هل تعيد روسيا تجربة “الفيلق الخامس” في شمال شرق سوريا؟

في وقت تواصل فيه إيران ترسيخ نفوذها وتواجدها ضمن المناطق الشمالية الشرقية من سوريا، عبر التغلغل في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري واستقطاب المسلحين الموالين له والمدنيين من أبناء المنطقة، تحاول روسيا تعزيز نفوذها وتحجيم الدور الايراني في تلك المناطق.

التحركات الإيرانية الروسية في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، تأتي في سياق الصراع بين نفوذي كل من موسكو وطهران، في محاولة لاستثمار تراجع الدور الأمريكي لترتيب مناطق النفوذ ومحاولة استعادة السيطرة على على آبار النفط وإضعاف قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

مصادر خاصة لـ”مينا” كشفت قبل أيام أن ميليشيا “فاطميون” الأفغانية الموالية لإيران، جندت أكثر من 300 عنصر من ميليشيات “الدفاع الوطني” المدعومة من روسيا، بالإضافة الى عشرات المدنيين من أبناء محافظة الحسكة في صفوفها، مشيرة الى أن تمدد الميليشيات الإيرانية وصل إلى مدينتي القامشلي والحسكة في شمالي شرقي سوريا، والتي من المفترض أن تكون ضمن النفوذ الجغرافي لروسيا، حيث كلفت الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني، شخص إيراني يدعى “الحاج علي”، بمهمة تجنيد أبناء المنطقة.

وبحسب مصادر “مينا”، فإن الميليشيات الإيرانية تدفع رواتب شهرية تصل إلى نحو 350 ألف ليرة سورية للعنصر الواحد، أي ما يعادل 120 دولار أميركي تقريباً، وهو أضعاف الراتب الذي تمنحه قوات النظام السوري لعناصرها، فيما يجري نقل المجندين الجدد في الميليشيات إلى فوج “طرطب” جنوبي محافظة الحسكة، لتدريبهم.

متابعون للشأن السوري رأوا أنه من الصعب على إيران الانتشار في مناطق كالحسكة والقامشلي من دون موافقة الروس، كون المنطقة تتميز بتركيبة سكانية مختلفة عن باقي المناطق السورية، إذ تضم قوميات من العرب والأكراد والسريان بالإضافة الى الأرمن والآشوريين والشركس، وتخضع نسبة كبيرة منها لقوات النظام وروسيا، مشيرين إلى أن طهران كانت حاولت أواخر عام 2019 تجنيد عدد من أبناء العشائر من ريف الحسكة، إلا أن محاولتها تلك باءت بالفشل.

تراجع الدور الأميركي وحالة الضبابية التي تكتنف سياسة البيت الأبيض الجديد تجاه سوريا، هي، بحسب المتابعين، من أتاحت لإيران التغلغل في القامشلي والحسكة، بدعم روسي لكسب أبناء أرياف الحسكة من أكراد وعرب لصالحها وإبعادهم عن مساندة قوات “قسد” ذات الغالبية الكردية، موضحين أن روسيا تريد تحقيق أكبر قدر من الاستفادة في منطقة تحلم في تثبيت نقاط سيطرتها فيها وخاصة عند منابع النفط التي تحرمها منها قسد والقوات الأميركية.

مصادر مطلعة على النطورات الميدانية رفضت اعتبار التحركات الأخيرة في ريف الحسكة صراعا روسيا ايرانيا، إنما تحالف لكسب الغياب الأمريكي وإضعاف حليف واشنطن “قسد” خاصة بعد التوتر الذي شهدته المحافظة خلال الشهر الماضي، حتى لو كان على حساب أي من القوى العاملة على الأرض، مؤكدة أن الميليشيات الإيرانية تنشط بشكل أكبر في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام والروس.

وكانت مدينة القامشلي شهدت خلال الفترة الماضية، توترات بين النظام السوري و”قسد”، حيث عمدت الأخيرة إلى محاصرة مناطق سيطرة النظام، انتهت بوساطة روسية، أدت في نهاية المطاف إلى استئناف المفاوضات بين “قسد” والنظام السوري.

صراع نفوذ والروس هم المستفيدون

في تحرك فسره محللون أنه محاولة روسية لتثبيت نفوذها في مدينة القامشلي شمالي الحسكة، ومواجهة التمدد الإيراني في المحافظة، بدأت القوات الروسية بتشكيل فصيل عسكري جديد يعتمد على العناصر المحلية وأبناء المنطقة، وذلك بعد أيام من مساع ميليشيات “فاطميون” المدعومة من إيران، لتجنيد أبناء المنطقة في صفوف الميليشيات، من خلال منحهم رواتب أضعاف الراتب التي تمنحه قوات النظام لعناصرها.

وكشفت مصادر محلية في مدينة القامشلي، أن القوات الروسية فتحت الباب أمام الشباب في مناطق سيطرة النظام في المدينة، للانتساب إلى مليشيا “مهام الدفاع”، براتب شهري قدره 300 دولار أمريكي للشخص الواحد.

كما أكدت المصادر أن عشرات الشباب من العرب والكرد والسريان، انضموا للتشكيل الجديد، مشيرة الى أن الهدف من ذلك، تقوية نفوذ روسيا ومواجهة تمدد الميليشيات الموالية لإيران في محافظة الحسكة.

بالمقابل، تلفت مصادر أخرى إلى أن أن عملية التجنيد التي قامت بها ميليشيات “فاطميون” في الحسكة، لاقت استياء الجانب الروسي بعد مزاحمة إيران لهم في القامشلي والحسكة، مشيرة إلى أن القوات الروسية عقدت عدة اجتماعات مع أهالي الحسكة وممثلين عن قبائل المحافظة، وطالبتهم بتسهيل مهمة التشكيل العسكري الجديد، الذي سيكون رديفا لـ”الفيلق الخامس” الذي شكلته موسكو في الجنوب السوري، واقناع الشباب بعدم الالتحاق بالميليشيات الإيرانية.

وتؤكد المصادر أن روسيا عينت عضو في مجلس الشعب قائدا للدفاع الوطني في محافظة الحسكة، بعد التراجع الكبير بأعداد المتواجدين في صفوفه، حيث كان يبلغ تعداد عناصر الدفاع الوطني في القامشلي والحسكة على الورق نحو 800 عنصر، لم يبقَ منهم إلا 300.

وحول إمكانية نجاح المشروع الروسي في الحسكة، تؤكد “أن روسيا تمكنت سابقا من إقامة علاقة جيدة مع المجتمع المحلي، واستطاعت تجنيد أكثر من ألف مقاتل من أبناء العشائر، خاصة قبيلة طي، وأرسلتهم إلى ليبيا من خلال شركة “فاغنر”، كما أنها أزاحت بعض الوجهاء المرتبطين بإيران لصالح شخصيات مقربة منها، معتبرة أن “هذه مؤشرات على إمكانية النجاح بالفعل، فروسيا تستفيد من عوامل النفور من إيران شعبياً.

يشار الى أن روسيا دفعت في أواخر الشهر الماضي بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مدينة القامشلي، كما أمرت ميليشيا “حزب الله” بمغادرة مركز تدريبي تستخدمه داخل المطار خلال الأسبوع الماضي.

وكان نحو مئتي مقاتل تابعين للحزب اللبناني، قادمين من مناطق مختلفة، قد تمركزوا داخل المطار مطلع شباط/فبراير، بالتزامن مع التوتر الذي نشب بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات النظام شمال شرقي البلاد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©