هزيمة وانقسام.. المحطة الأخيرة لـ “إخوان” المغرب

تغيرت الخريطة السياسية الجديدة في المغرب، بعد الهزيمة المدوية لـ”حزب العدالة والتنمية” الإخواني في الانتخابات الأخيرة، اذ تراجع “العدالة والتنمية” الذي كان يحتل المركز الأول في كل الانتخابات النيابية منذ العام 2011، وسجل سقوطاً مروعا، ليحصل على المركز الثامن بـ 13 مقعداً فقط، بعد أن كان لديه 125 مقعداً.

مصادر مُطلعة كشفت، أن “حالة من الغضب تسود داخل الحزب، بسبب فشل العثماني ومن معه في قيادة الحزب في الانتخابات الأخيرة”، مؤكدة أن “الحركة تستعد للتخلي عن أمينها العام سعد الدين العثماني”.

يشار أن “عزيز أخنوش” تسلم مفاتيح رئاسة الحكومة من سلفه “سعدالدين العثماني” أمس الجمعة، وذلك بعد أداء الوزراء القسم أمام الملك “محمد السادس”، إذ تضم الحكومة 24 وزيرا ووزيرا منتدبا، منهم 18 وزيرا يمثلون الأحزاب السياسية الثلاثة -“الأحرار” و”الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال”- التي تشكل الأغلبية الحكومية، ويبقى الوزراء الآخرون دون انتماء سياسي.

انشقاق ومحسوبيات..

المصادر أكدت أن “العثماني أدخل الحزب في حالة من الانقسام والخلافات الداخلية بلغت حد تقديم العديد من القيادات لاستقالاتها والاتجاه نحو أحزاب أخرى، أو اعتزال العمل السياسي بشكل كامل”، لافتة إلى أنه “يُنتظر أن تتم المصادقة قريباً على النموذج الذي سيُعين به الأمين العام القادم لحزب العدالة والتنمية، خلال المؤتمر الاستثنائي للحزب المتوقع تنظيمه في نهاية أكتوبر/ تشرين الثاني الجاري”.

يذكر أنه بعد إعلان هزيمة العدالة والتنمية قدم سعد الدين العثماني وأعضاء الأمانة العامة للحزب استقالة جماعية من تدبير التنظيم، موكلين إياها للمجلس الوطني، في أفق تنظيم المؤتمر الاستثنائي قريبا.

وتُحمل تيارات داخل الحزب، العثماني مسؤولية الفشل الأخير في الانتخابات، ولا سيما أن عملية الترشيحات للانتخابات عرفت إقصاء عدد من الوجوه الحزبية ذات الشعبية الكبيرة، وتقديم أخرى نظراً لقربها منه أو ولاءها للتيار المحسوب عليه.

كما سجل الحزب خسارة جديدة، بعد أن أظهرت نتائج الاقتراع الخاص بانتخاب أعضاء مجلس المستشارين، الغرفة الثانية بالبرلمان المغربي، التي أعلنت عنها وزارة الداخلية في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يتزعمه رئيس الحكومة المكلف “عزيز أخنوش”، الاقتراع بحصوله على 27 مقعدا، بينما لم يحصل حزب العدالة والتنمية (إخوان) الذي يترأسه رئيس الحكومة المنصرف سعد الدين العثماني، سوى 3 مقاعد في مجلس المستشارين، متقدما على حزب الاتحاد الدستوري الذي حصل على مقعدين.

ومن أشد المُعارضين لسعد الدين العثماني، تيار محسوب على “عبد الإله بنكيران”، الأمين العام السابق، ورئيس الحكومة الأسبق، وهو التيار الذي يقود اللجنة التحضيرية للمؤتمر القادم، في شخص جامع المعتصم، أحد المُقربين من عبد الإله بنكيران، ومدير ديوانه إبان شغله مُهمة رئاسة الحُكومة.

إلى جانب ذلك، تضم اللجنة التحضيرية للمؤتمر، إلى جانب جامع المعتصم صديق عبد الإله ابن كيران، كُلا من عبد العزيز العماري، عبد الحق العربي ونبيل الشيخي، وهما المقربان أيضاً من تيار ابن كيران، والقياديان البارزان في حركة التوحيد والإصلاح الدعوية التي تحاول السيطرة من جديد على شؤون الحزب.

المحطة الأخيرة..

ويرى مُحللون أن الخسارة المدوية لـ “العدالة والتنمية” في نتائج “المستشارين”، دليل على استمرار السياسة العقابية من طرف المغاربة لهذا الحزب الفاشل من حيث الأداء الحكومي لولايتين متتاليتين، طيلة عشر سنوات، وهو أمر طبيعي جداً، خاصة أن انتخابات مجلس المستشارين تُبنى على ضوء انتخابات الغرف المهنية، وانتخابات المجالس المحلية.

الأكاديمي والمحلل السياسي المغربي “محمد بودن” ، لفت إلى أن “الاستحقاقات الأخيرة عرفت تقهقراً لرصيد الحزب النيابي، وبالتالي فمن الطبيعي أن يكون للحزب هذه العدد القليل من المستشارين”، موضحاً أن “المحطة الأخيرة في المسلسل الانتخابي، أكدت على ما بدأت به المحطات الأولى، وهو التصويت ضد العدالة والتنمية، ومنح الثقة في المقابل لحزب التجمع الوطني للأحرار”.

وأعاد الخبير المغربي أن “فشل حزب العدالة والتنمية إلى كون خطابه لم يحمل للمواطنين أية إنجازات بإمكانها إقناع الناخبين بالتصويت لصالح مُرشحيه، ورصيد الحزب طيلة السنوات العشر الماضية، عرف تبخراً تدريجياً إلى أن فقد رصيده الانتخابي وشعبيته التي كان يتباهى بها في وقت سابق”، مشيراً إلى أن “هزيمة الحزب بدأت بهزيمة زعيمه سعد الدين العثماني الذي فشل في الحُصول على مقعد نيابي، وهذا الحدث لوحده كافٍ لإظهار الهزيمة التي لحقت الحزب خلال هذه الاستحقاقات الانتخابية”.

يشار إلى الأمانة العامة لحزب “العدالة والتنمية”، قررت تسريح موظفي مقراته في أنحاء المملكة، بالإضافة لموظفي موقعه الإلكتروني، وعزت مصادر مطلعة عملية التسريح للموظفين إلى “تراجع حاد في مداخيل الحزب، وعدم قدرته على دفع الأجور في الأشهر المقبلة، الأمر الذي يهدد استقراره.

وعن عدد هؤلاء الموظفين وكلفة هذا التسريح المالية كشفت المصدر أن “قدرت كلفة التعويضات لحوالي 160 موظفا في مقرات الحزب وكذا موظفين في الموقع الإلكتروني له بمليار و300 مليون سنتيم، أي ما يزيد عن مليون دولار أمريكي.

شعارات وشراء ذمم..

في المقابل، يعتقد المحللون أن هزيمة حزب “العدالة والتنمية” في المغرب سيكون بالنسبة إلى الإخوان المسلمين حدا فاصلا بين مرحلتين؛ مرحلة الشعارات والحكم، ومرحلة ثانية يتحولون فيها إلى مجموعات هامشية”، مؤكدين أن “الهزيمة لا تعود إلى تعديل القاسم الانتخابي، ولا إلى الحملات التي استهدفت الحزب الحاكم من خصومه، ولا إلى ضعف أدائه السياسي، وإنما هي هزيمة للمشروع السياسي الإسلامي الذي حمل شعارات كبرى مثل الإسلام هو الحل”.

وأكد الخبراء أن “الناخب، الذي تحمس لحكم الاخوان في أكثر من بلد عربي على أمل أن يكونوا مخلصين ويراعوا الله في أعمالهم، وقف على حقيقة أن هؤلاء لا يمتلكون أفكارا ولا بدائل وأن آخر همهم خدمة الناس وتحسين أوضاعهم، وإذا فعلوا شيئا من ذلك فمحركهم هو الاستقطاب وشراء الذمم، ولذلك عاقبهم الناخب المغربي”.

يذكر أن حزب العدالة والتنمية حصل في الانتخابات البرلمانية والمهنية والمحلية، على تصويت عقابي، جزاء على سوء تدبيره للشأن العام في المغرب خلال السنوات العشر الماضية عبر ولايتين متتاليتين، اذ بلغت درجة السخط على الحزب وسياساته، لدرجة رفض حتى أعضائه ومريديه التصويت لصالحه.

واكتسح حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقوده رجل الأعمال عزيز أخنوش، الانتخابات المحلية والجهوية والتشريعية، وحصل حزب التجمع الوطني للأحرار على سبع حقائب وزارية، إضافة إلى رئاسة الحكومة، كما نال حزب الأصالة والمعاصرة عدد الحقائب نفسه، في حين تحصل حزب الاستقلال على أربع حقائب وزارية، أما الوزراء الذين دون انتماء سياسي فعددهم ستة.

إلى جانب ذلك، تضم الحكومة المغربية الجديدة ثلاثة زعماء أحزاب وهو ما يشجعها على النجاح، لكن ذلك سيضاعف الرهانات؛ ذلك أن المغاربة سيختبرون مع الوقت الوعود التي قدمتها الأحزاب الفائزة، اذ ينص دستور المغرب الذي أقر عام 2011، على أن تجري هذه الانتخابات، عن طريق الاقتراع باللائحة، والتمثيل النسبي على أساس قاعدة أكبر ودون استعمال طريقة مزج الأصوات والتصويت التفاضلي.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.