دراسة استطلاعية

الملخص التنفيذي:

باتت الهجرة إلى تركيا من جهة؛ ومن تركيا إلى أوروبا من جهة أخرى؛ إحدى أهم القضايا التي تشغل جهات أممية متعددة؛ كمنظمات حقوق الإنسان وهيئة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ففي تركيا بعد بضع سنوات من فتح باب الهجرة إليها على مصراعيه من قبل الحكومة التركية، بدأت أصوات تركية معارضة لسياسة الحكومة؛ ترتفع بشكل عنصري تجاه اللاجئين في تركيا؛ السوريين منهم خصوصاً؛ مما أدى إلى وقوع اعتداءات عنصرية على اللاجئين؛ وصل بعضها إلى قتل بعضهم وخصوصاً من السوريين.

هذه الدراسة الاستطلاعية؛ تحاول سبر أغوار الأسباب التي دفعت اللاجئين للقدوم إلى تركيا من شتى دول شرقنا البائس، وكذلك الأسباب التي دفعتهم للهجرة منها باتجاه الاتحاد الأوربي؛ من خلال إحصاءات ولقاءات مع مهاجرين ولاجئين. هذا كله نتناوله في ثلاثة أجزاء من خلال المحاور التالية:

  • المدخل
  • تركيا دار ممر ومحطة استراحة
  • هجرات جديدة من تركيا وإليها!
  • ما هو وضع اللاجئين في تركيا؟
  • ما البعد السياسي للهجرة من تركيا إلى أوروبا؟
  • ما هي العقبات التركية المختلفة التي دفعت اللاجئين للهجرة إلى أوروبا!
  • كيفية منح بطاقة الحماية للاجئين في تركيا؟

الجزء الثاني:

  • لقاءات مع لاجئين مبعدين من تركيا
  • ما الإجراءات القانونية التركية الجديدة خلف الهجرة من تركيا؟
  • مأساة اللاجئين القُصَّر في تركيا من الذين لا تتوفر لهم عائلات!
  • ما صعوبات التي يواجهها اللاجئون الطلبة في تركيا فتدفعهم للهجرة إلى أوروبا؟

الجزء الثالث:

  • ما دور الحملات الانتخابية التركية في هجرة اللاجئين من تركيا إلى أوروبا؟
  • ما دور الضغوط التركية على اللاجئين السوريين وترحيلهم إلى الداخل السوري؟
  • لماذا لا يعود اللاجئون إلى بلادهم الأصلية؟
  • استغلال جنسيات مختلفة لاجئة بتركيا لهجرة السوريين إلى أوروبا!
  • رحلة الموت من أجل الحياة في الطريق إلى أوروبا!
  • الخلاصة والتوصيات

المدخل

أصبحت تركيا محطة رئيسة للمهاجرين القاصدين الاتحاد الأوروبي هرباً من الأوضاع الإنسانية والسياسة والاقتصادية؛ وكذلك الحروب الأهلية في بلادهم. حتى باتت تركيا قبلةَ المهاجرين منذ بدء هجرة السوريين إليها مطلع الربيع العربي؛ ولقد قدم اللاجئون السوريون أكبر دعاية مجانية لتركيا وحكومتها حول التعامل الحسن الذي لاقوه بدايةً من الشعب التركي؛ المترافق بخطابات عاطفية سياسية ألقاها الرئيس التركي أردوغان حول الأمر.

لكن الهجرة إلى تركيا كانت بالنسبة لغالبية المهاجرين تعد مرحلة أولى في طريق الهجرة من بلادهم، أطلق عليها غالبية المهاجرين من مختلف البلدان والجنسيات من الذين وجدوا في تركيا ملاذاً أوليّاً؛ ومحطة استراحة للتفكير بهدوء نحو البلاد التي سيقصدونها تالياً، فأطلقوا عليها (دار ممر؛ لا دار مستقر) كما اشتهر على ألسنة المهاجرين.

تركيا دار ممر ومحطة استراحة

ما بين أعوام 2012 حتى عام 2015 كانت تركيا دار مقر لغالبية المهاجرين السوريين بشكل خاص ولغير السوريين بشكل عام من شرقنا البائس؛ بسبب المعاملة الحسنة الي لاقوها من حكومتها وشعبها كما أسلفنا، شجع على ذلك خطاب أردوغان لتجمع المهاجرين السوريين في مدينة أورفا الحدودية لما قال: نحن الأنصار وأنتم المهاجرون.

لكن الأوضاع الاقتصادية للمهاجرين؛ وعدم تقديم الحكومة التركية لهم أية مساعدات؛ وتكاليف الحياة الباهظة فيها؛ جعلت المهاجرين يفكرون بالمرحلة الثانية والمتمثلة بأن تركيا دار ممر، لا در مستقر! فبدأت طلائع الهجرة باتجاه أوروبا؛ التي غطتها وسائل إعلام من مختلف بلدان العالم؛ فكانت تلك الهجرة الجماعية الضخمة للسوريين عام 2015 ومعهم آخرون من بلاد شتى باتجاه أوروبا عبر اليونان.

ولقد استغلت الحكومة التركية هذه الهجرة بالضغط على الاتحاد الأوروبي؛ لتحسين شروط تفاوضها معه تجاه ملفات كثيرة تخصها؛ منها المساعدات المالية المُقدمة من أوروبا للاجئين حتى يستقروا بتركيا، ومنها قبول تركيا كعضو في الاتحاد الأوروبي؛ وكلما تعسرت أو تعثرت المفاوضات التركية/ الأوروبية؛ تبدأ الحكومة التركيا بغض النظر عن موجات هجرة جديدة يندفع من خلالها اللاجئون فيها نحو أوروبا؛ والعكس صحيح.

هجرات جديدة من تركيا وإليها!

المعاملة الحسنى التي لاقاها السوريون في تركيا؛ دفعت المستضعفين في بلاد عربية وإسلامية شتى للهجرة من بلادهم باتجاه تركيا؛ نتيجة لأسباب متعددة اقتصادية وسياسية وحروب أهلية للعيش فيها، أو بالأدق لتكون تركيا مرحلة أولى في طريق الهجرة قبيل التوجه نحو أوروبا؛ لتبدأ رحلات الهجرة من تركيا بشكل مستمر دون انقطاع، ولكن على وتيرة مختلفة؛ ولكن هذه الوتيرة ارتفعت كثيراً بعد منتصف عام 2022 نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية بتركيا من جهة؛ عندما قام لاجئون؛ وصلوا تركيا من مصر وتونس والمغرب والجزائر والصومال وأفغانستان وحتى فلسطين إلى أوروبا من جهة أخرى؛ إضافة إلى مواطنين أتراك؛ دخلوا أوروبا بطريقة غير شرعية للعمل فيها، لكن كثرة المهاجرين السوريين من تركيا إلى أوروبا عن طريق اليونان؛ وسم الهجرة بأنها موجة هجرة جديدة سورية وكبيرة، مشابهة لهجرة عام 2015 التي ذكرناها آنفاً.

ويرجع سبب ازدياد الهجرة هذا العام من تركيا باتجاه أوروبا إلى الصراع السياسي الانتخابي القادم منتصف 2013 بتركيا؛ هذا الصراع جعل من الهجرة والمهاجرين قميص عثمان؛ أدى ذلك إلى ردة فعل عنصرية في الشارع التركي ضد اللاجئين عموماً؛ والسوريين خصوصاً؛ مما دفع بهم لهجرة جماعية كثيفة مرة أخرى تجاه أوروبا.

لقد كانت التصريحات الإعلامية الانتخابية للمعارضة والحكومة التركية ضد اللاجئين؛ وأنهم سيعملون على عودتهم لبلادهم إلى دفع هؤلاء المهاجرين للنجاة بأنفسهم والمغامرة عن طريق البر والبحر نحو اليونان؛ لعلهم يصلون إلى أرض الأحلام أوروبا؛ لينجوا من هذا القلق الذي باتت تسببه لهم السياسية التركية.

وضع اللاجئين في تركيا:

البعد السياسي للهجرة من تركيا إلى أوروبا

مطلع عام 2012 بات خطاب أردوغان يدغدغ مشاعر المسلمين المضطهدين في بلادهم؛ بأنه الحامي لهم؛ والوصي عليهم؛ وعلى قضاياهم ضد أنظمتهم السلطوية، مما أدخل تركيا في أزمات دبلوماسية وسياسية كثيرة؛ منها مع مصر والإمارات والسعودية ودول أخرى، كما فتح أردوغان الباب مشرعاً للمعارضات العربية، لتبث خطابها الإعلامي ضد سلطات بلادهم؛ لتصبح تركيا كذلك منصة إعلامية يستخدمها اللاجئون المعارضون إليها في صراعهم مع سلطات بلادهم.

واحتضن أردوغان المعارضة الإسلاموية بشكل خاص؛ التي شكلت جماعة الإخوان المسلمين الحيز الأكبر منها، وحتى يسيطر أردوغان على تلك المعارضات الإسلاموية؛ ظهر مصطلح في الإعلام التركي والمعارضاتي الإسلاموي ليصف أردوغان بالأخ الأكبر؛ وهي عبارة لها دلالة وبُعْدٍ وصائي على قيادات المعارضات المختلفة المتواجدة على الأراضي التركية.

هذا الأمر دفع الحكومات والسلطات التي تتبع لها هذه الجموع المختلفة من اللاجئين في تركيا؛ لتوسمهم بمعارضة محتضنة من قبل تركيا؛ وعميلة لها؛ ومرتزقة منها.

ولكن الخلاف السياسي بين الحكومة التركية ومعارضتها بسبب الانتخابات القادمة؛ جعلت ورقة اللاجئين في تركيا عموماً والسوريين منهم خصوصاً بيضة القبان في الحملات الانتخابية، خصوصاً بعد تصريحات متعددة لزعماء المعارضة التركية بأن من ضمن برنامجهم الانتخابي إنْ نجحوا؛ أن يعيدوا اللاجئين إلى بلادهم وخصوصاً السوريين منهم.

استغلت تلك الحملات الانتخابية ورقة اللاجئين؛ وزاد من استثمارها بعد تدهور الليرة التركية، مما جعل بقاء أردوغان وحزبه في السلطة مهدداً؛ خصوصاً بعد تصدع قيادة حزبه العدالة والتنمية نتيجة خلافات كثيرة؛ ثم انسحاب الرئيس السابق عبد الله غول منه؛ ثم تبعه منظر سياسة الحزب أحمد داود أوغلو وزير الخارجية التركية الأسبق؛ وتفرد أردوغان بقيادة الحزب والحكومة، مما دفعه للتخلي عن احتضان اللاجئين عموماً؛ والسوريين خصوصاً؛ وفتح قنوات خلفية مع النظام السوري للتفاهم؛ وإعادة العلاقات بينهما؛ مما شكل رعباً حقيقياً للاجئين السوريين؛ الذي ترافق بوصول أخبار من الداخل السوري بتصفية النظام السوري لمجموعات؛ عادت إلى مناطق سيطرته، لتبدأ موجة هجرة جديدة لهؤلاء اللاجئين عموماً من تركيا باتجاه أوروبا للنجاة بأرواحهم من تقلبات السياسية الحكومة التركية تجاههم، والحملات العنصرية التي باتت فاقعة؛ وتهدد حياتهم؛ إضافة إلى التدهور المعاشي لهم خصوصاً؛ إذا علمنا بأن تركيا لا تقدم أية مساعدات للاجئين المقيمين على أراضيها.

عقبات تركية مختلفة دفعت اللاجئين للهجرة إلى أوروبا!

قبل أزمة الانتخابات التركية؛ لم تكن الحكومة التركية تعرقل تجديد إقامات اللاجئين على أراضيها بشكل واضح، فالمتواجدون منهم بولايات تركية متعددة؛ كان بإمكانهم قبل الحملة الانتخابية التنقل بين الولايات التركية بسهولة للعمل فيها، ولكن الخلافات السياسية بين الحكومة التركية والإتحاد الأوروبي من جهة؛ وتردي الأوضاع الاقتصادية بتركيا؛ والحملات المضادة للاجئين من قبل المعارضة التركية من جهة أخرى؛ دفع الحكومة التركية للتضيق كثيراً على اللاجئين؛ ليغدو منح بطاقة الحماية للاجئ يخضع لشروط تعجيزية؛ جعلت اللاجئين الجدد في وضع غير قانوني بتركيا.

كيف تمنح بطاقة الحماية للاجئين في تركيا؟

سابقاً كانت البلديات التركية تمنح بطاقة الحماية (الكميلك) للاجئ؛ ولا تسمح له بمغادرة الولاية إلا بإذن من دائرة الأمنيات التابعة للولاية نفسها؛ وتكون مدة المغادرة محددة، لكن هذا الإجراء كان إجراءً شكلياً، لم يمنع اللاجئين من التنقل دون إذن؛ والعمل في ولايات أخرى إنْ توفرت لهم فرصة عمل فيها، ولكن بعد الخلافات التركية/ الأوروبية، والحملات الانتخابية؛ أصبح ممنوعاً على اللاجئ أن يعمل في ولاية أخرى غير الولاية التي يحمل منها بطاقة الحماية (الكميلك).

هذا يعني أن فرص العمل للاجئين بدأت تضيق؛ وتم استغلال ذلك القانون من قبل أرباب العمل في الورشات الصناعية التركية؛ للتحكم بأجور العمال اللاجئين؛ وأكل حقوقهم! خصوصاً أن غالبية اللاجئين كانوا في الولايات الجنوبية المحاذية للحدود السورية والعراقية، وفرص العمل في تلك الولايات شبه معدومة، وهذا ما جعل اللاجئين يأخذون بطاقة الحماية فيها لكونها ميسرة دون عراقيل؛ ومن ثم يذهبون للعمل في المدن الكبرى كإسطنبول وأنقرة وأزمير وميرسين وغيرها.

لكن بعد تشديد السلطات التركية على تنقل اللاجئين؛ وعدم حصولهم على تصريح عمل؛ ثم صدور قرار بأن كل من يخالف هذه التعليمات يتم ترحيله من تركيا إلى سوريا حيث المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة؛ والقرار موجه هنا أصلاً للسوريين؛ مما دفع هؤلاء اللاجئين للتفكير جدياً بمغادرة تركيا نحو أوروبا مهما كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر التي تصل حتى الموت.

نتابع في الجزء الثاني من هذه الدراسة الاستطلاعية

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.