الملخص التنفيذي:

إنّ الحديث عن نظام عالمي جديد يكسر هيمنة القطبية الأميركية؛ وعالم القطب الواحد نحو تعددية قطبية؛ ليس أمراً جديداً، ولطالما طالبت بها روسيا والصين وبعض دول الجنوب، بل هو مطروح على نطاق البحث منذ بدأت روسيا تستعيد قوتها وحضورها كدولة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، كما أن الصين لم تخف يوماً رغبتها هذه، بل نراها حاضرة على الدوام، سواء في التصريحات الصينية اليومية أو الرؤية الاستراتيجية للصين.

كما أنّ الحديث عن نظام عالمي جديد ليس وليد الحرب الروسية ضد أوكرانيا، بل هو قائم منذ تشكل هذا النظام أساساً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وليس حديث اليوم إلا استمرار لحديث سابق من داخل البيت الغربي نفسه، وهو ما سمح لهذا النقاش اليوم بأن يطفو عالمياً.

ولعل تأسيس المنظمات والتكتلات الإقليمية (بريكس، شنغهاي إلخ…) التي كانت روسيا والصين فاعلاً أساسياً فيها، ليست إلا دليلاً في هذا الاتجاه، كما أن دول الجنوب، وبغض النظر في أي معسكر ستتواجد، فإنها تضمر رغبة داخلية دائمة ومستمرة في ضرورة إصلاح النظام الدولي؛ أو تغييره نحو الأفضل، نظراً لإحساسها بوطأة هذا العالم عليها؛ وعدم أخذه لمصالحها بعين الاعتبار.

نناقش هذا الموضوع من خلال المحاور التالية:

  • المــــدخـــل
  • تكتلات إقليمية ودولية فاشلة
  • هل ستفرض الحرب الروسية/ الأوكرانية نظاماً عالمياً جديداً؟
  • محاولات لكسر الأحادية الأمريكية
  • من شروط ولادة النظام العالمي الجديد
  • الأمن الأوروبي في ظل حرب المصالح
  • هل تتعلم أوروبا من درس الحرب الروسية/الأوكرانية؟
  • ما معوقات تشكيل نظام عالمي جديد؟
  • أولاً، عدم عولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان
  • ثانياً: نظام الأمم المتحدة معوق في ولادة نظام عالمي جديد!
  • ثالثاً: العنصرية الغربية معوق لولادة نظام عالمي جديد!
  • رابعاً: المركزية الغربية من المعوقات
  • الخلاصة والنتيجة

المــــدخـــل:

على ضفاف الحرب الروسية ضد أوكرانيا، تشكلت مجموعة من المسائل، أو بشكل أدق، يمكن القول أنّ الحرب سمحت لها بالظهور والتجلي للعين المجرّدة بعد أن كانت مختبئة تحت كم كبير من الخطابات الدبلوماسية طيلة العقود الماضية، أو ربما، وباعتبار أنّ “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. جاءت هذه الحرب لتأخذ تلك المسائل نحو مدى جديد بعد أن عجزت السياسة عن إيجاد حلول لها، نتيجة للتناقضات الكبرى بين طبيعة مصالح الأطراف المتصارعة حولها.

ولكن ليست كل هذه المسائل ذات علاقة بحركية السياسة اليومية؛ كما اعتدنا عليها أو صراع المصالح الدولية المعتاد، بل إنّ بعضها يعود إلى مستوى أعمق بكثير، ربما إلى كون التناقضات العميقة على مستوى العالم/ الكوكب الأرضي، قد وصلت حداً، لم يعد بالإمكان احتماله، وبالتالي جاءت الحرب كأحد التعبيرات الدالة والمؤشرة عليه، وبعض هذه المسائل لم يكن لينتظر الحرب الروسية ضد أوكرانيا للإشارة إليها، ووضعها تحت مجهر العين المجرّدة بمثل هذا الوضوح، بل هي مشار ومؤّشر إليها منذ مدة، ولكن طبيعة الخطاب العالمي المسيطر؛ لم تسمح لها بالبروز كخطاب عالمي، في حين سمحت لها هذه الحرب لأنها تحصل داخل المركزية الأوربية المتحكمة بالخطابات السائدة عالمياً، وحين انكسر هذا الخطاب الأوروبي/ الغربي بفعل الحرب الروسية، سمح للخطابات الأخرى، ورغماً عن الخطاب المسيطر، بالبروز كخطاب عالمي، طالما أنكره الغرب، أو رواغ بشأنه لأنه لا يتناسب مع مصالحه، ومن هذه المسائل مسألة ولادة النظام العالمي الجديد. ([1])

تكتلات إقليمية ودولية فاشلة

إن الحديث عن نظام عالمي جديد يكسر هيمنة القطبية الأميركية وعالم القطب الواحد نحو تعددية قطبية طالما طالبت بها روسيا والصين وبعض دول الجنوب، ليس أمراً جديداً، بل هو مطروح على نطاق البحث منذ بدأت روسيا تستعيد قوتها وحضورها كدولة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، كما أن الصين لم تخف يوماً رغبتها هذه، بل نراها حاضرة على الدوام، سواء في التصريحات الصينية اليومية أو الرؤية الاستراتيجية للصين. ([2])

ولعل تأسيس المنظمات والتكتلات الإقليمية (بريكس، شنغهاي إلخ…) التي كانت روسيا والصين فاعلاً أساسياً فيها، ليست إلا دليلاً في هذا الاتجاه. كما أن دول الجنوب، وبغض النظر عن أي معسكر تتواجد، فإنها تضمر رغبة داخلية دائمة ومستمرة في ضرورة إصلاح النظام الدولي؛ أو تغييره نحو الأفضل، نظراً لإحساسها بوطأة هذا العالم عليها وعدم أخذه لمصالحها بعين الاعتبار.

على التوازي مع ما سبق، يمكن أن نلاحظ أيضاً، أن عالم القطبية الغربي، وتحديداً الأميركي، وخصوصاً في العقد الأخير من هذا القرن، لم يعد بنفس القوة التي كانت له بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث تحولت حربي العراق وأفغانستان إلى دليل على ضعفه وتراجعه، بعدما كانتا دليلاً على قوته، من حيث الذهاب إلى شن الحرب على العراق على الأقل من خارج الشرعية الدولية؛ دون أن يتمكن أحد من ردعها عالمياً ورغم بطلان وعدم مصداقية الحجج المبرّرة لهذا الغزو، هذا الضعف بدأ يعبر عن نفسه، سواء من خلال تجرؤ بعض الدول الإقليمية في الخروج عن بيت الطاعة الغربية، أو مناكفة هذه الهيمنة بشكل مباشر، كما حدث في جورجيا وضم شبه جزيرة القرم؛ والتدخل الروسي وإعلاء الصين لصوتها بشأن مسألة تايوان وبحر الصين الجنوبي. ([3])

هل ستفرض الحرب الروسية/ الأوكرانية نظاماً عالمياً جديداً؟

إن الحديث عن نظام عالمي جديد ليس وليد الحرب الروسية ضد أوكرانيا، بل هو قائم منذ تشكل هذا النظام أساساً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وليس حديث اليوم إلا استمرار لحديث سابق، مع فرق أن الممانعات والمقاومات للنظام الأحادي القطبية؛ أصبحت اليوم داخل البيت الغربي نفسه، وهو ما سمح لهذا النقاش بأن يطفو عالمياً اليوم، حيث جاء رد الفعل الروسي مفاجئاً للجميع، وهنا تكمن قوته الأولى، وفي دخوله أبعد مما كان متوقعاً له وهنا قوته الثانية، وفي خوضه الحرب داخل أوروبا نفسها وهنا قوته الثالثة، كاسراً بذلك أحد أبرز المحرمات في النظام الدولي الذي كان سائداً طيلة العقود السابقة، ونعني بذلك الغزو المباشر لدولة أخرى، خاصة حين اتجهت قواته نحو العاصمة كييف، فكان أن أخطأ خطأه الكبير في هذه الحرب، خاصة إذا علمنا أن آخر احتلال من هذا النوع شهده العالم كان الاحتلال العراقي للكويت والنتيجة كانت معروفة، فكان أن خسر بوتين مسبقاً ما كان يمكن أن يربحه بالحرب، لعدم إدراكه أن طبيعة النظام الدولي تغيرت، باتجاه معاكس تماماً للاتجاه الذي ذهب به، فإذا كان العالم تسامح أو يتسامح جزئياً أو يغض النظر عن الحروب الموضعية، فلم يعد كذلك مع الحروب الكلية، وهذا ما تدل عليه نتيجة التصويت في الأمم المتحدة، إذ لم تجد روسيا من يؤيد حربها تلك، باستثناء بعض الدول، الأمر الذي يشير إلى مدى عزلة روسيا ومدى تغيّر العالم، وهذا ما يوصلنا إلى المعضلة الروسية والصينية اليوم في الحديث عن نظام عالمي جديد يسعون إليه. ([4])

محاولات لكسر الأحادية الأمريكية

لا شك أن المساعي الروسية والصينية لإيجاد نظام عالمي جديد وعادل، يكسر الأحادية الأميركية/ الغربية هو مطلب حق وتؤيده العديد من دول وشعوب العالم، ولا شك أن الأسباب الجيوسياسية التي ترفعها روسيا والصين وغيرهما من الدول، فيما يتعلق بأمنهما القومي ومنع تمدّد الناتو محقة كلياً.

لكن المشكلة تكمن في خوضهما هذا الصراع بغير أدوات العالم الحديث من جهة، وبأفكار العالم القديم من جهة ثانية، والأول هو نتاج للثاني بطبيعة الحال. كيف ذلك؟

إن لكل عصر مجموعة من الأفكار والقيم التي تشكل ما يمكن تسميته القيم المتعارف عليها عالمياً، والتي تأتي في سلّم التطور البشري الحضاري لتقطع مع قيم وأفكار سادت في فترة ماضية، ولم تعد تصلح لعالم اليوم، فكما أن النظام الإقطاعي أو العبودي لم يعد ممكناً الدفاع عنه بفعل التطور الحضاري للبشر، فإنه لم يعد من الممكن اليوم الدفاع عن النظم الاستبدادية أو المعادية للديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات، فهذه أضحت بمثابة مطلباً عالمياً، ولم تعد محصورة بثقافة الغرب وحده، وستبقى كذلك طالما أن البشرية لم تنجز بعد ما هو أفضل منها. ([5])

بالتالي فإن الطريق الروسي والصيني نحو نظام عالمي جديد هو طريق يسير نحو الأسوأ، إذ ليس لدى أي من البلدين ومن يقف معهما؛ ما يقدمه للعالم في هذا المجال، فالنظام العالمي الجديد لا يولد للرغبة في ولادته فحسب، ولا يولد لأنك تملك القوة العسكرية وحدها.

من شروط ولادة النظام العالمي الجديد

من شروط ولادة نظام عالمي جديد أنه يحتاج إلى إيديولوجية جديدة؛ وأفكار جديدة قادرة على إقناع العالم بأن القادم أفضل من الماضي، وهكذا عندما كان الاتحاد السوفياتي قائماً كان قادراً على إقناع العديد من دول العالم، وخاصة دول الجنوب، بأن تكون في معسكره، ليس لقوته العسكرية فحسب، بل لأن أيديولوجيته وأفكاره كانت قادرة على إقناع البشر بتحقيق اليوتوبيا الاشتراكية على الأرض، قبل أن تنكشف حدود هذا النموذج، ويتحول إلى مسخ توليتاري! يسعى بوتين لإحيائه من جديد، غير مدرك أن الموتى لا يعودون إلى سجلات الحياة مهما نفخنا فيهم الروح. ([6])

وهنا يكمن إفلاس الأيديولوجية الصينية والروسية والإيرانية في عجزهما عن فهم تحولات العصر، فكل شعوب العالم تطمح اليوم للوصول إلى النظام الديمقراطي، ليس حباً به، بقدر ما أنها مقتنعة أن هذا النظام هو من يضمن حقوقها في الرفاه والعمل والتأمين الصحي والتعليم الجيد، رغم إدراكهم لكل مساوئه من الجهة الأخرى، وسيبقى هذا المطلب قائماً طالماً أنّ النموذج الليبرالي قادر على تقديم هذا الوعد، وسيكف عن ذلك عندما تأتي إيديولوجية جديدة قادرة على تقديم بديل أفضل أو مقنع على الأقل للناس، بأنه طريق نحو الأفضل، وهو ما لا يتوّفر اليوم لكل الممانعين والمقاومين للنظام الدولي الجديد. ([7])

ولهذا تبقى إيديولوجية النظام العالمي القائم هي محط أنظار كافة شعوب الأرض، فدول مثل مولدافيا وأوكرانيا وتركيا وجورجيا لا تسعى لأن تكون عضواً في الناتو والاتحاد الأوربي لمحبتها في ذلك، ففي عالم السياسة لا مكان للحب، ولكن لأنها مقتنعة بأن انضمامها هذا سيوفر لها التنمية وفرص العمل والديمقراطية وحقوق الإنسان، أي عالم أفضل من العالم الذي هي فيه، والذي يتمثل في عالم اليوم بدول الاتحاد الأوروبي، الذي يشكل الأنموذج الحي لأفضل ما توصلت له الحضارة البشرية؛ فيما يتعلق في الترجمة العملية لحقوق الإنسان والحريات (على الأقل لسكانه وفي سياسته الداخلية)، الأمر الذي يجعلنا نتوقع أنه إن كان ثمة ولادة لنظام عالمي جديد، فستكون من هذا الباب؛ وهو ما بدأت تظهر بوادره دون أن يعني ذلك قدرته على النجاح في المدى المنظور.

الأمن الأوروبي في ظل حرب المصالح

خلف معسكر الاتحاد الغربي بوجه روسيا والصين اليوم نرى بوضوح بروز تمايز بين الموقفين؛ موقف الإتحاد الأوروبي من جهة؛ والموقف الأميركي البريطاني من جهة ثانية، حيث يسعى الأوربيون (وخاصة فرنسا وألمانيا) نحو التهدئة في حين تسعى أميركا وبريطانيا نحو التصعيد، لتحويل أوكرانيا إلى مستنقع دائم للقوات الروسية، وذلك على حساب الأمن الأوروبي، وهي سياسة أميركية تكرّرت أكثر من مرة، ولعل الانسحاب الأحادي من أفغانستان أحدث دليل على ذلك، ناهيك عن سعيها مع بريطانيا وأستراليا لتشكيل تحالف جديد لمواجهة الصين؛ وهو ما أدى إلى اندلاع أزمة الغواصات مع فرنسا قبل أن تعمل أميركا على إصلاح الأمر.

لكن أن الأمر يشير بوضوح إلى وجود ميكافيلية أميركية تتضاد في كثير من معالمها مع المشروع الأوروبي الوليد والساعي لاحتلال مكانة له تحت الشمس، والذي يشكل الأنموذج الذي يمكن يكون قبلة للعالم؛ وأحد أقطاب النظام العالمي الجديد، إن لم يكن هو النظام العالمي الجديد.

هل تتعلم أوروبا من درس الحرب الروسية/الأوكرانية؟

مما سبق، فإن اندلاع هذه الحرب داخل أوروبا أو على مقربة من حدودها، قد تكون مفيدة؛ إنْ أحسن الاتحاد الأوروبي استثمارها، عبر العمل على احتواء السريع للحرب من جهة، والسعي لوضع خطة مارشال حديثة لبناء أوكرانيا من جهة ثانية، والتفكير بأسس اقتصادية جديدة تسمح لهم، لا بالتحرر من الطاقة الروسية فحسب، بل من ألا يكونوا أسرى لأي جهة، وفي أي مجال اقتصادي آخر، عبر تنويع المصادر الاقتصادية وتسريع الاعتماد على الطاقة البديلة الموضوعة على جدول الأعمال منذ مدة من جهة أخرى!

والأهم السعي لامتلاك قوة عسكرية أوروبية خاصة ومستقلة عن حلف الناتو، وهذا ما بدأ الأوروبيون العمل عليه، فإن نجح الأوروبيون في بناء قوة عسكرية خاصة بهم؛ ومستقلة عن الاعتماد على أميركا تحديداً، فسيكون ذلك إيذاناً بولادة نظام عالمي جديد، قادر على استقطاب الآخرين إليه، نظراً لما يحمله المشروع الأوروبي في أذهان الناس من كونه أنموذجاً يحتذى، ونظراً لأن حلف الناتو يشكل أحد مفرزات الحرب الباردة، والتي كان يجب أن تنتهي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولكنها استمرت كقبضة عسكرية قوية في وجه العالم كله. ([8])

ما معوقات تشكيل نظام عالمي جديد؟

لا يعني ما سبق، أن النظام العالمي القادم قيد التحقق بسرعة، أو يمكن أن لا يتحقق أيضاً، لأن للتاريخ مساراته المعقدة، ولأن أمامه عقبات كثيرة تتمثل في قوة الممانعات المضادة للأنموذج الديمقراطي؛ والتي تتجلى في الصين روسيا والعديد من الدكتاتوريات في دول الجنوب التي تتحرك بوحي من الحفاظ على عروشها فحسب، والتي ستعمل على منع الأنموذج الليبرالي الديمقراطي من التمدّد خارج حدود القارة الأوروبية، بل ستعمل على حصار والحرب على هذا الأنموذج، فالحرب الروسية في أوكرانيا، هي في جزء منها حرب ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يخشى بوتين أن تتمدّد من أوكرانيا إلى بلاده، وكذلك تفعل الصين. ([9])

ليست العوائق الاستبدادية هي العوائق الوحيدة في وجه النظام العالمي الجديد، بل ثمة ممانعات من داخل الحقل الأوروبي نفسه، والتي يجب أن يعمل العقل الأوروبي على تجاوزها بعد أن أصبحت واضحة للعين المجرّدة (وهي من المسائل التي تحدثنا في البداية أعلاه من أن الحرب قد كشفتها)، ومنها:

أولاً: عدم عولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان:

تعاملت أوروبا طيلة العقود الأخيرة بأنها واحة مسوّرة للديمقراطية وحقوق الإنسان في خطاب ازدواجي يقدس حقوق الإنسان في الداخل الأوروبي؛ ويتساهل أو يتغاضى؛ بل حتى يتعامى عن انتهاكها خارج حدوده، وأحياناً يشارك فيها! وهذا في جزء منه ناجم عن هيمنة عقلية المركزية الأوروبية على العقل الغربي.

وعلى هذه الرؤية الازدواجية أن تتوقف اليوم، ويجب على الاتحاد الأوروبي العمل على عولمة الديمقراطية والمساعدة على تمددها في كافة أنحاء المعمورة، لأن التقوقع داخل جزيرة مسوّرة يهدد الديمقراطية بدلاً من حمايتها، ويشجع الآخرين على التقدم نحوها كما فعلت جيوش بوتين، وجحافل اللاجئين إليها مؤخراً، وعليه فإن أسهل طريقة للدفاع هي الهجوم، ونعني بالهجوم هنا الحرب على جبهة دعم الديمقراطيات الناشئة في دول الجنوب، وتقييد التعامل مع الدكتاتوريات لدفعها نحو التحول إلى الديمقراطية عبر استراتيجيات واضحة.

ثانياً: نظام الأمم المتحدة معوق في ولادة نظام عالمي جديد!

من الواجب العمل على تبني استراتيجية واضحة لإصلاح نظام الأمم المتحدة؛ الذي يقر الجميع اليوم بعجزه عن أن يكون إطاراً صالحاً لحل المشاكل الدولية، فامتلاك الدول الخمس الدائمة العضوية حق النقض الفيتو؛ هو في جوهره ضرب لمبدأ الديمقراطية العالمية الذي يجب أن يسود، وعليه يجب البحث عن نظام جديد للأمم المتحدة يُشْعر الدول الصغيرة؛ وأيضاً الأمم الكبيرة التي خرجت من مسرح الفعل الدولي بالأمان والتمثيل والقدرة على حماية مصالحها من داخل نظام الأمم المتحدة.

ثالثاً: العنصرية الغربية معوق لولادة نظام عالمي جديد!

لم يعد من الممكن غض النظر عن العنصرية التي كشفت عن نفسها خلال الحرب الروسية ضد أوكرانيا، فما جرى من تمييز على حدود أوروبا بين الأوكرانيين وغيرهم من باقي سكان الأرض، وأيضاً إن مقارنة كيفية التعامل مع اللاجئين الأوكران قياساً بغيرهم من اللاجئين، ليس إلا تجلياً للمركزية الأوربية التي تظهر أن العقل الأوروبي ينظر لنفسه كمحور للكون، وهذا ما يجب نقده والعمل عليه، لأنه ينسف مسألتي الديمقراطية الأوربية وحقوق الإنسان في العمق، ويسمح للتوتاليتاريات باستغلال المسألة لحشد شعوب الكرة الأرضية باتجاه مغاير؛ لما يجب أن تسير عليه عربة العالم الجديد.

وقد رأينا كيف ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بمفردات من نوع “الغرب المنافق” و”العنصرية الغربية” و”عنصرية الإنسان الأبيض”، وعلى العقل الغربي مراجعة كل ذلك، والاعتراف به؛ كي يتسنى له الخروج من براثن العنصرية التي قد تودي بالمشروع الأوروبي كله حال تمددت في الجسد الأوربي، خاصة إذا تزامنت مع صعود اليمين العنصري ونجاحه في الانتخابات، وقد رأينا مدى انتعاش هذا اليمين في فرنسا مؤخراً، ممثلا بإريك زمور (ترامب الفرنسي).

رابعاً: المركزية الغربية من المعوقات

الواحة الديمقراطية الغربية تزامنت مع مستوى اقتصادي ممتاز قياساً بكافة بقاع الأرض، وهو رفاه قائم في جزء منه على الاتفاقيات الاقتصادية المجحفة القائمة مع دول الجنوب، وهي في جزء منها صدى للمركزية الغربية التي تركز على ذاتها بعيداً عن الاهتمام بباقي الكوكب.

وهنا يتوجب الانتباه إلى أنّ أي نظام عالمي جديد، حتى يولد ويستقر يتوجب عليه أن يأخذ بمصالح كافة سكان الكرة الأرضية بالأمن الغذائي والتعليم والصحة، فهذه مسائل تشكل الوجه الثاني، اللازم والضروري للديمقراطية، ودونها لا يكون ثمّة ديمقراطية أبداً؛ ولا ولادة لنظام عالمي جديد.

الخلاصة

لقد فشلت التكتلات الإقليمية والدولية التي دعمتها الصين وروسيا في ولادة نظام عالمي جديد؛ وبذلك فشلت المحاولات كلها في كسر الأحادية الأمريكية؛ ولكن يبدو أنّ للحرب الروسية الأوكرانية رأياً آخر.

رغم أن شروط ولادة النظام الجديد ما زالت غير ناضجة، ولكن مصلحة الإتحاد الأوروبي قد تدفع لتهيئة المناخ المطلوب لتلك الولادة؛ بعد أن أدركت الخبث البريطاني والأمريكي في الحرب على أوكرانيا؛ الذي يعمل على توريط الروس في حرب طويلة الأمد؛ كي ينهك “بوتين”؛ دون أن يعبئ هذا الخبث بما يحصل للاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن المواطن الأوروبي بدأ يتأثر بوضوح في رفاهيته من تلك الحرب، فهل ستعجل هذه الأمور بولادة النظام الجديد؟ أم ستبقى الكلمة الأخيرة للعم سام؟

أما النتيجة

إذا كان النظام العالمي القائم يتفكك، فبأي اتجاه يسير بناء النظام العالمي الجديد؟ وهل ثمّة نظام عالمي جديد حقاً؟ الأمر الذي يعني أننا نعيش تحولات كثيرة على أكثر من صعيد، وبما يعني أن الأزمة الأوكرانية بمثابة نقطة تحوّل كبرى في مسار العالم، نقطة ستفضي إلى تحولات كثيرة، وهي كما يبدو لنا تحولات عميقة ومتداخلة في آن معاً، منها ما هو على الصعيد السياسي؛ ويتمثل في العلاقات القائمة بين الدول الكبرى والأحلاف القائمة (حلف الناتو، الاتحاد الأوروبي، الحلف الروسي الصيني، سواء بين الدول داخل كل حلف (العلاقات التركية الروسية، العلاقات الروسية الألمانية، موقع تركيا داخل حلف الناتو). أو بين الأحلاف نفسها، ومنها ما هو على صعيد الثقافات والبنى الإيديولوجية المهيمنة على العالم، ما زال كل شيء غامض في هذا المسار! بانتظار أن تضع الحرب الروسية الأوكرانية أوزارها.

المراجع

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.