مرجعية للأشخاص المشككين مثلي. لقد مرّ ما يقرب من عَشر سنوات على بداية الحرب السورية، ومن الطبيعي أن يكون يأسُ اللاجئين من مستقبل البلاد قد ازداد. من جهة أخرى، نرى أن اللاجئين كانوا، في الأعوام السابقة، ينتظرون انتهاء الحرب والعودة إلى بيوتهم، لكنّهم مع مرور الزمن أسسوا حياة جديدة في تركيا التي هاجروا إليها، ومن الطبيعي أنهم لا يفكرون بترك هذه الحياة، لتأسيس حياتهم من جديد مرة أخرى، وإنْ تغيّرت الظروف، وهذا واقع في الحياة الفردية والمجتمعية. إن الحياة تستمرّ في كل الأحوال، بطريقة أو بأخرى، والوقت الذي يمرّ يجلب معه حياة جديدة، وصراعًا جديدًا من أجل تلك الحياة، ونظامَ حياة جديدًا، وأهدافًا جديدة. مع مرور الزمن الذي تحوّلت فيه الأسابيع إلى شهور والشهور إلى سنوات، وجد المهاجرون أنفسهم في وضع “الانتظار” على أرض بلد آخر، وأصبحوا يواجهون مصاعب ومحنًا مختلفة في حياتهم، سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوه. وعلى الرغم من توقّف الحياة في سورية، فإن الحياة مستمرةٌ في العالم. على سبيل المثال، الأطفال السوريون الذين وُلدوا في تركيا في بدايات الحرب صار عمرُهم اليومَ عشر سنوات، والقاصرون الذين لجؤوا إلى تركيا أصبحوا الآن شبانًا يافعين. وعندما يضاف البحث عن العمل والتعليم والتنمية الشخصية والفرص الأخرى إلى احتياجات الناس، مثل المأوى والغذاء والرعاية الصحية، يأخذ كل شخص حاجته من قائمة “الانتظار”، ويضعها في وضع “التفعيل”. ولا يُعدّ ذلك تخليًا عن الوطن، حيث يجبُ على كل فرد أن يجعل حياته مستمرةً. ([1])

استغلال جنسيات مختلفة لاجئة بتركيا لهجرة السوريين إلى أوروبا!

استغل لاجئون من جنسيات مختلفة غير سورية الحملات العنصرية ضد السوريين؛ وتغير خطاب الحكومة التركية تجاه اللاجئين السوريين؛ ليشاركوا السوريين طريق الهجرة إلى أوروبا.

التقت “مينا مينتور” عدداً من الواصلين إلى النمسا وألمانيا وهولندا من المهاجريين السوريين؛ فحدثونا عن ذلك. يقول اللاجئ (م . ق) أن عدد غير السورين في رحلة الموت عبر اليونان كان أحياناً يشكل النصف أو أكثر، منهم مغاربة وأفغان وعراقيون ومصريون وحتى أتراك يبحثون عن فرص عمل بأوروبا. ([2])

رحلة الموت من أجل الحياة في الطريق إلى أوروبا!

أخذت ــ نتيجة ما ذكرناه آنفاً ــ مجموعات اللاجئين بالهجرة من تركيا إلى أوروبا عن طريق اليونان؛ إنها رحلة الموت من أجل الحياة كما وصفها لنا أحد الواصلين إلى أوروبا؛ والذي كان محظوظاً؛ إذ استغرقت رحلته من تركيا فألبانيا وصربيا ثم هنغاريا حيث النمسا وصولاً إلى ألمانيا مدة أربعة أشهر؛ وهذا وقت قياسي بالنسبة لآخرين؛ يقول محدثنا الواصل إلى أرض الأحلام ويدعى (م . ق) إن الطريق حتى حققت حلمي بأن أكون إنساناً وأنام بلا خوف وقلق؛ يمر برحلة قاسية، الموت دائماً كان قريباً منا! ولقد شاهدت عدداً من اللاجئين يموتون لأسباب متعددة.

ثم بدأ يصف لنا مسار رحلته قائلاً: تبدأ الهجرة بواسطة مهرب من مدينة “أدرنة” التركية التابعة لإسطنبول والقريبة من الحدود اليونانية والبلغارية، وتشكل قرية (قره يوسف) نقطة تجمع المهاجرين؛ ولقائهم بالمهرب؛ الذي يساعدهم بالوصول إلى الأراضي اليونانية أو البلغارية لقاء مبالغ كبيرة.

وبحسب حديث اللاجئ ( ع . س ) تبدأ رحلة الموت بعبور نهر (ايفروس) الذي أصبح المهاجرون يطلقون عليه اسم نهر الموت بسبب غرق عدد كبير منهم فيه؛ للوصول إلى الأراضي التركية أو البلغارية، أما نقطة تجمع المهاجرين الثانية المتجهين نحو الأراضي البلغارية فتكون في قرية (قره كرلي) ومنها إلى قرية (ليجاندا) التركية ثم الدخول إلى أراضي البلغارية؛ وكذلك لا بد من عبور نهر الموت (نهر إيفروس).

أكثر ما يعانيه الفارّون من تركيا باتجاه أوروبا هي العصابات التي تتألف من شبان أفغان ــ على الأغلب ــ الذين يقومون بعمليات نصب وسلب ونهب وسرقة لهؤلاء الفارين بأرواحهم. بحسب تصريح محدثنا.

يتابع حديثه قائلاً: هناك طريق آخر كان أسهل للمهاجرين عن طريق البحر عبر مدينتي إزمير وبودروم التركيتين. ولكن نتيجة تعامل خفر السواحل اليوناني اللاإنساني مع قوارب المهاجرين؛ حيث يعمدون بشكل غير مباشر إلى إغراق تلك القوارب البدائية؛ فانخفضت الرحلات البحرية كثيراً؛ وعاد المهاجرون لاستخدام طريق البر عبر نهر الموت.

ويتابع اللاجئ (ع . س) حديثه لنا عن رحلة الموت قائلاً: استغرق معي الوصول إلى النمسا من تركيا ومن مدينة أورفا إلى إسطنبول ثم اليونان من خلال منطقة سالونيك إلى هنغاريا ثم وصولي إلى النمسا عاماً كاملاً، ألقى عليَّ حرس الحدود الهنغارية القبض عدة مرات؛ وتعرضت للضرب، ثم أعادوني إلى اليونان.  

الخلاصة والتوصيات:

أخيراً من فصول مأساة المهاجرين من تركيا؛ وليس آخرها! ما ذكرته الـ BBC في 14 أكتوبر/ت1 الماضي بأن (92) مهاجراً من سوريين وأفغان؛ عُثِرَ عليهم عند الحدود التركية/اليونانية الشمالية وهم عراة تماماً وعلى أجسادهم آثار تعذيب، والأمم المتحدة وصفت المشهد بالمزعج! ودعت إلى إجراء تحقيق عاجل! وبحسب الغارديان اللندنية فإن السلطات التركية أجبرتهم على التعري! بحسب اتهام اليونان للسلطات التركية بالحادثة! وردت تركيا على الاتهام اليوناني بتكذيبه؛ متهمةً اليونان بالحادثة. واكتفى بيان مفوضية شؤون اللاجئين بأنه يشعر بالقلق.[3]

مما تقدم؛ ومن خلال ما طرحناه في الأجزاء الثلاثة؛ تبين لنا أن المهاجرين عموماً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا؛ تم استخدامهم كورقة تفاوضية لمصالح الدول؛ ولقد غاب نهائياً البعد الإنساني والأخلاقي لهذه المأساة، وأنّ اللاجئين السوريين خصوصاً، دفعوا ثمناً كبيراً نتيجة لعبة المصالح الدولية؛ وخصوصاً الصراع بين تركيا والاتحاد الأوروبي من جهة، وتركيا والنظام السوري من جهة أخرى.

وأنّ حقوق الإنسان لا قيمة لها في لعبة المصالح الدولية؛ وأنّ الخطاب السياسي العاطفي للساسة شيء؛ وما يُطبق على أرض الواقع شيء آخر تماماً.

وإنّ رحلة الموت التي يقوم بها اللاجئون من سوريين وسواهم من تركيا باتجاه أوروبا؛ يجب على منظمات حقوق الإنسان أن تهتم بها؛ وتسجل الانتهاكات الوحشية التي يتعرض لها المهاجرون من حرس الحدود؛ وعصابات التهريب التي تستغل معاناة المهاجرين.

وآن الأوان لوضع نهاية لعذابات أناس لا ناقة لهم ولا جمل في معركة المصالح الدولة؛ والحروب الأهلية؛ وعلى الحكومات الغربية أن تضغط أكثر من أجل التحول الديمقراطي في بلدان الاستبداد إنْ كان جادة في البحث عن حل لمشكلة المهاجرين واللاجئون إليها.


المراجع

[1] مروة شبنم أوروج: ترك برس، مترجم عن مركز حرمون للدراسات: https://www.turkpress.co/node/76136

[2] مجموعة لقاءات أجراها مندوبنا في عدة مراكز للجوء بأوروبا؛ تحدث من خلالها الواصلون إلى أوروبا؛ والناجون من رحلة الموت عن تجربة الهجرة من تركيا إلى الأراضي الأوربية.

[3] https://www.facebook.com/watch/?v=474720444621283