هل يتخلص الضباط العلويون من رأس النظام؟

تقدير موقف

تتردد هذه الأيام أخبار متواترة عن عقد اجتماعات ولقاءات في مصياف ومناطق من الغاب لعدد من الضباط والوجهاء والفاعليات من العلويين بغرض البحث عن مخرج للأزمة الداخلية، وإيجاد بديل لرأس النظام بشار الأسد، ويقال إن هذه اللقاءات تجري بضوء روسي أخضر تعبيراً عن موقف داخلي للقيادة الروسية للتحلّص من عبء بات ثقيلاً عليها.

تمهيد

بغض النظر عن صحة الخبر ومدلولاته، وعن حقيقة الموقف الروسي من النظام ورأسه، ومدى حجم الرغبوية فيه، فالأكيد أن شدّة أزمة النظام بعد ثماني سنوات من الرهان على الحل الأمني والعسكري وتفاقم الوضع الاقتصادي، وفقدان السيادة الوطنية خضوعاً لكل من الهيمنة الروسية، والوجود الإيراني، وما يسببه هذا الواقع من وجود خلافات داخل النظام على العلاقة بكلّ منهما، والتباينات والارتباطات والمصالح. وانسداد المخرج السياسي الذي يؤمن وضعاً مقبولاً وآمناً للطائفة يقيها من احتمالات خطرة مقبلة.

هذه الوقائع المتفاعلة من سنوات التي تثقلها تلك الخسائر البشرية من شباب الطائفة التي تبلغ عشرات آلاف الضحايا التي قدّمت حماية للنظام وآل الأسد (تتحدّث الأرقام عن أكثر من 160 ألف)، ومشاعر الخوف من آت في مجتمع نسبة السنة فيه تصل إلى نحو 80%  من عدد السكان، بواقع توضعات طائفية خطرة، واستقدام مليشيات خارجية من الشيعة، وتصعيد ممنهج للمذهبية، جميعها عوامل تدعو إلى التفكير بحلّ يخلّص الطائفة من أسباب الوصول إلى هذه الحالة التي تتلخص ببشار الأسد وعائلته.

معلومات كثيرة، حقيقية، تؤكد أن نسبة المعارضين للنظام داخل الطائفة كبيرة وفي تزايد، وأن الوسط العام فيها يعيش حالة قلق وشعور بالورطة التي زجّ فيها آل الأسد الطائفة بعمومها في أتون محرقة لا ناقة ولا جمل لمعظمهم فيها، وعلى الرغم من أبواق التعبئة عن النصر وإعادة السلطة إلى معظم أنحاء سوريا، إلا أن الحقيقة الأكيدة تنبئ بأن ذلك لم يُعد الطمأنينة ولم يحدّ من الخوف، أو من التفكير بحل غير فئوي يحافظ على عودة الطائفة إلى حضن الوطن، وتوفير عوامل قبولها من الأكثرية بالتخلّص من الطغمة الحاكمة، وبخاصة إذا ما توافرت بيئة تشجّع على فعل شيء مهم بهذا الصدد.

وقفة مع محطات تاريخية

الحديث طويل وشائك عن تطور الحالة المذهبية السياسية واستخدامها سنداً، وذراعا للحكم، وهو يخرج عن سياق هذه الدراسة، لكن المعروف أن توظيف الطائفة في السياسة لم يكن واضحاً، أو مطروحاً عند نشوء البعث وانخراط أعداد كبيرة من العلويين فيه وجدوا في المبادئ مخرجاً شبه جمعي لحالة الأقلوية، ولممارسة دور وطني وقومي وسط حالة نهوض تحرري، قومي عام يعمل على بلورة مشروع وحدوي، حداثي لأمة جزّأها الاستعمار، واغتصب أجزاء منها وسلّمها للغير، وبخاصة اغتصاب فلسطين، فاندفعت أعداد كبيرة من الوسط العلوي باتجاه العمل السياسي، والانخراط في صفوف الجيش برتبه الدنيا والوسطى، وقليل منهم تخرّج من الكلية العسكرية، وتطورت هذه النسبة بعد نكبة فلسطين التي دفعت إلى زيادة عدد الجيش، ما ساهم في دخول أعداد كبيرة من أبناء الطائفة إليه عبر الكلية العسكرية وباتوا نسبة كبيرة تعاطى كثيرهم العمل السياسي وفق ظاهرة انتشرت كثيراً في سوريا: التدخل في السياسة التي لاقت تشجيعاً من الأحزاب السياسية التي استندت إليها، وفرضت عبرها بعض شروطها، وحتى وجودها في البرلمان، وفي العمل السياسي.

على امتداد تلك المرحلة الزمنية القصيرة التي حُشدت بسلسلة الانقلابات العسكرية، والعودة إلى النظام الديمقراطي، ظاهرة غرائبية وسمت سوريا، لم يكن التوظيف السياسي للظاهرة الطائفية بارزاً عموماً، ولدى أبناء الطائفة العلوية خصوصاً، وتغلب العام على هذا الخاص، أو لنقل إن قوة العام (القضايا السياسية والوطنية والقومية) كان مهيّمناً، وأعمّ وبقدرة احتواء الظواهر الأخرى كافة أو نتغليفها، تلك التي بدت أنها دونه أو ماضوية.

حين شُكلت اللجنة العسكرية الثانية في القاهرة من خمسة، فثمانية من الضباط الذين أبعدهم عبد الناصر من سوريا خوفاً من تكتل البعثيين، وكان منهم ثلاثة من الطائفة العلوية، لم يخطر في بال كثيرين أي بعد طائفي لأن تلك الحالة المرضية لم تكن ظاهرة أو قوية، وقد تعامل البعثيون وغيرهم معها على أساس سياسي وعسكري، وبوصفها جزءاً من حالة بعثية أسبغت الشرعية عليها من القيادة القومية التي كانت بمسيس الحاجة إلى ظهير وسند يعيد إليها بعض القوة التي فقدتها بعد الموافقة على حلّ الحزب، والخلافات الكبيرة بين رموزها الأساس، ثم الخلاف على الموقف من الانفصال، وخروج الأستاذ أكرم الحوراني، أو العودة إلى تنظيمه السابق قبل الاندماج مع البعث العربي، ومحاولات تلك القيادة إنشاء التنظيم في سوريا وسط وجود تنظيم قطري استقطب جلّ البعثيين الذين لم يلتحقوا بالتنظيمات الناصرية التي كان ضدّها، ووسط ضمور وجود البعث في المدن -وبخاصة الكبيرة منها- الذي كان بالأصل ضعيفاً فيها بسبب التحاق أعداد مهمة بالناصرية.

مع التسريحات الكبيرة التي جرت بعد انقلاب الثامن من آذار/ مارس، لما يعرف بضباط الانفصال، وبمشاركة من ذلك التحالف الذي ساهم في قيام حركة 8 آذار/ مارس (بعثيين وناصريين ومستقلين) لم تظهر إلى السطح حالة طائفية مبلورة، على الرغم من أن جميع المسرّحين من السنة. لكن ابتداء من حركة 18 تموز/ يوليو 1963 التي حاول فيها الناصريون الانقلاب، وتلك التصفيات التي حدثت ميدانياً، أو بتسريح أعداد كبيرة من الضباط أخذ الهمس ينتشر في الشارع السوري عمّا يعرف بحكومة عدس التي تلخص سيطرة العلويين والدروز والإسماعيليين على السلطة، وإن كانت النسب والفاعلية متفاوتة.

مع ذلك لم تنتشر تلك الظاهرة في داخل صفوف البعث انتشاراً ملحوظاً، لكن بعد الخلاف الداخلي بين ما يعرف باليمين واليسار، ونهاية الصراع بحسم عسكري قادته القيادة القطرية المستندة إلى قوتها العسكرية، وما أعقبه من تسريحات لمجموعة كبيرة من الضباط حُسبت على اليمين، أو على أمين الحافظ رئيس الدولة وكانت في أغلبها من غير العلويين، أخذت الوشوشات عن الظاهرة الطائفية تجد طريقها ليس فقط إلى الوسط الحزبي العادي، بل إلى مواقع القيادة، وقد كانت هزيمة حزيران/ يونيو مناسبة أوسع لانتشار الشكوك والاتهامات، وفتح ملفات كانت تبدو جديدة، أو مغلقة تتناول عدداً من الأحداث التي جرت بعد الوصول إلى السلطة، ومن أمثلة ذلك:

  • اتهام اللواء صلاح جديد مباشرة بالتسريحات الواسعة للضباط في بداية حركة 8 آذار/ مارس حين كان نائباً، فرئيساً للجنة شؤون الضباط، وتعويض مئات الضباط الذين سرحوا على أساس أنهم من رموز الانفصال باستدعاء ضباط احتياطيين كانوا مجنّدين وتثبيتهم ضباطاً عاملين وفيهم نسبة كبيرة من العلويين، ما أحدث خللاً في التوازن داخل الجيش، وكذلك التنقلات التي حدثت من حيث الإبعاد ووضع المقرّبين في مفاصل مهمة والترفيعات.
  • سُرِّح عدد كبير من الضباط غير العلويين بعد حركة 23 شباط/ فبراير من السنة وسلمية بينما لم تطل تلك التسريحات المحسوبين على اللواء محمد عمران وكانوا كثراً، وهم الذين برزوا بعد وقت قصير في تكتل حافظ أسد وانقلابه. ومن المعروف أن محمد عمران الذي كان رئيس اللجنة العسكرية وأعلى رتبة فيها اصطفّ مع القيادة التاريخية وجرى إبعاده قسرياً عن سوريا قبل حركة 23 شباط/ فبراير، وإعادته من القيادة القومية وزيراً للدفاع في ما يعرف بالقفزة النوعية التي حلّت فيها القيادة القطرية، فسرّح وحده في حينإأن ما يعرف بمجموعة العلويين وغيرهم من الضباط كانوا محسوبين عليه ولم يسرّحوا.
  • في إثر محاولة الرائد سليم حاطوم الانقلابية الفاشلة في 8 أيلول/ سبتمبر 1968 جرى تسريح عدد من الضباط الدروز، وكذا الأمر حين اتهام اللواء أحمد سويداني بمحاولة انقلابية /تموز/ يوليو 1968/ وهربه من سوريا جرى تسريح عدد من الضباط الأقرباء والسنة بخاصة من حوران.

ولعلّ الحدث الأكبر الذي أثار فيضاً من الأسئلة والشكوك والاتهامات يتعلق بظاهرة حافظ الأسد بدءاً من تكريس الهزيمة ووصولاً إلى انقلابه في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، ونلاحظ هنا ما يأتي:

  • يقال إن اللواء صلاح طرح -في الاجتماع المشترك للقيادتين القومية والقطرية، وهي أعلى سلطة قيادية بعيد الهزيمة- اقتراح تغيير القيادة العسكرية (وزير الدفاع ورئيس الأركان) وهو الاقتراح الشهير الذي سقط بفارق صوت واحد. انطلقت الشكوك من عدم التحضير المسبق لنجاح الاقتراح، فقد كان من المعروف أن هناك ما يشبه قيادة القيادة التي غالباً ما كانت ترتب الأمور وتنضجها، أو تطبخها قبل الاجتماعات لتأمين نجاحها، وأن اقتراحاً بمثل تلك الأهمية كان يستلزم التحضير المسبق، وكان ذلك متاحاً في حينها بيسر، ما فتح المجال لعدد من التأويلات ورتّب نتائج كارثية أدّت إلى الانقلاب.
  • بعد بروز ظاهرة التكتل العسكري بقيادة الأسد، وتمرده على القيادة القطرية التي هو عضو فيها، وصولاً إلى اتخاد ما يعرف بقرار المواجهة الذي لم ينفّد، وانتهى بانتحار العقيد عبد الكريم الجندي أو مقتله، أثيرت تساؤلات كبيرة محمّلة بكثير من الشكوك عن سرّ فشل مواجهة حافظ الأسد وتصفيته قبل إنشاء تكتله العسكري وتغوّل دوره درجة تكريس ما يعرف بمرحلة الازداوجية وبعده حين صار منافساً للقيادة ومتمرداً علنياً عليها. كان كثيرون يطرحون سؤالاً يحمل دلالاته: تُرى لو لم يكن الأسد علوياً هل كان يمكن له أن يستمر أياماً في وضعه التمرّدي؟ ولماذا لم يعامل كما عومل من حاول قبله الخلاف مع القيادة والتمرّد عليها، أو اتهامه بمحاولات انقلابية، في حين إن ظاهرة الأسد كانت الأخطر والأوضح والأطول؟

رواية اجتماع العقيد عبد الكريم الجندي (رئيس مكتب الأمن القومي) باللواء صلاح جديد بعد رجوعه  كما يروى بشكل شبه مؤكد  من زيارة العقيد عزّت جديد  قائد اللواء 70، والحديث معه للتحرك لتصفية الأسد أو اعتقاله، وطلب العقيد عزت موافقة القيادة ممثلة بالأمين العام المساعد، وذلك اللقاء، وما يحكى عن عدم استجابة اللواء صلاح لاعتبارات قدّمها، وانتحار الجندي أو مقتله في تلك الليلة وما ورد في وصيته من إشارات واضحة عن الظاهرة الطائفية، وتوظيف بعض الرفاق للعلاقات الخاصة لتحسين مواقعهم، فضلاً عن اتهامه العلني الثقيل للأسد بالعمالة.

هذه الحالة أثارت مزيداً اللغط على الوضع الطائفي وموقعه مما جرى، على الأقل من موقع العوامل المحركة لمواقف عدد من الضباط المحسوبين على الطائفة العلوية.

  • ستكون الصورة أكثر فجاجة مع عقد المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي الذي قرر عزل كلّ من وزير الدفاع ورئيس الأركان بواقع عدم وجود قدرة للتنفيذ، وانتهاء المؤتمر بانقلاب أبيض نفّده الأسد من دون إطلاق رصاصة واحدة، وحكايا الإعداد لانقلاب يعيد القيادة إلى السلطة بعد نجاح انقلاب الأسد.
  • بروز جماعة عمران بعد انقلاب الأسد التي بدت كأنها الأقوى في الجيش، وكانت في مواقع عسكرية مفصلية، والحكايا المتواترة والمتعددة عن نيات بانقلاب، وعن تحالفات محتملة مع جماعة صلاح جديد على امتداد سنوات عدة، حتى بعد اغتيال اللواء محمد عمران في لبنان من طرف الأسد، وبتنفيذ من شقيقه رفعت، وتكاثف تلك الحكايا بعد الدخول إلى لبنان 1976 درجة رواية عدد من التفاصيل السرّية عن مواعيد محددة للتحرك الانقلابي، وعن تحالفات، وحتى إعلان أسماء حكومة ما بعد الانقلاب.
  • كان حافظ الأسد -خلافاً للمراحل السابقة- وقحاً وعلنياً بممارساته الطائفية، وعلى الرغم من محاولات تغليف حكمه بمزيد من شعارات الديماغوجيا، إلا أنه تعاطى بصورة شبه علنية مع الظاهرة العلوية. وظّفها واستخدمها بقوة وبخاصة في الأجهزة الأمنية، ومفاصل الجيش، وتوسّع في ذلك على مدار عقود حكمه لتشمل قطاعات مهمة في الاقتصاد والإعلام والشهادات العليا والجامعات وحتى في الفنون والأدب.

وبقدر ما عبّر التوريث عن ذلك البعد العائلي، النرجسي في شخصية الأسد الطاغية، ترجم أيضاً حرص الضباط العلويين على استمرار الحكم بذلك النفوذ والسيطرة، وهم عملياً من فرضه، وهم من شكّل على مدار السنوات عماد الاستمرار.

معارضة النظام علوياً

لا بدّ من التنبيه –بدءاً- إلى التفريق بين وجود مذهب تاريخي من حقه التعبير عن نفسه وعقيدته في إطار دستور وقوانين البلاد، وتسييس الطائفية من مجموعات لها مصلحة في ذلك، وقد تبلورت عبر العقود بالسيطرة على الحكم، واستثمار الوضع المذهبي لمصلحة بقائه، مهما كانت موبقاته، وممارساته. ومما لا شكّ فيه أن أدواراً وطنية قامت بها فاعليات محسوبة على الطائفة عبر سيرورة سوريا والمراحل التي مرّت بها، وبخاصة في مقاومة المستعمر الفرنسي، وانتزاع الجلاء، ورفض محاولات التقسيم، والمحافظة على وحدة سوريا دولة وجغرافيا ومجتمعاً.

ترافقاً مع هذا المسار يعرف الجميع أن آلافاً من العلويين عارضوا نظام الأسد منذ بداياته، ومارسوا أدواراً مهمة في تلك المعارضة، واعتقل آلاف منهم، وجرت تصفية عشرات داخل السجون وخارجها، وكانت البداية مع تصفية الشاعر عبد الرحمن الخيّر، ثم اللواء محمد عمران، واغتيال اللواء صلاح جديد في السجن، وكثير من الشباب الذين جرت تصفيتهم تحت التعذيب، وهناك معلومات كثيرة عن تصفيات واسعة لعشرات الضباط بعد قيام الثورة (وهو ما سنتطرّق إليه لاحقاً).

حدود المعارضة وسقفها

بحث كثير من المهتمّين، وبخاصة من بعض القيادات البعثية المعروفة، عن مرجعيات الحالة الطائفية، وعن الاستخدام، وهل ما جرى كان عفوياً وفي سياق حالة تطورية لمسار الأحداث كما تظهر، أو تُفسر، أم أن هناك حالة قصدية منظّمة؟.

ما هي حدود المعارضة

أغلبية البعثيين حتى في الوسط القيادي الذين عايشوا تلك المرحلة، وشاركوا في مواقع قيادية في حزب السلطة كانوا يغلّبون تحليل الظاهرة من مرجعية أخرى تنفي وجود نيات، أو مخططات مسبقة، أو قيادات للطائفة (مجلس ملّي أو غيره) وذهب كثير منهم نحو مؤثرات البنية الطبقية والمجتمعية والثقافية، والمؤثرات المذهبية التي كانت أحد أهم المحرّكات في المنعطفات حين تبرز قوية وتلتهم الجانب المبدئي، أو تتغلب عليه على الرغم من الجنوح إلى التستر وإيجاد أغلفة للمواقف يمكن أن تكون أشدّ يسارية، وتركيزاً على الصراع الطبقي.

هناك من كتب عن العقل الأقلوي ومركباته، وهو هنا عام ولا يخصّ طائفة أو مجموعة بعينها، ويعتمد القمع سبيلاً، ويمتلئ بالخوف المركّب من الأكثري، فيتحصّن بكل ما يجعله قوياً، ومستمراً. من دون أن ننسى موقع المصالح الخاصة وحمايتها بما يجعلها دائمة وقوية، وحصينة من أي محاسبة. لذلك يلجأ كثيرون ممن باتوا في مواقع الحكم إلى جلب الأقرباء وأبناء الضيعة والعشيرة والاحتماء بهم، وتشكيل قوة، وهو ما كان واضحاً في سلوك الأسد ومساره قبل أن ينجز انقلابه، وعلى مدار سنوات حكمه.

لكن هناك من تحدّث وكتب عن وجود تنظيم قديم داخل البعث، طائفي قرر قبل الحكم امتطاء البعث سبيلاً للحكم، وأنه يستند بشكل رئيس إلى العسكريين والنافذين العلويين، وهو لا علاقة له بحالة دينية أو مشيخية، وأن ذلك التنظيم هو من قاد الحكم والحزب وما يزال، وله قيادات وشبكة تنظيم واسع، ولا يعني ذلك أن جميع العلويين منخرطون فيه، أو على علاقة أو علم به.

هناك من كتب عن الخطوط الحمراء للمعارضة العلوية، ومن ثم الحدود والسقوف، وقد تناوب هذا الرأي في محطات عدة قبل الثورة السورية وفي أثنائها، في حياة الأسد الطاغية، وبعد التوريث، بأن تلك المعارضة يمكن أن تذهب بعيداً حدّ إسقاط النظام، أو تصفية الأسد إذا كانت هي البديل، أو هي الضامنة لاستمرار الحكم ضمن سيطرتها، أما إن كانت مشاركتها جزئية، أو غير موجودة فإنها تمتنع عن الذهاب بعيداً، ويمكن أن تقف ضدّ أي تغيير من أطراف أخرى إذ في حينها سيحضر بعبع الخوف من الآخر الأكثري، وهو يتغدّى باحتقان تاريخي نجح النظام في تفعيله عبر عقود الحكم، وبخاصة سنوات المجابهة مع الحركة الإسلامية وفي الثورة السورية.

الثورة السورية (المواقف والتحولات)

في الأشهر الأولى من الثورة السورية التحق بها عدد كبير من المحسوبين على الطائفة العلوية من المعارضين القدماء والشباب، وشارك كثير منهم في فاعلياتها، وفي الهيئات التي قامت، لكن وبعد زمن ليس بالطويل حدث نوع من الانكفاء والتراجع لدرجة ملحوظة، وبخاصة بعد انتشار ظاهرة التسلّح والعسكرة، ونجاح النظام في تحويل الصراع إلى مذهبي (سني – شيعي) وانزلاق عدد من المحسوبين على الثورة إلى الوقوع في ذلك الفخ، وخروج تصريحات غير واعية كانت تطلق أحكاماً بالجملة على العلويين جميعهم، في حين إن تلك الإسلاموية الساذجة والمنفلتة من الوعي والمسؤولية وتعدد الفتاوى والجهات. أشعرت أغلب المكوّنات أنه لا مكان حقيقي لهم في تركيبة ما يجري، وأنهم في نظر كثيرين متهمين بوطنيتهم، وأن عليهم أن يثبتوا حسن سلوكهم وانتماءهم إلى الثورة باستمرار.

هذا وجه من صورة التحوّلات التي حصلت عبر السنوات الفائتة التي أدّت إلى تراجع أبناء الطائفة العلوية معظمهم عن تأييد الثورة، لكن هناك وجه آخر، وهو الأهم، المتعلق بموقف المؤسسة العسكرية بضباطها العلويين بالتخصيص من الثورة، ومن العمل على تخليص البلاد من شرور هذا النظام والعائلة.

على الرغم من كثير مما يقال عن تصفيات واعتقالات جرت في صفوف الضباط العلويين خوفاً من انحيازهم إلى الثورة، أو للاشتباه بما يخططون له من عمل مضاد (تحضر قصة تصفية خلية الأزمة باستمرار)، ووجود رهانات داخلية وخارجية على هؤلاء الضباط للقيام بعمل جراحي يخلّص البلاد والشعب من ذلك الوباء المتمثل في العائلة ورأس النظام وطغمة المقربين، إلا أن الوقائع لم تجسّد شيئاً ملموساً. على العكس فقد بدا النظام بعصبته الرئيسة -وفي مقدمتها الضباط العلويون- متماسكاً وعصياً على الاختراقات، وأن الانشداد الطائفي والمصلحي كان أقوى من الانتماء إلى الوطن والشعب، فضلاً عن أن مسار الأوضاع، وما عرفته الثورة من تطورات وتعقيدات، والتدخل الخارجي الذي أدى إلى منع انهيار النظام في وقت مبكر، ثم استعادة عدد من المدن والمناطق التي كانت تحت سيطرة القوى المحسوبة على الثورة، ذلك كله أعطى صورة سيطرة النظام على الوضع، وتحكمه فيه من دون وجود أخطار جدّية عليه من داخله.

لكن بالمقابل فإن مفاعلات قوية أخرى تفعل فعلها في وسط الطائفة، وضمن فئات الضباط كما هو طبيعي، ومُفترض. تتواتر الأخبار عن وجود نقمة في الوسط العام الشعبي للطائفة ضد النظام الذي ساقهم إلى المجهول وحافة الهاوية، وإلى مستقبل غير آمن، وممتلئ بالأحقاد التي يمكن أن ترتدّ في الأيام الآتية ما لم تتغلب الوطنية السورية وتعمّ لغة المصالحة والتسامح، وبالأساس من ذلك ما لم يقوموا بدورهم المأمول في إنهاء النظام الفئوي، والاصطفاف في خندق الوطنية بوصفهم جزءاً فاعلاً من الوحدة الوطنية.

على صعيد الضباط العلويين وتركيبتهم فإن قيامهم بالدور الذي يجب القيام به من سنوات يصعب، ما لم يكن مستحيلاً تجسيده من دون ضوء أخضر من القوى المهيمنة على سوريا، وهي روسيا بالتحديد الماسكة لمعظم خيوط الملف السوري، وصاحبة النفوذ الأول داخل المؤسسة العسكرية وفي القرار السياسي.

فهل آن الأوان كي تعمل روسيا على التخلص من هذا العبء الثقيل الذي يمثله استمرار بشار الأسد وطغمته؟. أم أن شروط إتمام صفقة، أو مقايضة لم تنضج بعد بسبب مواقف الإدارة الأمريكية غير الواضحة، أو غير المعنية كثيراً بأولوية هذا الخيار؟.

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.