هل يتعين انتظار خليفة جديد؟ الخلافة الإسلامية في فكر محمد إقبال

مضت تسعة عقود على رحيل عبد المجيد الثاني آخر السلاطين العثمانيين في نيس بفرنسا عام 1924 وإعلان أتاتورك نهاية الخلافة والتحول إلى الدولة الحديثة، وخلال العقود التسعة فمن المؤكد القول إن جمهور الأمة الإسلامية كان يعتبر الخلافة أملاً موعوداً تتحقق فيه وحدة المسلمين وقوتهم ومنعتهم وكرامتهم، وإن كانت هذه الآمال قد اتخذت طابعاً من التحفظ والريبة بعد نتائج الحروب الضارية التي خاضتها الحركات العنيفة لإحياء الخلافة وما نتج عنها من آثار مدمرة في العالم الإسلامي، وبؤس الشعارات السوداء التي رفعت مؤخراً تحت عنوان خلافة على منهاج النبوة.

يسجل للفيلسوف الإسلامي محمد إقبال موقف فريد من مسألة الخلافة في وقت مبكر، خاصة أنه عاصر تلك الأيام الصاخبة، حين كان يغني لقيام مجد إسلامي جديد في شمال القارة الهندية، وعلى الرغم من حنينه الدائم للدولة المسلمة وللتاريخ الإسلامي وللحضارة الإسلامية، ولكنه لم يكن يرى الخلافة بوضعها البائس تعبيراً عن شيء من هذا، واختار الدعوة للدولة الحديثة التي تحمل قيم الإسلام بدل الدولة القديمة التي تحمل اسم الإسلام ولا تعرف رسالته ومجده.

لا يوجد شكل سياسي يمكن القول إنه أمر الله دون سواه، ولم يأت القرآن الكريم لينتصر للحكم الجمهوري أو الملكي أو الاشتراكي أو الرأسمالي، لقد كان المطلب القرآني واضحاً في طبيعة الحكم الإسلامي بأنه رسالته العدل (ليقوم الناس بالقسط) ووسيلته الشورى (وأمرهم شورى بينهم) أي حكم الجماعة، وهو ما يقتضي أنه مناقض للاستبداد، ولكن ذلك لا يعني بأي حال أن تفاصيل المجالس الحاكمة والهيئات السياسية التمثيلية يمكن أن نحددها وفق نصوص القرآن الكريم أو السنة المشرفة.

إن إقحام النص الديني في وصف شكل الحكم في الإسلام يعتبر تعسفاً وتمحلاً تأباه العقول السليمة، ولا زال التاريخ الإسلامي ينتج أشكالاً لا تنتهي من صيغة الحكم، تخيرها الناس في قرون وأمصار شتى واجتهدوا أن يحققوا للناس الأمن والعدل، وكلها وقف وراءها فقهاء وأصوليون.

لقد ولي أبو بكر الخلافة عن شورى بين النخبة، فيما ولي عمر بن الخطاب بوصية من الحاكم الراحل أبي بكر الصديق، وولي عثمان عبر مجلس خبراء تخيره عمر، وولي علي عبر ظروف حربية استثنائية، وولي معاوية عبر اتفاق سياسي مع الحسن، وولي يزيد وراثة عن أبيه.

إنها باختصار ستة أنظمة مختلفة لاختيار الحاكم تم تطبيقها بعد رحيل الرسول مباشرة وعبر كبار الصحابة.

إن نظام الحكم في الإسلام هو سلسلة من القيم العليا التي ينبغي تحقيقها في المجتمع من الأمن والحرية والعدالة والمساواة والتعليم والصحة، وهذا هو جوهر توحيد الله ورفض الخضوع للجبت والطاغوت، وأي نظام حقق هذه الأهداف فهو النظام الإسلامي الذي يحقق أهداف النبوة في الدولة الرشيدة، وأي حكم يكرس المظالم والفوارق والجهل والتخلف فلن يكون نظاماً إسلامياً مهما كان يتدثر بشعارات التوحيد والكتاب والسنة.

وأما التعبير بالخلافة فقد كان سبيلاً لربط الخلف بالسلف وتذكير الحاكم بأنه يستكمل رسالة النبوة وأن مسؤوليته هي العدل والمساواة بين الرعية.

ولكن الخلافة ليست شعاراً إعلانياً خاوياً، بل هي أسلوب حكم مرتبط بالمقاصد، وحين تعجز عن تأمين العدل والمساواة فلا معنى على الإطلاق لاعتبارها صورة الإسلام ورسالته.

لقد باتت الخلافة في القرون الأخيرة علقة شقاء على الشعوب الإسلامية، وعجز الخلفاء عن تأمين العدل في الرعية وعن وقف الفساد في قصورهم وعروشهم، وانفصل الخليفة تماماً عن معاناة الناس وعذاباتهم، وباتت الخلافة كما رآها إقبال مريضة بائسة، تسلط عليها العسكر من كل وجه، وغرقت في الفساد والتفكك، ولم يبق لها سلطان على أهلها، ناهيك عن الشعوب الإسلامية في البلاد البعيدة التي باتت تعاني مظالم القهر والجهل والعجز دون أن تتمكن الخلافة من تقديم التنمية والازدهار لهذه الشعوب.

وفي المشهد الدولي فقد باتت الخلافة العثمانية مترهلة واهنة، لا تستطيع أن تواجه التطورات المتسارعة للشعوب الأوربية الواثبة وهي تتقاسم العالم، وقد أصبحت الخلافة نفسها ميراثاً لكل ناهب، وباتت عاجزة عن حماية نفسها في الأناضول ناهيك عن حماية الشعوب الإسلامية في الجزيرة العربية والهند وآسيا الوسطى والشمال الأفريقي، وبات من حق هذه الشعوب أن تحقق ذاتها واستقلالها وأمانيها بعيداً عن المراسيم الهمايونية التي كانت تصدر عن الأستانة ولا تحمل للعالم الإسلامي إلا الإرباك والوهن، ولا تقود مشروعاً تنويرياً صالحاً لقيام هذه الشعوب ونهضتها، وفي النهاية باتت شيخوخة هذا النظام السياسي الواهن واضحة لكل مراقب واصطلح على تسميتها بالرجل المريض بعد أن صارت نهباً للأمم الغالبة.

وكان توقيع السلطان محمد السادس على معاهدة سيفر 1920 أوضح صورة لترهل الخلافة وتحولها إلى ألعوبة بيد الدول الكبرى حيث جردت سيفر الدولة العثمانية من كل أملاكها في العالم، وفرضت نفوذ بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان على سبعين بالمائة من أراضي تركيا نفسها فيما انحسرت الدولة العثمانية إلى رقعة صغيرة حول انقرة لا تبلغ ربع الدولة التركية الحالية.

وفي موقف لافت يتحدث إقبال عن التحول من نظام الخلافة التقليدي إلى نظام الحكم الجمهوري ويعتبر أن النظام الجمهوري أكثر تعبيراً عن قيم الإسلام في العدالة والمساواة والشورى من نظام الخلافة الذي أصبح مظهر استبداد فارغ، تتوارثه عائلة حاكمة، لا مزايا لها إلا النسب الموصول بالعساكر المحاربين الذين أخضعوا العالم ذات يوم بجيوشهم الجرارة، ثم يأخذه العجب من إقرار العالم الإسلامي لنمط حكم كهذا لا يوجد فيه ما يتصل على الإطلاق بقيم الإسلام الأصيلة في الحرية والمساواة والتشاركية وتداول السلطة.

ومع أن إقبال عاصر أفول الخلافة العثمانية، يوماً بيوم، ولكنه في الواقع لم يجد ما يبرر العطف على هذا النمط الهمايوني من الحكم الذي أصبح علقة شقاء للترك وللعالم الإسلامي كله، ولم تقنعه أبداً تلك الألقاب المهيبة التي يلقيها الخلفاء البائسون على أنفسهم خليفة الإسلام والمسلمين وحامي حمى الدين وخادم الحرمين الشريفين وأمير المؤمنين والغازي الأعظم والفاتح الأفخم، حضرة أقدس همايون السُلطان خان المُعظَّم، پاديشاه، عاهل آل عُثمان، سُلطان السلاطين، بُرهان الخواقين، وخليفة رسول ربِّ العالمين، مُتوِّجُ المُلوك، ظِلُّ الله في الأرضين وسُلطانُ البحرين!! وهذا ليس إلا ثلث اللقب الرسمي للعثمانيين، ورأى أنها ألقاب مملكة في غير موضعها، وأنها لا تحقق شيئاً للإنسان، ولا معنى لحضارة لا تجعل محورها الإنسان. 

لماذا تكون هذه الخلافة صورة الإسلام في العالم، وهي ترتكز على الحكم الفردي الاستبدادي، ولا تعكس أي روح جماعية ديمقراطية، ولماذا نتصور أنها تعبر عن وحدة المسلمين بعد أن صارت صورة بائسة لا تستطيع مواجهة نزعات التتريك المحلية، وأصبح استمرارها يتطلب ولاة مستبدين باطشين يحولون دون قيام الشعوب ودون نهضتها وحريتها.

لقد تجاوز العالم كله فكرة الامبراطور الفرد، وحتى الدول التي تحمل الدم الانكليزي الصلب الرافض للتطوير اختارت في النهاية الحفاظ على ملوكها هياكل من ذكريات ولكنها نزعت من أيديهم الحكم ودفعته إلى المجالس المنتخبة الديمقراطية، فلماذا يجب على الأمة المسلمة أن تتخلى عن حرياتها وقيامها ونهوضها من أجل تقاليد عتيقة زخرفها وعاظ السلاطين، ولم تعد تعني المسلمين في شيء.

لقد أدهشه أن هذا النمط من الحكم الذي يركز السلطة كلها في يد الفرد وينقلها لأبنائه بعد موته ليس له أصل في الشرع، بل إن نصوصاً كثيرة نهت عن الملك العضوض الذي يتوارث السلطات، ولا وجود في نص القرآن الكريم كله لمنصب الخلافة ناهيك عن منصب ولي العهد المتربص بالمنصب وفق إرادة المستبد وضد إرادة الشعب.

وخلاف كل أدبيات الحركة الإسلامية التقليدية التي تعتبر أتاتورك عدوا ماحقاً للإسلام فإن إقبال يبدي إعجابه بالإصلاحات الكبيرة التي يقوم بها مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، وذلك عقب نجاحه في إجبار الغرب على التوقيع على معاهدة لوزان التي استقلت فيها تركيا بالكامل، ويبدي رغبته بأن يقوم أتاتورك جديد في كل بلد إسلامي ينفض عنه غبار القرون!! ويقول ما نصه:

“إن تركيا، في الحق، هي الأمة الإسلامية الوحيدة التي نفضت عن نفسها سبات العقائد الجامدة، واستيقظت من الرقاد الفكري، وهي وحدها التي نادت بحقها في الحرية العقلية، وهي وحدها التي انتقلت من العالم المثالي إلى العالم الواقعي، تلك النقلة التي تستتبع كفاحاً مريراً في ميدان العقل والأخلاق”.[1]

وقد أثار إعجاب إقبال بأتاتورك حيرة كثير من المفكرين الإسلاميين، وتأول له كثير بأن موقفه هذا بأنه كان قبل أن تظهر نوايا أتاتورك الهدامة، ولكنني أعتقد أن إقبال كان على بصيرة في موقفه، وقد تجاوز العاطفة التقليدية ونظر إلى مصلحة العالم الإسلامي الحقيقية.

لقد بات واضحاً أن أوروبا تتقاسم تركيا المريضة وأن الخليفة لا حول له ولا قوة، وقد بات مستعداً أن يعقد لواء الصدر الأعظم لكل غالب، وكان من الوارد تماماً أن يكون هذا الصدر بريطانياً أو فرنسياً وفق سياق الأحداث الجارف، ومن هنا فقد قدم إعجابه بالجهد الكبير الذي بذله مصطفى كمال أتاتورك في مواجهته للجيوش الأوربية ورفض تسليم تركيا للغرب، الذي فرضته اتفاقية سيفر، وإعلانه استقلال تركيا دولة حديثة، وفق القيم الديمقراطية في العالم المتحضر.

ومع أن إلغاء منصب الخلافة بدا عملاً مرعباً، أغضب التيارات الإسلامية التقليدية في العالم كله، ولكن إقبال نظر إلى المسألة في سياق المقاصد، بعد أن بات واقع الخلافة عاجزاً عن تحقيق أي من مقاصد الإسلام الكبرى في الحكم، وباتت ألقاب مملكة في غير موضعها.. كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد.

ومع أن موقف إقبال لا يشبه الخطاب التقليدي الذي تعودنا سماعه في رثاء الخلافة باعتبارها صورة الإسلام ومجده، ولكن هذا الموقف الواقعي شاركه فيه كثير من المفكرين الإسلاميين الذين عاصروا تلك المرحلة، وربما كان في المفيد أن نشير هنا إلى نص بالغ الأهمية كتبه الزعيم الإسلامي الفقيه الكبير عبد الحميد بن باديس في رثاء مصطفى كمال بعد موته.

وعبد الحميد بن باديس كان أيضاً ضمير الثورة الإسلامية في الجزائر على الاستعمار الفرنسي، وقد وجد مشتركاً كثيراً في حركة أتاتورك الرامية إلى التخلص من هيمنة الدول الأوربية التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية على تركيا، ووجد في نجاح اتاتورك في توحيد تركيا ما يدعوه إلى تقدير هذه البسالة واعتبارها أيضاً انتصاراً لقيم الإسلام في الحرية والأمن والكرامة.

ولا بأس أن نروي طرفاً مما كتبه باديس وهو رئيس جمعية العلماء الجزائريين في رثاء أتاتورك، وهي مقالة طويلة نشرتها صحف كثيرة، وتلتقي مقاصدها بما كتبه إقبال في حق أتاتورك:

” في السابع عشر من رمضان المعظم ختمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث، وعبقري من أعظم عباقرة الشرق، الذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب، فيحولون مجرى التاريخ ويخلقونه خلقا، ذلك هو مصطفى كمال بطل غاليبولي في الدردنيل وبطل سقاريا في الأناضول وباعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعز والسمو……

إنني أرى من المناسب أو من الواجب أن أقول كلمة في موقفه إزاء الإسلام، فهذه الناحية الوحيدة من نواحي عظمة مصطفى أتاتورك الذي ينقبض لها المسلم…………

لقد كان خليفة المسلمين يجلس في قصره تحت سلطة الانجليز المحتلين لعاصمته ساكناً ساكتاً، أستغفر الله بل متحركاً في يدهم تحرك الآلة لقتل حركة المجاهدين بالأناضول، ناطقاً لإعلان الجهاد ضد مصطفى كمال ومن معه، الخارجين عن طاعة أمير المؤمنين…

وأما شيخ الإسلام وعملاؤه فيكتبون للخليفة منشورا يمضيه باسمه ويوزعه على الناس بإذنه، وتلقيه الطائرات اليونانية على القرى برضاه يبيح فيه دم مصطفى كمال ويعلن خيانته ويضمن السعادة لمن يقتله.

وأما شيوخ الطرق الضالين واتباعهم المنومون فقد كانوا أعوانا للإنجليز وللخليفة الواقع تحت قبضتهم، يوزعون ذلك المنشور ويثيرون الناس ضد المجاهدين.

وأما الأمم الإسلامية تعد السلطان العثماني خليفة لها، فمنها – إلا القليل – من كانوا في بيعته، فانتفضوا عليه ثم كانوا في صف أعدائهم وأعدائه، ومنها من جاءت مع مستعبديها حاملة السلاح على المسلمين شاهرة له في وجه خليفتهم.

فأين هو الإسلام في هذه (الكليتيات) كلها؟، وأين يبصره مصطفى الثائر المحروب، والمجاهد المقهور منها؟

لقد ثار مصطفى كمال حقيقة ثورة جامحة جارفة ولكنه لم يثر على الإسلام وإنما ثار على هؤلاء الذين يسمون بالمسلمين. فألغى الخلافة الزائفة وقطع يد أولئك العلماء عن الحكم فرفض مجلة الأحكام واقتلع شجرة الطرقية من جذورها، وقال للأمم الإسلامية عليكم أنفسكم وعلي نفسي، لا خير لي في الاتصال بكم مادمتم على ما أنتم عليه، فكونوا أنفسكم ثم تعالوا نتعاهد ونتعاون كما تفعل الأمم ذوات السيادة و السلطان.

أما الإسلام فقد ترجم القرآن لامته التركية بلغتها لتأخذ الإسلام من معدنه، وتسقيه من نبعه، ومكنها من إقامة شعائره فكانت مظاهر الإسلام في مساجده، ومواسمه تتزايد في الظهور عاما بعد علم حتى كان الظهر الإسلامي العظيم يوم دفنه والصلاة عليه تغمده الله برحمته.

لسنا نبرر صنيعه في رفض مجلة الأحكام ولكننا نريد أن يذكر الناس إن تلك المجلة المبنية على مشهور وراجح مذهب الحنفية ما كانت تسع حاجة أمة من الأمم في كل عصر لأن الذي يسع البشرية كلها في جميع عصورها هو الإسلام بجميع مذاهبه لا مذهب واحد أو جملة من مذاهب محصورة كائنا ما كان وكائنة ما كانت.

ونريد أن يذكر الناس أيضا أن أولئك العلماء الجامدين ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا غير ما عرفوه من صغرهم من مذهبهم وما كانت حوا صلهم الضيقة لتتسع لأكثر من ذلك. كما يجب أن يذكروا أن مصر بلد الأزهر الشريف مازالت إلى اليوم الأحكام الشرعية – غير الشخصية – معطلة فيها، وما يزال (كود) نابليون مصدر أحكامها إلى اليوم، ومازال الانتفاع بالمذاهب الإسلامية في القضاء – غير المذهب الحنفي – مهجورا كذلك إلا قليلاً جداً.

 نعم إن مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية وليس مسؤولا في ذلك و حده وفي إمكانهم أن يسترجعوها متى شاؤا وكيفما شاؤوا ولكنه رجع لهم حريتهم و استقلالهم وسيادتهم و عظمتهم بين أمم الأرض، وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع، وهو وحده كان مبعثه و مصدره، ثم إخوانه المخلصون، فؤإما الذين رفضوا الأحكام الشرعية إلى (كود) نابليون فماذا اعطوا امتهم؟ وماذا قال علمائهم؟  فرحم الله مصطفى و رجح ميزان حسناته في الموازين، وتقبل إحسانه في الحسنين.”

لقد نقلنا النص بطوله عن الشيخ عبد الحميد بن باديس وهو من هو في ضمير المجاهدين في الجزائر وفي العالم الإسلامي كله، والمراد من ذلك ان نوكد إن المواجهة مع نظام الخلافة المتهالك لا يعني أبداً المواجهة مع الإسلام وإنما مع نمط حكم عجوز قائم على الاستبداد لم يعد قادراً على التعبير أبداً عن آمال الأمة المسلمة، ولم يعد صورة لقيم نظام الحكم الإسلامي في تحقيق العدالة والمساواة والحرية، وهذا بالضبط ما أراده إقبال.

وربما كان إقبال أشد المفكرين الإسلاميين وضوحاً في تفضيل الديمقراطية الحديثة على منطق الخلافة، على الرغم من السحر اللفظي الذي تعبق به كلمة الخلافة وخاصة حين يقال إنها خلافة على منهاج النبوة.

لقد رأى إقبال أن الخلافة على منهاج النبوة لا يمكن بحال أن تكون هذا الشكل الهمايوني الذي يتعاقب به السلاطين العثمانيون المفصولون عن العالم، والمستمسكون بمزاياهم وألقابهم وعروشهم وتيجانهم دون أن يكون لهم شرف خدمة الناس وحماية الأمة وبسالة الدفاع عنها.

فهل نملك الشجاعة لإعادة قراءة التاريخ بعين بصيرة، وندرك أن رسالتنا هي المستقبل وبناء الدولة الحديثة القائمة على الشورى والديمقراطية وليس تقديس الماضي الاستبدادي، وأن ندرك أن التاريخ محكوم بقانون قرآني قديم: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون؟


[1]  محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، طبع دار الهداية ص


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.